الواجهة الرئيسيةترجماتشؤون دولية

لا يمكن لاجتماع قمة أن يصلح مشكلات أمريكا في جزر المحيط الهادئ

كيوبوست- ترجمات

إيفيتا شيرنيفا♦

احتفل الرئيس الأمريكي جو بايدن، في البيت الأبيض، يوم الخميس، بزعماء 14 دولة من جزر المحيط الهادئ، في إطار قمة غير مسبوقة مع دول المنطقة. اختُتم الاجتماع ببيان مشترك مؤلَّف من 11 نقطة، وقَّعه جميع المشاركين، مُتعهدين بتوثيق التعاون مع الولايات المتحدة في المستقبل. ينص الإعلان على أن “جزر المحيط الهادئ لاحظت التزام الولايات المتحدة بتعزيز وتعميق تعاونها الأمني في المنطقة” في “بيئة جيوسياسية متزايدة التعقيد”؛ في إشارة غير مباشرة إلى نفوذ الصين المتزايد في المنطقة.

 قد تبدو القمة نجاحاً دبلوماسياً بالنسبة إلى الولايات المتحدة، إلا أنه نجاح هامشي؛ فواشنطن ما زالت تواجه تحديات كبيرة في المنطقة، غير تلك المتجسدة في منافسة الصين.

رفضت جزر سليمان التوقيع على البيان قبل بدء القمة، وحاولت إقناع بقية قادة جزر المحيط الهادئ بأن تحذو حذوها. من السهل أن نعزو هذه المقاومة إلى النفوذ الصيني فقط؛ خصوصاً بالنظر إلى الصفقة الأمنية التي وقَّعتها جزر سليمان مع بكين هذا العام. ولكن، هذا يعكس أيضاً ميل الولايات المتحدة إلى التغاضي عن المصالح والأولويات الإقليمية لدول المنطقة؛ الأمر الذي لن يمحوه أي قدر من الاحتفالات في البيت الأبيض.

اقرأ أيضاً: المحور الأمريكي في شرق آسيا

للولايات المتحدة سجل طويل من الانتهاكات في جزر المحيط الهادئ، التي لا تزال تلعب دوراً في سياسة المنطقة. فقد أجرت الولايات المتحدة عشرات الاختبارات لأسلحتها النووية خلال القرن العشرين، كما ألقت بالنفايات النووية في المحيط الهادئ عشرات المرات. وتم وضع المصالح العسكرية الأمريكية فوق مصالح السكان المحليين مراراً وتكراراً. وهذه الممارسات تشكل انتهاكات منهجية لحقوق الإنسان -وليست حوادث منعزلة- تتطلب اعترافات وتعويضات في نظر دول المنطقة؛ إنه ماضٍ إجرامي لا يمكن حلّه بعشاء فاخر في واشنطن، مهما أرادت الولايات المتحدة أن تأمل ذلك.

تعتبر علاقة الولايات المتحدة بجزر مارشال مثالاً على ما سبق. تخضع هذه العلاقة الثنائية، التي تتضمن شراكة أمنية، لاتفاقية ارتباط حر، وستنتهي هذه الاتفاقية في عام 2023. من المقرر إعادة التفاوض عليها بحلول نهاية العام، إلا أن جزر مارشال أصرَّت على أن التعويضات عن آثار التجارب النووية الأمريكية في المنطقة يجب أن تكون جزءاً من هذه المفاوضات. وبالمقابل، لم تقدِّم واشنطن أي اعتراف بأفعالها السيئة في جزر مارشال. ونتيجة لذلك، علَّقت جزر مارشال المحادثات لتجديد الشراكة الأمنية. من الواضح أن إدارة بايدن ترغب في إعادة التفاوض بشأن الاتفاقية في أقرب وقت ممكن؛ لكنها في الوقت ذاته لم تفعل شيئاً يُذكر لحل هذه المعضلة.

الولايات المتحدة توقع اتفاقية شاملة مع عدد من دول المحيط الهادئ لمساعدتها في مواجهة الصين- “نيويورك تايمز”

لم تغيِّر قمة هذا الأسبوع أياً من وقائع هذا السجل المؤسف. وقد ورد أقرب ما يمكن تسميته بتبنِّي هذا السجل في المادة العاشرة التي تمت صياغتها بعناية فائقة لتجنب تبنِّي الولايات المتحدة أية مسؤولية عن “مخاوف” جزر مارشال. كما نصَّ البيان في المادة نفسها على أن “الولايات المتحدة ملتزمة بإزالة الذخائر المتفجرة الخاملة والتخلص منها بأمان، كما تقرّ بموجب هذا البيان بمخاوف دول جزر المحيط الهادئ بشأن مخلفات الحرب العالمية الثانية الأخرى”؛ إلا أن هذا البيان لم يتطرق إلى ذكر أي تعويضات مالية عن هذا الإرث من الأعمال العسكرية، بل ذكرت “لائحة وقائع”، نُشرت بالتزامن مع القمة، مشكلات جزر المحيط الهادئ التي تتعلَّق بالحوكمة والمعايير الديمقراطية وحقوق الإنسان. بالنسبة إلى العديد من سكان جزر المحيط الهادئ، فإن النفاق المتمثل في عدم تحمل الولايات المتحدة مسؤوليتها عن انتهاكات حقوق الإنسان في المنطقة هو أحد الأسباب التي دفعت بعض الدول للنظر إلى الصين كشريك محتمل في السياسة الخارجية.

اقرأ أيضاً: هل تستطيع الولايات المتحدة أن تستعيد مصداقيتها في آسيا؟

ولا بد للولايات المتحدة أيضاً أن تكون واقعية في ما يتعلق بحجم المساعدات الإنسانية والمالية التي يجب أن تكون مستعدة لتقديمها للمنطقة. خلال القمة، أعلنت إدارة بايدن مساعدات بقيمة 810 ملايين دولار، بعد أن أعلنت ثلاث دول من جزر المحيط الهادئ، في رسالة بعثت بها إلى كورت كامبل -منسق مجلس الأمن القومي الأمريكي لمنطقة المحيطَين الهندي والهادئ- قبل انعقاد القمة، قلقها من أن هذا المستوى من “المساعدة الاقتصادية غير كافٍ”. تحتاج الجزر إلى تعاطٍ جدّي مع آثار تغيُّر المناخ؛ حيث سيختفي بعضها تحت الماء مع استمراره على مرور الزمن.

الواضح من عملية المفاوضات هو أن جزر المحيط الهادئ أصبحت مدركة جيداً لأهميتها الجيواستراتيجية المتجددة، ولن تنجر بسهولة وراء عروض الولايات المتحدة الهزيلة. لقد لعب زعماء الجزر الآن أوراقهم في واشنطن؛ لكن لن يكون ذلك نهاية المفاوضات، بل سيكون مجرد خطوة أولى في انتظار معرفة ما سيكون عليه رد الصين على البيان. 

♦كاتبة ومحللة في مجال الجيوسياسة والسياسة الخارجية، والأمن، وحقوق الإنسان.

المصدر: فورين بوليسي

اتبعنا على تويتر من هنا

تعليقات عبر الفيس بوك

التعليقات

مقالات ذات صلة