الواجهة الرئيسيةترجماتشؤون دوليةشؤون عربية

لا وجود لمنطقة المحيط الهندي- الهادئ من دون مصر وقناة السويس

كيوبوست – ترجمات

محمد سليمان♦

بدأ العالم يخرج ببطء من ملحمة قناة السويس؛ حيث علقت سفينة إيفرجيفن في الممر الجنوبي الضيق للقناة لمدة ستة أيام، ما أدى إلى تعطيل التجارة العالمية، في وقتٍ يشهد فيه تعافياً اقتصادياً بالغ الأهمية. فقناة السويس، على غرار مضيق ملقا، هي نقطة مرور تتعامل مع 12% من حجم التجارة العالمية، و10% من النفط العالمي، و8% من تدفقات الغاز الطبيعي المسال العالمية.

وقد تسببت سفينة “إيفرجيفن” العالقة في إعاقة تجارة بقيمة 9.6 مليار دولار على طول القناة كل يوم. وأثار الحادث موجات صادمة عبر الخريطة؛ مما أثار مناقشات هائلة حول مرونة سلسلة التوريد وأعطى الاستراتيجيين فرصة لمعاينة ما يمكن أن يحدث في حال تصاعد الصراع في آسيا، وتم إغلاق مضيق ملقا.

اقرأ أيضاً: ماذا يقول الخبراء عن أزمة السفينة العالقة في قناة السويس؟

لذلك ينبغي على الغرب أن ينتبه إلى أن تقويض مدينة السويس باعتبارها حجر زاوية في التجارة العالمية والجغرافيا السياسية من شأنه أن يقوض الغرب في نهاية المطاف في عصر منافسة القوى العظمى مع الصين وروسيا.

لا وجود لشرق السويس إذا لم تكن هناك سويس

والواقع أن المنظرين الاستراتيجيين وراء “محور واشنطن نحو آسيا”، وميل لندن إلى منطقة المحيط الهندي- الهادئ، ووجهات النظر الاستراتيجية لباريس وبرلين بشأن المنطقة قد تجاهلوا مركزية قناة السويس في استراتيجياتهم.

خلال مؤتمر صحفي في سيدني قال وزير الدفاع الأمريكي السابق مارك إسبر إن الصين تزعزع استقرار منطقة المحيطَين الهندي والهادئ عبر “الاقتصاديات الجشعة”.. 2019- “رويترز”

يقول جون بولتون، مستشار الأمن القومي السابق: “إن هذا الحادث الذي وقع في قناة السويس لا يتعلق بالجغرافيا فحسب؛ بل أيضاً بالمخاطر السياسية الأوسع نطاقاً التي تواجه التجارة العالمية اليوم، بدءاً من سفينة واحدة عالقة في السويس إلى مواجهة التحدي السياسي والعسكري والاقتصادي الهائل الذي تمثله الصين”. وبالتالي، فإن دمج القناة في استراتيجيات القوى الغربية تجاه منطقة المحيط الهندي- الهادئ ليس ترفًا؛ بل هو ضرورة في زمن تنافس القوى العظمى.

السويس في طليعة الوجود العسكري للغرب

وبالإضافة إلى الأهمية التجارية للقناة، تعتبر السويس حجر الزاوية الجيوستراتيجي للاستراتيجية العسكرية الأمريكية في البحر الأبيض المتوسط والبحر الأحمر والخليج العربي. وبفضل التعاون العسكري مع مصر، تستفيد الولايات المتحدة من المعاملة التفضيلية التي تمنح سفن القوات البحرية أولوية المرور في قناة السويس، وتجنبها فترة انتظار طويلة في البحر الأبيض المتوسط أو الأحمر.

اقرأ أيضاً: هل تستطع إسرائيل إنشاء مسار بديل لقناة السويس؟

وفي أعقاب الحصار الذي فرضه الحادث الشهر الماضي، عرضت البحرية الأمريكية مساعدة السلطات المصرية لإعادة تعويم سفينة “إيفرجيفن”؛ لكن، وفي نهاية المطاف، نجحت مصر في إعادة تعويم السفينة العملاقة بمفردها قبل وصول المساعدة. ومع زيادة التركيز على منطقة المحيط الهندي- الهادئ والتحالف الأوسع بين الولايات المتحدة والاتحاد الأوروبي تجاه الصين، فإن قناة السويس ستلعب دوراً مهماً آخر في عبور سفن البحرية العسكرية الأمريكية والأوروبية من البحر المتوسط إلى مسرح منطقة الهندي- الهادئ.

حاملة الطائرات الأمريكية “يو إس إس دوايت أيزنهاور” أثناء عبورها قناة السويس- البحرية الأمريكية

وعقب إعادة تعويم السفينة، قال الأدميرال جون كيربي؛ مساعد وزير الدفاع الأمريكي للشؤون العامة: “لن أذهب إلى حد القول بأن انسداد قناة السويس قد دفعنا إلى إعادة التفكير في أي شيء حول وضعنا في الشرق الأوسط أو كيفية تلبية متطلبات المهمة هناك، ومصالح أمننا القومي هناك”.

مصر كمشغل وليس كشريك

وتعد مصر، المشغلة للقناة، واحدة من الدول الثماني عشرة الحليفة للولايات المتحدة من الدول غير الأعضاء في حلف شمال الأطلسي؛ وهي قائمة تضم أستراليا وإسرائيل واليابان وكوريا الجنوبية وتايوان والبرازيل وسنغافورة. ومع ذلك، فمنذ نهاية الحرب الباردة، كان يُنظر إلى القاهرة في المقام الأول على أنها مشغل محلي لنقطة المرور الدولية، وليست كشريك استراتيجي يحتاج إلى التكيف والاندماج في رؤية جيوستراتيجية وجيو-اقتصادية أوسع.

اقرأ أيضاً: الصين والولايات المتحدة في الشرق الأوسط بين التبعية والتنافس

وقد دفع استبعاد مصر من هذا النظام الإيكولوجي، وحاجة مصر الماسة إلى التنمية الاقتصادية، القاهرة إلى التطلع شرقاً نحو بكين. بينما أدركت بكين منذ فترة طويلة أهمية قناة السويس. ورداً على “محور آسيا” الأمريكي، بدأت الصين “مسيرة الغرب” الخاصة بها، وهي استراتيجية للسياسة الخارجية تهدف إلى توجيه الانتباه نحو المناطق التي يبدو أن الولايات المتحدة تنحرف بعيدًا عنها؛ مثل الشرق الأوسط. وبالتالي تقع قناة السويس في صميم رؤية الصين.

مبنى هيئة قناة السويس في بورسعيد.. مصر- الموسوعة البريطانية

فالقناة هي الطريق التجاري الرئيس الذي يربط المنتجين في الصين، وغيرها من الاقتصادات الآسيوية، مع أكبر قواعدها الاستهلاكية في أوروبا. ومن غير المستغرب أن تكون بكين أكبر مستثمر في مشروع القاهرة التاريخي “مشروع منطقة ممر قناة السويس”، الذي يهدف إلى تحويل منطقة السويس إلى مركز لوجستي وصناعي للأسواق المجاورة في أوروبا والشرق الأوسط وإفريقيا.

شاهد: إنفوغراف: التهديدات الإيرانية في الخليج العربي والبحر الأحمر

ولعل تحويل مصر إلى مركز تصنيع إقليمي للشركات الصينية يفسر تنوع استثمارات الصين في مصر من البنية التحتية إلى المجمعات الصناعية، ومن السيارات الكهربائية إلى الإلكترونيات؛ وهو ما يمثل انصهاراً بين رؤية القاهرة 2030 ومبادرة بكين للحزام والطريق.

أمن مضيق ملقا مرتبط بقناة السويس

وفي واشنطن هناك إجماع ناشئ بين الحزبَين حول الحاجة إلى إدارة صعود الصين، وتشكل مجموعة الحوار الأمني الرباعي أهمية محورية في إعادة التمركز الاستراتيجي للولايات المتحدة نحو بكين. وتلتزم الولايات المتحدة والدول الثلاث الأخرى في الحوار -أستراليا والهند واليابان- بـ”منطقة محيط هندي- هادئ حرة ومفتوحة وآمنة ومزدهرة” من خلال ضمان الأمن البحري وحرية الملاحة في المنطقة بموجب القانون الدولي.

موقع مضيق ملقا على الخريطة- ويكيبيديا

ولعل مركزية قناة السويس بالنسبة إلى المفهوم الناشئ لمنطقة المحيط الهندي- الهادئ الذي يستند إلى المنظور الفرنسي والهندي الحالي للمنطقة؛ باعتبارها المنطقة الواقعة بين شواطئ شرق إفريقيا إلى أمريكا الغربية، إضافة إلى مركزيتها بالنسبة إلى التجارة العالمية وتدفق الطاقة، وربطها بأوروبا وآسيا، تجعل من قناة السويس عنصراً لا غنى عنه في أي نهج عالمي إزاء منطقة الهندي- الهادئ.

من السويس إلى منطقة المحيط الهندي- الهادئ

ويتعين على الغرب أن يتودد إلى مصر وأن يدمجها في رؤيته لمنطقة المحيط الهندي- الهادئ. ويجب على الولايات المتحدة وحلفائها اتباع استراتيجية ذات مسارَين مع مصر قوامها “التنمية والأمن”. وتعد مصر الآن دولة سريعة النمو يقطنها أكثر من 100 مليون نسمة. ومساعدة مصر على تسلق سلم التنمية هو أمر أساسي لشراكة جديدة بين الغرب ومصر في عصر منافسة القوى العظمى. كما تعد التجارة إحدى الأدوات الرئيسة لفن الحكم الاقتصادي والتي يمكن لواشنطن الاستفادة منها لمغازلة مصر.

اقرأ أيضاً: يضم الأردن ومصر ودولاً أخرى.. ماذا تريد السعودية من كيان البحر الأحمر؟

وتتفاوض واشنطن والقاهرة منذ سنوات حول اتفاقية التجارة الحرة بين الولايات المتحدة ومصر. وفي الوقت الذي تشهد فيه واشنطن نقلة نوعية في التجارة، ينبغي أن يشكل إبرام الصفقة مع مصر حجر الزاوية في رؤيتها الخاصة بمنطقة المحيط الهندي- الهادئ. ومن شأن اتفاقية التجارة الحرة بين الولايات المتحدة ومصر أن تسمح بدمج القاهرة بشكل أعمق في النظام الذي تقوده الولايات المتحدة من خلال “الاستثمار، وحقوق العمال، والتأثير البيئي، والإصلاح القضائي، وحقوق الملكية الفكرية”.

يمر من قناة السويس 12% من حجم التجارة العالمية و10% من النفط العالمي و8% من الغاز الطبيعي المسال عالمياً- “رويترز”

ويتعين على واشنطن تغيير المنظور الذي تنظر من خلاله إلى مصر. فمنذ عام 1978، استثمرت واشنطن في مصر أكثر من 80 مليار دولار في شكل مساعدات عسكرية واقتصادية، ولدى الجيشين علاقات مؤسسية تطورت على مدى أربعة عقود. ومع ذلك، وبموجب التزام الولايات المتحدة بالأفضلية العسكرية النوعية لإسرائيل، منعت مصر من الحصول على المعدات العسكرية؛ مثل مقاتلات “إف- 15 إيغل” والمقاتلات الشبحية “إف– 35″، والتي تشتد الحاجة إليها لتلبية الاحتياجات الإقليمية للقاهرة في البحر الأبيض المتوسط، وشمال إفريقيا، والبحر الأحمر، والقرن الإفريقي.

فخلال الاضطرابات السياسية عام 2013، وبينما كانت مصر تحارب التمرد الإسلامي في شمال سيناء، أوقفت واشنطن تسليم طائرات “إف-16 فالكون” ومروحيات أباتشي الهجومية، واقتطعت جزءاً من المساعدات العسكرية، وألغت مناورات “النجم الساطع” العسكرية المصرية- الأمريكية المشتركة.

اقرأ أيضاً: هل تستطيع أمريكا والصين التغلب على خلافاتهما وبناء نظام دولي مستقر؟

والآن، وبسبب عدم الثقة في تردد واشنطن، سَعَتِ القاهرة إلى تحقيق الاستقلال الاستراتيجي الذي يتمحور حول تنويع موردي الأسلحة والشركاء الأمنيين الذين يشملون أوروبا وروسيا والصين. وبناءً على كل ما سبق تحتاج الولايات المتحدة إلى نهج استراتيجي وعسكري أكثر شمولاً وتماسكاً تجاه مصر؛ بحيث يلبي الاحتياجات الاستراتيجية للقاهرة، لا سيما في ظل نظام متعدد الأقطاب آخذ في النمو.

ولأن منطقة المحيط الهندي- الهادئ تمثل نظام جيو-اقتصادي ناشئاً يتمحور حول التدفق الحر والآمن للتجارة بين الغرب وآسيا، تعد قناة السويس نقطة المرور الاستراتيجية الرئيسة لهذه التجارة والأمن البحري؛ وهي جوهرية لالتزام الغرب بـ”منطقة محيط هندي- هادئ حرة ومفتوحة وآمنة ومزدهرة”. فالجغرافيا قدَر، ولا يمكن فصل السويس عن منطقة المحيط الهندي- الهادئ.

♦باحث غير مقيم في برنامج سايبر بمعهد الشرق الأوسط، ومدير مساعد بشركة الاستشارات الدولية “مكلارتي أسوشيتس” لقطاع الشرق الأوسط وشمال إفريقيا.

المصدر: ناشيونال إنترست

اتبعنا على تويتر من هنا

 

تعليقات عبر الفيس بوك

التعليقات

مقالات ذات صلة