الواجهة الرئيسيةشؤون دوليةمقالات

لا يزال عدم الانحياز منطقياً ولكن يجب إعادة تعريفه في ظل الواقع العالمي الحالي

كيوبوست- خاص

د.دينيس ساموت♦

في عام 1955 التقى زعماء 29 دولة، العديد منها كانت حديثة العهد بالاستقلال، في مدينة باندونغ في إندونيسيا في أول قمة أفرو-آسيوية من نوعها. لم يكن قد مضى على نهاية الحرب العالمية الثانية أكثر من عقد من الزمن، ولم يكن العالم قد تعافى بعد من تبعاتها. ومع ذلك فقد كان يبدو أن حرباً عالمية ثالثة تتخمر، حيث واجهت الديمقراطيات الليبرالية بقيادة الولايات المتحدة الاتحاد السوفييتي وحلفاءه في أوروبا في بداية الأمر، ثم في مختلف أنحاء العالم لاحقاً.

لم تكن معظم الدول الـ 193 التي تشكِّل اليوم الأمم المتحدة قد ولدت بعد، وكانت تلك هي الأيام الأولى لعصر ما بعد الاستعمار، ولكن الدول التي حصلت على استقلالها، مثل الهند وإندونيسيا ومصر، كانت حريصة على التعجيل بنهاية الحكم الاستعماري في جميع أنحاء العالم.

اقرأ أيضًا:  أخطاء نووية كادت تتسبب في حرب عالمية ثالثة

وقد عبر قادة هذه الدول في مؤتمر باندونغ عن هذا الطموح، وعن استعدادهم لعدم الانضمام إلى أي من الكتلتين الكبيرتين. وسرعان ما انضمت إليهم الصين وعدد من قادة الدول الأخرى في محاولة لإعطاء وزن أكبر للدول الأفروآسيوية، وخلق قوة ثالثة بين القوتين العظميين المتنافستين.

وبعد المؤتمر كانت هنالك فترة من التأمل، ربما تكون دليلاً على أن هذا المسعى كان بعيداً كل البعد عن البساطة. فقد أرادت الولايات المتحدة والاتحاد السوفييتي بسط نفوذهما في الدول الحديثة الاستقلال، ولذلك فقد أثار وجود قوة ثالثة جديدة قلق واشنطن وموسكو على ما سيعنيه ذلك بالنسبة لمصالحهما. وقد استغرق الأمر ست سنوات أخرى قبل أن يتم الإعلان رسمياً عن إنشاء حركة عدم الانحياز في قمة ثانية عقدت هذه المرة في يوغوسلافيا، وأطلق عليها في حينه تسمية مؤتمر عدم الانحياز.

عدم الانحياز لا يعني الحيادية

إن عدم الانحياز لا يعني الحياد. فالدول المحايدة تلتزم بعدم دعم أو إعطاء الأفضلية لأي دولة على دولة أو مجموعة أخرى، وقد تم اتباع هذا النهج بنجاح كسياسة عامة من قبل بعض الدول الأوروبية، مثل سويسرا والسويد في الحرب العالمية الثانية. ولكن بعض الدول الأخرى، مثل بلجيكا، تم تجاهل حيادها وغزوها من قبل ألمانيا النازية.

أدت الحرب العالمية الأولى إلى انهيار 4 إمبراطوريات، وشهدت تفتت دول، وقيام أخرى، بالإضافة إلى مقتل وإصابة عشرات الملايين.

ومن ناحية أخرى، يتم النظر إلى عدم الانحياز من زاوية أضيق على أنه عدم الانضمام إلى حلف عسكري. ولذلك، فمن الناحية العملية، قد تكون الدولة غير منحازة بينما هي تدعم مجموعة أو أخرى سياسياً وربما عسكرياً في بعض الأحيان. فكوبا على سبيل المثال لطالما كانت تُعتبر دولة غير منحازة، على الرغم من كونها من أكثر المتحمسين للاتحاد السوفييتي.

أهمية الشخصيات

عند مناقشة تاريخ حركة عدم الانحياز من الضروري أن نتذكر الدور المهم الذي لعبته الشخصيات في تأسيس المنظمة وتشكيلها. فالنضال ضد الاستعمار والإمبريالية قد أفرز الزعماء الذين قادوا بلادهم من الاستعمار إلى الحرية، واليوم يمكننا أن نقول إنهم كانوا سياسيين عمالقة، ألهموا شعوبهم وغيروا مصير بلدانهم، ليس باستخدام القوة، بل بفضل القوة المطلقة لأفكارهم وشخصياتهم. وسرعان ما أصبحوا أسماء مألوفة ومعترفاً بها في جميع أنحاء العالم، ومنهم على سبيل المثال لا الحصر: نهرو في الهند، وعبد الناصر في مصر، ونكروما في غانا، ومكاريوس في قبرص. وقد استضاف هؤلاء في يوغوسلافيا في القمة التأسيسية عام 1961 جوزيف بروز تيتو زعيم الثوار اليوغوسلافيين الذين قاوموا الاحتلال النازي بشكلٍ بطولي، ثم قاوموا ضغوط ستالين لدمج يوغوسلافيا في الكتلة السوفييتية.

اقرأ أيضًا: بوتين يكتب: الدروس الحقيقية للذكرى الخامسة والسبعين للحرب العالمية الثانية

الأجندة الأساسية

ترتكز الأجندة الأساسية لمجموعة دول عدم الانحياز على خمسة مبادئ أساسية: الاحترام المتبادل لوحدة أراضي وسيادة الدول الأعضاء، وعدم الاعتداء المتبادل، وعدم التدخل في الشؤون الداخلية، والمساواة والمصلحة المتبادلة، والتعايش السلمي. وسرعان ما تصدرت الحركة عملية إنهاء الاستعمار ومقاومة هيمنة القوى الكبرى.

وبسبب أجندتها وخطابها المناهضين للاستعمار والإمبريالية لطالما واجهت حركة دول عدم الانحياز خطر وصفها بأنها مجموعة معادية للغرب وللولايات المتحدة الأمريكية. وهي بالفعل كانت تعارض العديد من السياسات الغربية والأمريكية، وخاضت مواجهة مع القوى الاستعمارية الأوروبية في معظم سنوات الستينيات والسبعينيات.

وفي الوقت نفسه، قاومت دول المجموعة الأساسية بقيادة تيتو المحاولات السوفييتية للهيمنة عليها واحتكارها، واكتسبت الحركة بالفعل صوتاً في المحافل السياسية الدولية. وما لم تتمكن دول الحركة من تحقيقه باستخدام القوة تمكنت من تحقيقه من خلال الأعداد الهائلة، فقد أصبحت دول المجموعة إحدى أكبر المجموعات في الأمم المتحدة وأكثرها أهمية وأصواتاً. وظهرت من داخل الحركة مبادرات للتعاون بين بعض دول الجنوب وبعضها الآخر.

النضال ضد الاستعمار والإمبريالية قد أفرز الزعماء الذين قادوا بلادهم من الاستعمار إلى الحرية

وبعد انهيار الاتحاد السوفييتي ونهاية الحرب الباردة لم يعد مفهوم عدم الانحياز موجوداً بالنسبة للعديد من الدول. فقد غادرت الدول الأوروبية التي كانت جزءاً من الحركة وساعدت في منحها صبغة عالمية، فقد تفككت يوغوسلافيا إلى عدة دول، وانضمت كل من مالطا وقبرص إلى الاتحاد الأوروبي. وفي تسعينيات القرن الماضي بدت الحركة وكأنها تحتضر لتصبح جزءاً من التاريخ، ولكن لأنها لا تتكبد تكاليف تنظيمية باهظة، وبسبب نظامها القيادي الفضفاض تمكنت من الاستمرار. والآن، ومع المواجهة المفتوحة الجارية بين روسيا ودول الغرب في أوكرانيا، ومع بروز الصين كقوة عظمى عالمية ثانية يشعر كثيرون أن الوقت قد حان مرة أخرى لعودة الروح إلى باندونغ مرة أخرى بطريقةٍ ما.

واقع حركة عدم الانحياز اليوم

تضم حركة دول عدم الانحياز اليوم 120 دولة في عضويتها -نحو ثلثي عدد الدول الأعضاء في الأمم المتحدة- ويبلغ عدد سكان دولها نحو 55% من سكان الكوكب، يتركز معظمهم في آسيا وإفريقيا وأمريكا اللاتينية.

استمرت عملية إعادة اختراع حركة عدم الانحياز ببطء منذ عدة سنوات. وقد اكتسبت زخماً من أذربيجان التي تولت رئاسة الحركة في عام 2019 وتم تمديد رئاستها بسبب جائحة كوفيد-19 حتى نهاية عام 2023 حيث ستتولى أوغندا منصب كرسي الرئاسة.

اقرأ أيضًا:  ما علاقة انهيار الاتحاد السوفييتي والحرب بين أرمينيا وأذربيجان؟

عملت أذربيجان على إعادة تعريف الحركة بهدوء، ودفعتها نحو تبني المزيد من التدابير العملية لتبادل الدعم والتعاون بين دولها الأعضاء كما تجلى أثناء الجائحة، وأعطت الحركة المزيد من القدرات التنظيمية، وقاومت أذربيجان الضغوط لدفع الحركة نحو اتخاذ موقف معادٍ للغرب أو لروسيا، وكما هي العادة كان الحفاظ على هذا التوازن أحد التحديات الرئيسية.

ولكن هنالك خطر يتمثل في أن الحركة ستحاول بحكم طبيعتها الانزلاق نحو الدور الذي لعبته أثناء الحرب الباردة، دون أن تدرك أن الانقسام الحالي يعاني من مجموعة مختلفة من خطوط التصدع التي تمثل أوكرانيا الاختبار الحقيقي لها.

أوكرانيا تشكل معضلة

إن أولئك الذين يجادلون بأن الحرب في أوكرانيا هي مواجهة بين الشرق والغرب، حتى إن بعضهم يقول إن روسيا هي من يتعرض للعدوان، ليسوا مخطئين فحسب، بل هم يخدعون أنفسهم أيضاً. ليس هنالك من سبيل لإخفاء حقيقة أن روسيا هي التي غزَت أوكرانيا في فبراير فيما مثّل مرحلة ثانية من العملية التي بدأت عام 2014 لتقسيم أوكرانيا. ولاتزال خطابات الرئيس بوتين التي يشكِّك فيها بوجود أوكرانيا موجودة ليقرأها الجميع.

حرب روسيا وأوكرانيا- وكالات

وهنا لا بد لحركة دول عدم الانحياز من تذكر المبادئ الخمسة لمؤتمر باندونغ، وهي: الاحترام المتبادل لوحدة أراضي وسيادة الدول الأعضاء، وعدم الاعتداء المتبادل، وعدم التدخل في الشؤون الداخلية، والمساواة والمصلحة المتبادلة، والتعايش السلمي.

لقد انتهكت روسيا جميع هذه المبادئ الخمسة، ولا بد لدول الحركة من إدانتها. وهذه حقيقة تدركها معظم الدول الأعضاء في المنظمة. ففي قرار للجمعية العمومية للأمم المتحدة الأسبوع الماضي صوتت معظم الدول المئة والعشرين الأعضاء في حركة دول عدم الانحياز مع الدول الغربية، وغيرها من الدول، لإدانة روسيا.

ولكن 45 دولة، معظمها من دول عدم الانحياز، امتنعت عن التصويت أو غابت عن الجلسة. وبذلك تكون قد ارتكبت خطأً. كان ينبغي لهذه الدول أن تكون إلى جانب أوكرانيا، كما كانت دول عدم الانحياز في الماضي تقف إلى جانب الصحيح من التاريخ من خلال دعم الشعوب المناضلة في إفريقيا وآسيا.

في الحقيقة سأذهب إلى حد القول بأنه فقط عندما تقرر هذه الدول الخمس والأربعون إدانة روسيا علناً فإن إدارة الكرملين ستدرك أخيراً أنها ارتكبت خطأً، وستترك أوكرانيا لشعبها.

اقرأ أيضًا: الأوروبيون يستيقظون على ضجيج انهيار السلام

يمكن لحركة عدم الانحياز أن تكون جسراً بين الصين والغرب

يمكن لحركة دول عدم لانحياز أن تلعب دوراً مختلفاً في المنافسة القائمة بين الصين والغرب. كانت الصين ولا تزال حتى الآن لاعباً حذراً على مسرح السياسة الدولية، بالمقارنة مع روسيا بقيادة بوتين. وهذا الأمر يفسح المجال للدبلوماسية ومجالاً واسعاً للحركة لنزع فتيل التوترات القائمة. ومن المرجح أن المنافسة بين الغرب والصين سوف تزداد في نصف الكرة الجنوبي، وهذه المنافسة لا ينبغي لها أن تتجاوز حدوداً معينة، ودول عدم الانحياز يمكنها المساهمة في ضمان حدوث ذلك.

إعطاء صوت لنصف الكرة الجنوبي

يمكن لدول عدم الانحياز أن تلعب دوراً مختلفاً في القرن الحادي والعشرين، فقد تغير العالم كثيراً عما كان عليه في الخمسينيات والستينيات. ولكن لايزال هنالك خلل في توازن النظام الدولي. فلا يزال نصف الكرة الجنوبي يعاني من ضعف التمثيل، ومن صوت ضعيف في أروقة الدبلوماسية الدولية. ولابد من توجيه الروح الجديدة لحركة دول عدم الانحياز نحو خلق صوت مسموع ومفهوم بشكل أفضل وفعالية أكبر لنصف الكرة الجنوبي في النظام الدولي، ليكون صوت الحركة في صف العدالة عندما يتعرض الضعفاء للعدوان، وللمساهمة في السلام العالمي.

آثار حرب روسيا وأوكرانيا- وكالات

الكثير من الجعجعة ولكن ليس القليل من الطحين

صحيح أن حركة دول عدم الانحياز كانت في معظم تاريخها، ولا تزال حتى الآن، مجرد متجر للكلام. لكن هنالك هياكل أخرى توفر طرقاً أكثر واقعية للتعاون. ومع ذلك فلا ينبغي التقليل من الدور الذي يلعبه متجر الكلام.

يمكن للحركة التي تضم مئة وعشرين دولة أن تفرض سلطة أخلاقية قادرة على أن تكون قوة فعالة في ممارسة الضغط الدبلوماسي، ولتحقيق ذلك لا بد لها من أن تبقى مخلصة لروح باندونغ، بينما تتكيف مع التحديات و المخاطر الجديدة التي تواجه العالم في عام 2022.

♦مدير مؤسسة “لينكس يوروب” في لاهاي، ومدير تحرير موقع   commonspace.eu ([email protected])

لقراءة الأصل الإنكليزي:   Non-Aligned Movement

اتبعنا على تويتر من هنا

تعليقات عبر الفيس بوك

التعليقات

مقالات ذات صلة