الواجهة الرئيسيةترجماتثقافة ومعرفة

لا ينبغي للتغيرات المناخية أن تؤجج الصراعات

المسائل السياسية أكثر أهمية من البيئة عندما يتعلق الأمر بالحرب والسلم

كيوبوست – ترجمات

طارق غني وروبرت مالي♦

من بين العديد من التقديرات الواقعية للأضرار الناجمة عن التغيرات المناخية، تطالعنا هذه الإحصائية الصادمة: وفقاً للخبراء، فإن ارتفاع درجات الحرارة المحلية بمعدل نصف درجة مئوية يرتبط بزيادة تقدر بـ10- 20 في المئة في احتمال نشوب صراعاتٍ مميتة. ويقدِّر علماء المناخ في الأمم المتحدة أن الانبعاثات الناتجة عن النشاط البشري قد سببت ارتفاعاً عالمياً بدرجة الحرارة يقدر بدرجة واحدة منذ الثورة الصناعية، وبما أن معدل التغير المناخي يتسارع فهم يتوقعون حدوث نصف درجة أخرى من الاحترار بحلول عام 2030.

وسوف تشهد المناطق المدارية احتراراً أكبر يؤدي إلى ارتفاع مخاطر عدم الاستقرار المرتبط بالمناخ؛ إلا أن تجنب الصراعات الناتجة عن التغير المناخي يتطلب عملاً أسرع من العمل على معالجة التغير المناخي نفسه. فعلى الرغم من تبني الكثير من الدول سياساتٍ تهدف إلى خفض كميات الانبعاثات الكربونية بشكل كبير؛ فإن مناطق كثيرة قد بدأت تعاني ارتفاعاتٍ قياسية في درجات الحرارة، وارتفاعاً في مستوى البحار وهطول الأمطار الغزيرة؛ وهي تغيرات قد تعطل سبل العيش، وتؤدي إلى تفاقم انعدام الأمن الغذائي، وزيادة التنافس على الموارد وتحفيز الهجرة.

اقرأ أيضاً: حتى 2030 فقط.. الكوكب أمام فرصة أخيرة للنجاة من كوارث التغير المناخي

لذلك؛ فإن العمل على منع نشوب الصراعات يجب أن يبدأ الآن. ويلاحظ أن العلاقة بين المناخ والصراعات ليست بسيطة أو خطية؛ ففي بعض الأحيان يسبب الاحترار شُحَّ الأمطار والمجاعة، وفي بعضها الآخر قد يؤدي إلى توفير موارد جديدة. كما أنه قد يحدث العكس تماماً في العلاقة بين المناخ والصراعات، وذلك حين تتسبب الصراعات وغياب سلطة القانون في حدوث التغيرات المناخية؛ مثل تدمير الغابات في الأمازون مثلاً.

اقرأ أيضاً: التغير المناخي والأوبئة الجديدة.. هل نحن مستعدون؟

وباختصار، فإن تغير المناخ يؤثر على كيفية إدارة الدول؛ فالتصدي له لا يكون فقط في الحد من أسبابه، بل يجب العمل على تعزيز قدرة الدول على تحمل نتائجه. وهذا الأمر يتطلب فهماً عميقاً للديناميكيات السياسية المعقدة التي إما أن تمكن الدول من إدارة التغيرات المناخية، وإما أن تدفعها نحو صراعات مريرة.

مناخ الصراعات

تعد منطقة شمال نيجيريا من أوضح الأمثلة على الصراعات الناتجة عن التغيرات المناخية؛ فمنذ السبعينيات تعرضت المنطقة إلى موجات جفاف شديد بسبب التغيرات المناخية، ما أدى إلى تمدد الصحراء وجفاف العديد من مصادر المياه وتقلص المراعي. وهذا دفع إلى نشوب صراع بين الرعاة والمزارعين على الموارد الطبيعية. ومع مرور الوقت شكَّل كل فريق منهما جماعاته المسلحة التي اشتبكت في صراعٍ مميت أدى إلى سقوط ضعف عدد الضحايا الذين سقطوا بنيران جماعة بوكو حرام الإرهابية خلال عام 2019.

مقاتلون من جماعة بوكو حرام الإرهابية في نيجيريا- “رويترز”

وليست نيجيريا المثال الوحيد؛ ففي شمال شرق سوريا مثلاً استمر الجفاف الشديد بين عامي 2006 و2011، وخسر 75% من المزارعين محاصيلهم، وفقد الرعاة نحو 85% من مواشيهم؛ فكان ذلك من بين الأسباب التي أدَّت إلى انتفاضة عام 2011 في البلاد، إلى جانب قمع الحكومة للاحتجاجات الأولى.

اقرأ أيضاً: “بوكو حرام”.. الإخوان ينشرون الخراب في نيجيريا

وكذلك يمكن أن تؤدي التغيرات المناخية إلى زيادة التوترات بين الدول، والنزاع الحالي بين مصر والسودان وإثيوبيا حول سد النهضة الإثيوبي الكبير على نهر النيل، هو أحد أحدث هذه التوترات. وأيضاً في آسيا الوسطى أدى الاحترار إلى نزاع على الموارد المائية بين كازاخستان وقرغيزستان، وبين طاجيكستان وأوزبكستان. ويمتد المشهد شرقاً؛ حيث تتأجج التوترات بين دول حوض نهر ميكونغ، بسبب سياسات الصين المائية غير الشفافة في أحد عشر سداً في الصين.

سد النهضة الكبير -إثيوبيا- وكالات

كما تعاني دول عديدة ضغوطاً متزايدة؛ نتيجة الهجرة المرتبطة بالتغيرات المناخية التي أدت إلى تدهور الظروف المعيشية للسكان. ويتوقع البنك الدولي هجرة أكثر من 140 مليون شخص في أمريكا الوسطى وإفريقيا وجنوب آسيا بحلول عام 2050. وهذه الهجرات الهائلة سوف تضع المهاجرين في منافسة شديدة مع السكان المحليين؛ ما سيؤدي إلى ضغوط سياسية واجتماعية وتفاقم كراهية الأجانب، وهذه كلها عوامل تدفع لنشوب عنف مميت.

اقرأ أيضاً: قادت تمرداً أودى بحياة 20 ألفاً.. ماذا تعرف عن جماعة “بوكو حرام”؟

 العامل البشري

ولكن ينبغي التريث قبل الحكم بأن الصراعات دائماً ما تكون نتيجة الصراع على الموارد المتناقصة؛ فالتغيرات المناخية والاستجابة البشرية لها قد تكون مفيدة لبعض المجتمعات على حساب مجتمعاتٍ أخرى؛ مما قد يؤدي إلى نشوب صراعات على الفوائد غير المتوقعة التي تُدار بشكل سيئ. فعلى سبيل المثال، أدى الجفاف الذي ضرب نيجيريا ومالي وبوركينا فاسو في السبعينيات والثمانينيات، إلى شحِّ موارد الرعي ونفوق المواشي، فاضطر البدو إلى العمل أُجَراء لدى المجتمعات الزراعية؛ ما أدى إلى زيادة مساحة الأراضي المزروعة.

اقرأ أيضاً: مالي بين انقلاب العسكر وحراك “5 يونيو”.. لصالح مَن تميل الكفة؟

ففي منطقة موبتي بوسط مالي، على سبيل المثال، قامت الحكومة بحفر آبار جديدة؛ لتحسين حياة البدو في المنطقة، الأمر الذي جذب المزارعين لها. ومع مرور الوقت بدأ المزارعون يطالبون بحقهم في ملكية الأراضي المحيطة بهذه الآبار، وأدى فشل الحكومة في تنظيم الصراع بين البدو والمزارعين إلى تطور هذا النزاع على الأرض إلى أعمال عنف مسلحة. وتكرر السيناريو نفسه في مقاطعة سوم في بوركينا فاسو أيضاً. وفي كلا البلدين لم تكن النزاعات ناتجة عن تضاؤل الموارد؛ بل كان القتال على اقتسام الغنائم الناتجة عن الاستجابة للتغيرات المناخية ووفرة الموارد المحدثة التي لم تدِرْها الحكومات بالشكل الصحيح.

الأمين العام للأمم المتحدة يزور قوات حفظ السلام في إقليم موبتي في مالي- الأمم المتحدة

الإبحار عبر العاصفة

يمكننا استخلاص النتائج الصحيحة والخاطئة على حد سواء من هذه الأمثلة؛ فالنتيجة الخاطئة هي أن التغيرات المناخية غير مسؤولة أو تتحمل مسؤولية ضئيلة عن الصراعات القاتلة. فهي تضع الشعوب والحكومات تحت ضغوط متزايدة. والنتيجة الصحيحة هي أن الحكومات يجب أن تفعل أكثر من مجرد تخفيف التأثيرات طويلة المدى للتغير المناخي؛ إذ يجب عليها وضع الآليات التي تنظم الوصول إلى الموارد، فالجماعات المسلحة بدءاً بجماعات الحماية الذاتية وانتهاءً بالعصابات الإجرامية والتنظيمات الجهادية يمكنها أن تستغل عدم ثقة المجتمعات المهمشة بحكوماتها كي تملأ الفراغ فيها.

إلا أنه من غير العادل ترك الدول النامية المعرضة إلى مخاطر التغير المناخي وحدها في المواجهة؛ فهذه الدول تدفع مرتين ثمن قرارات الدول الأكثر تقدماً، فهي تعاني تغيرات المناخ التي سببتها الدول المتقدمة، وفي الوقت نفسه يُطلب منها خفض الانبعاثات الكربونية فيها. يجب على الدول الغنية أن تبدأ بالوفاء بالتزاماتها التي تعهدت بها في قمة المناخ عام 2000 في ديربان بجنوب إفريقيا؛ لتزويد الدول النامية بمبلغ 100 مليار دولار سنوياً ابتداءً من عام 2020، وذلك للتكيُّف مع التغيرات المناخية وتلطيف آثارها.

اقرأ أيضاً: دراسة علمية: تغيُّر درجة حرارة المحيطات بمعدل سقوط 5 قنابل ذرية من هيروشيما كل ثانية

كما يجب على داعمي الدول النامية في مواجهة التغير المناخي الانتباه إلى تجربة مالي وبوركينا فاسو، والتأكد من أن مشروعات التنمية المتعلقة بالتغيرات المناخية تقلل الانقسامات الداخلية بدلاً من أن تفاقمها. ويجب على هذه الدول وشركائها المحليين الانتباه حيال اعتماد الحلول الأمنية المفرطة؛ فقد يكون من الضروري استعمال القوة العسكرية مع المجموعات المسلحة، إلا أن ذلك لا بد أن يترافق مع إجراءات سياسية واقتصادية وإنسانية؛ لتحسين نوعية حياة المتأثرين بالتغيرات المناخية.

وما لم تتمكن الدول النامية من مزامنة جهودها للتكيف مع التغيرات المناخية مع جهود مكثفة لمعالجة الانقسامات المحلية وتحسين سياساتها الداخلية، فإنها سوف تجد نفسها في عين العاصفة حرفياً ومجازياً.

الكاتبان:

♦طارق غني، مدير برنامج مستقبل الصراع في مجموعة الأزمات الدولية

روبرت مالي، المدير التنفيذي لمجموعة الأزمات الدولية 

المصدر: فورين أفيرز

اتبعنا على تويتر من هنا

تعليقات عبر الفيس بوك

التعليقات

مقالات ذات صلة