الواجهة الرئيسيةشؤون دوليةمقالات

لا سلام في الشرق الأوسط من دون حل المسألة الفلسطينية

كيوبوست- خاص

د.دينيس ساموت♦

كانتِ الأحداث التي وقعت في القدس في الأيام الماضية تذكيراً قوياً للجميع بأن السلام في الشرق الأوسط لا يزال طموحاً بعيد المنال. كانت المسألة مجرد مسألة وقت قبل أن تتحول الاحتجاجات المحلية في محيط مجمع المسجد الأقصى إلى أعمال عنف، سرعان ما تصاعدت وتوسعت لتشمل أجزاء أخرى من إسرائيل/ فلسطين. ولا يزال خطر تصاعد العنف أكثر فأكثر قائماً حتى الآن.

لا تزال القضية الفلسطينية عصية على الحل، وطالما بقيت كذلك، فإن السلام في الشرق الأوسط سيبقى مجرد أمنيات. إن أمة بأكملها تعاني الظلم والتشرد وخيبة الأمل لن تتبخر في الهواء. ربما يمكن إخضاعها لفترة من الزمن، وقمعها لفترة أخرى؛ ولكن لا بد في نهاية المطاف لمشاعر الغضب والإحباط وخيبة الأمل أن تظهر على السطح. وقد تأججت هذه المشاعر بسبب الإجراءات الأخيرة لرئيس الوزراء المأزوم بنيامين نتنياهو، وسياساته الخاطئة في فرض تغييرات ديموغرافية تستهدف طرد الفلسطينيين من الأحياء والمناطق القليلة التي تم دفعهم إليها خلال العقود السبعة الماضية. هذه المرة جاء الضغط في مدينة القدس، في منطقة الشيخ جراح؛ حيث يواجه الفلسطينيون محاولات المستوطنين لطردهم في منتصف شهر رمضان. كان ذلك تصرفاً ينم عن وقاحة وغطرسة لا حدود لها من قِبل رئيس الوزراء الإسرائيلي الذي يتصرف من منطق “أنا أمتلك القوة والجبروت، لذلك سأفعل ما أشاء”. كان ذلك خطأ له عواقبه الوخيمة المتوقعة، ويجب لهذا السلوك أن يتوقف.

اقرأ أيضاً: تقسيم المسجد الأقصى يلوح في الأفق: هكذا تجري مخططات الاحتلال

سوف تمر لحظة الأزمة الحالية هذه، وسوف تحوِّل قيادات القوى العالمية الكبرى انتباهها إلى الحدث التالي الذي يتكشف، سواء أكان ذلك في بحر الصين الجنوبي، أم في إفريقيا أم في القطب الشمالي؛ ولكن القضية الفلسطينية لن تختفي، ولن تنتهي ما لم يتم حلها.

اقرأ أيضاً: 18 عاماً على انتفاضة الأقصى.. الكثير من التغيرات والتحولات

والحل مطروح على الطاولة منذ زمن ليس بالقصير؛ إنه حل الدولتين الذي يقوم على دولة فلسطينية قابلة للحياة -حتى ولو كانت مجزأة- عاصمتها القدس الشرقية. وعلى الرغم من وجود الكثير من المقترحات المختلفة على مدى السنوات الماضية؛ فلن يقبل الفلسطينيون بأقل من ذلك، ولن يقبل الإسرائيليون بأكثر منه. تكمن المشكلة في كيفية حمل الطرفين على القبول بحل الدولتين، وعلى وجه الخصوص في كيفية جعل غالبية الإسرائيليين يوافقون عليه، وفي حمل الحكومة الإسرائيلية على تنفيذه. قد يأمل البعض بأن أيام نتنياهو قد أصبحت محدودة؛ ولكنه يعرف كيف يتدبر أموره، وربما لن يتحقق ذلك، وفي جميع الأحوال فمن غير المرجح أن خلفه سيكون مختلفاً. توجد في إسرائيل حركة سلام قوية عالية الصوت ومثابرة؛ ولكنها لا تزال مهمشة إلى حد كبير. ولا بد لهذه الحركة أن تلعب دوراً محورياً إذا أردنا أن نحقق أي تغيير في السياسة الإسرائيلية.

بلينكن يؤكد دعم الولايات المتحدة حل الدولتين في اتصال مع نظيره الإسرائيلي- “رويترز”

يرى البعض أنه مع نضوج إسرائيل كدولةٍ حديثة -لم يكن لها وجود قبل عام 1948- ومع ازدياد ثقتها بنفسها بعد نجاحها كدولة، فسيكون من الأسهل عليها قبول حل الدولتين؛ فدولة فلسطينية مستقلة لن تكون قادرة على تشكيل تهديد وجودي لإسرائيل على مدى أجيال قادمة إن لم يكن على الإطلاق.

ومع ذلك فهنالك حجة معاكسة تقول إن إسرائيل باتت تشعر بالاطمئنان بعد أن أدارت علاقاتها مع المجتمع الدولي، ومع العالم العربي، بذكاء، وبعد أن أصبحت القضية الفلسطينية مجرد عامل إزعاج بعد أن كانت تهديداً، وبالتالي تستطيع إسرائيل إدارة الأمور من دون أن تضطر إلى دفع ثمن القبول بدولة فلسطينية.

والمجتمع الدولي يبدو حائراً في تقرير أيٍّ من هذين السيناريوهين سيتحقق.

اقرأ أيضاً: كيف ينظر الفلسطينيون والإسرائيليون لحل الدولتين؟

وفي الوقت نفسه، فإن الحاجة اليوم إلى قيادة فلسطينية حكيمة هي أكثر من أي وقتٍ مضى؛ وهذه القيادة ينبغي أن تكون شرعية أيضاً. وعلى الرغم من الأزمة الحالية؛ فإنه يجب على الفلسطينيين المضي قدماً في إجراء انتخاباتهم في أسرع وقتٍ ممكن، ويجب على المجتمع الدولي أن يلقي بكامل ثقله لمنع إسرائيل من تعطيل هذه العملية الانتخابية.

يجب أن يكون هنالك جهود متضافرة من المجتمع الدولي لاستئناف عملية السلام. يبدو أن البيت الأبيض بقيادة بايدن، مصمم على عدم تكرار أخطاء إدارة ترامب السابقة التي شجعت نتنياهو على اتباع نهجه الأكثر تطرفاً؛ لكن معظم الإدارات الأمريكية كانت تفتقد الصبر السياسي والعزم والتصميم على إنجاز اتفاق سلام في الشرق الأوسط. ولا شيء يدعو للاعتقاد بأن الإدارة الحالية مختلفة، ولذلك يجب أن تكون التوقعات منها متواضعة إلى حد ما. الاتحاد الأوروبي والدول الأعضاء فيه متمسكة بدعم حل الدولتين؛ ولكن غالباً ما يبدو أنها تفتقد القدرة على التأثير على الأطراف المعنية للسير في هذا الاتجاه، ومن الصعب أن نرى هذه الدول تأخذ زمام المبادرة في الوقت الحالي.

مراسم توقيع اتفاقية السلام التاريخية بين الإمارات وإسرائيل – وكالات

ولكنْ، هنالك أطراف أخرى ينبغي لإسرائيل أن تستمع إليها. فلا يزال عدد الدول التي طبعت علاقاتها مع إسرائيل قليلاً؛ ولكن بالنسبة إلى إسرائيل، فإن هذه الدول في غاية الأهمية. ويجب على هذه الدول أن تلقي بثقلها كي تدفع بإسرائيل إلى طاولة المفاوضات من جديد. وربما تكون الدول العربية الأخرى التي لم تطبع مع إسرائيل في وضعية جيدة للتأثير على الفلسطينيين لاتخاذ مواقف عقلانية بدلاً من العاطفية؛ بما يضمن انحسار الأزمة الحالية بسرعة.

اقرأ أيضاً: “إلغاء مقاطعة إسرائيل”.. الخرطوم تحث الخُطى نحو التطبيع الكامل

تمثل القضية الفلسطينية أكبر التحديات أمام السلم والأمن الدوليين في عصرنا الحالي. ليس هنالك من حلول سهلة؛ ولكنّ أولئك القادرين على دفع الأمور في الاتجاه الصحيح عليهم أن يفعلوا ذلك الآن، وعلى الفور، وإلا فإن أي حديث عن السلام في الشرق الأوسط سوف يبقى مجرد أحلام يقظة.

♦الدكتور دينيس ساموت: مدير مركز لينكس يوروب ستيتشينغ في لاهاي، هولندا. شارك في العديد من عمليات حل النزاعات، خلال العقدين الماضيين. ويكتب بانتظام حول قضايا الأمن الأوروبي، وعلاقات أوروبا مع جيرانها.

لقراءة الأصل الإنكليزي: Peace in the Middle East 

اتبعنا على تويتر من هنا

تعليقات عبر الفيس بوك

التعليقات

مقالات ذات صلة