الواجهة الرئيسيةشؤون دولية

“لا توجد كابول إفريقية”.. فهل ستُنقل الحرب على الإرهاب إلى إفريقيا؟

تشهد الكثير من الدول الإفريقية تحولاً نحو روسيا خشية الخذلان الأمريكي والأوروبي

كيوبوست- عبدالجليل سليمان

استعرض تقريرٌ نشرته مجلة “فورين بوليسي”، تحت عنون “هل ستنتقل الحرب على الإرهاب إلى إفريقيا؟”، جوانبَ عديدة تُرجِّح احتمال تحقق هذه الإمكانية؛ خصوصاً بعد سقوط أفغانستان في قبضة حركة طالبان.

وكانت الدورية الأمريكية أشارت إلى أن الرئيس النيجيري، محمدو بُهاري، أبدى شعوراً بالقلق، أثناء مشاهدته حركة طالبان تقتحم كابول؛ خشية تعرض حكومات بعض الدول الإفريقية إلى مصيرٍ مماثل، في ظلِّ غلِّ حلفائها الغربيين أيديهم عن تقديم الدعم الضروري الذي يمكنها، على الأقل، من تحييد الأنشطة الإرهابية المتنامية.

اقرأ أيضاً: القاعدة في ساحل أفريقيا تهدد بانفجار الأوضاع: الجماعات الإرهابية تتوحد!

ووضع تقرير “فورين بوليسي” مقال الرئيس بُهاري، المنشور في صحيفة “فاينانشال تايمز” البريطانية بعنوان “إفريقيا تحتاج إلى أكثر من مجرد مساعداتٍ عسكرية أمريكية من أجل مكافحة الإرهاب”، ودعا خلاله إلى ما سمَّاها بشراكةٍ شاملة مع الحلفاء الغربيين؛ كدليلٍ استرشادي لاستعراض احتمالاتٍ تحقق فرضية انتقال الحرب على الإرهاب إلى إفريقيا.

مقال الرئيس

يُعبِّر بُهاري، في مقاله المشار إليه آنفاً، عن مخاوفه الكبيرة من تمدد الإرهاب إلى إفريقيا، ونقل الحرب عليه إلى القارة الفقيرة، بقوله “نشعر كإفريقيين -بعد انسحاب القوات الأمريكية من أفغانستان وسقوط كابول بيد (طالبان)- وكأننا في يوم الحساب؛ إذ بدا الغرب وكأنه فقد الرغبة في القتال، فبعض حلفائنا الغربيين أصيبوا بجراحٍ غائرة بسبب خسارتهم أعمالهم في الشرق الأوسط وأفغانستان، كما يتزايد عليهم الضغط داخلياً جراء تفشي فيروس كورونا؛ لذلك لم تكن إفريقيا في ذلك الوقت ضمن أولوياتهم، ولا تزال كذلك”.

جندي صومالي متأهب لقتال حركة الشباب- “بلومبرغ”

ووضع مقال الرئيس النيجيري عدة محاور لفرضية الشراكة الشاملة التي دعت إليها إدارة الرئيس الأمريكي جو بايدن، والتي تتطلب أموراً أخرى غير المساعدات العسكرية؛ حتى لا تصبح إفريقيا الهشة ساحة لأنشطة الإرهابيين في السنوات القادمة، منها: الاستثمار الأجنبي المباشر، من خلال الدعم التقني والاستخباري للجيوش الإفريقية، مشيداً بالضربات الجوية الأمريكية ضد حركة الشباب الصومالية، مشدداً على أنها الطريقة المُثلي التي يجب تبنيها، كما أشار (مقال الرئيس) إلى محور مهم للغاية متمثل في استراتيجية تجنيد الشباب الإفريقي في المنظمات الإرهابية، واصفاً إياها بالمهمة السهلة؛ حيث إن الظروف السائدة جعلت خيار انضمام الشباب إلى هذه الجماعات جاذباً.

اقرأ أيضاً: إدريس ديبي.. سيرة حافلة بالمغامرة ونهاية دموية غامضة!

بجانب كل ذلك، تناول المقال موضوع الجدل والنقاش، تمدد تنظيم داعش في القارة، ومحاور أخرى ذات صلة، يحاول “كيوبوست” بدوره تسليط الضوء عليها، بعرضها على خبراء بالشأن الإفريقي لمزيدٍ من الحوار والتداول.

السياق الإفريقي

من وجهة نظر الباحث في شؤون غرب إفريقيا شُعيب ميغاوي، فإن العنوان الاستفهامي الذي طرحه تقرير “فورين بوليسي”، ومن ثم تجاوزه إلى مقال الرئيس محمدو بُهاري؛ لم يطرح أسئلة جدية، وإنما أعطى إشارات تشبه الومضات الخاطفة إلى الأوضاع المزرية في إفريقيا، وما تعانيه من هشاشة وضعف هيكلي في مؤسستها العسكرية والاستخبارية، وأزمات اقتصادية وفقر وحروب أهلية، ثم تم ربط كل ذلك بشكل جُزافي -على حد تعبيره- بالانسحاب الأمريكي من أفغانستان، ودخول “طالبان” عاصمتها كابول.

الإسلام الصوفي في إفريقيا.. السودان- وكالات

وفقاً لميغاوي، في تعليقه لـ”كيوبوست”، فإن أسلوب التديُّن الإفريقي يختلف تماماً عما هو عليه في آسيا الوسطى؛ كل شيء مختلف، فالمسلمون الإفريقيون في غالبيتهم الساحقة لا يربطون الدين بالحرب من حيث المبدأ، وإن ظهرت بعض الحركات الجهادية في الشرق (الشباب الصومالي)، وفي الغرب (بوكو حرام)، فإن علينا قراءة ذلك في سياقه؛ لأن انتزاعه عنه ومقاربته بسياقٍ آخر بعيد جداً، يوصلنا إلى نتائج وخلاصات غير صحيحة، وهذا بالضبط ما احتواه مقال الرئيس بُهاري، وهو مقال سياسي بامتياز؛ فقد كان عليه أن يناقش تفشي الفقر والجهل في شمال نيجيريا، حيث نشأت (بوكو حرام)، ولذات السبب تمددت إلى كلِّ الجغرافيات المماثلة في منطقة الساحل.

اقرأ أيضاً: مسجد الأمة في غانا.. تمويه “أردوغاني” جديد للتغلغل في إفريقيا

التنمية الاقتصادية والاستقرار السياسي

إن فشل الدول الإفريقية، والنخب السياسية الحاكمة، في إحداث تنمية شاملة، وتقاعسها عن تقديم أبسط الخدمات؛ كالتعليم الأولي والصحة، دعك عن خدمات مياه الشرب النظيفة، وإمدادات الكهرباء، هو الذي دفع الأهالي المسلمين إلى إنشاء مدارسهم الدينية الخاصة التي أصبحت لاحقاً بؤراً ترفد الحركات الجهادية بالمقاتلين، ونساء المتعة. هؤلاء الأطفال الفقراء في شمال نيجيريا وصحراء الصومال، عندما ينظرون إلى أحوالهم ويقارنون أنفسهم بنظرائهم في المدن الكبيرة في مقديشو وأبوجا، فإنهم سيقررون تدمير كل شيء؛ بما في ذلك أنفسهم. وهذا ليس ناجماً عن نسق التدين؛ بل عن أمور متعلقة بالفقر والجهل وعدم التوازن في التنمية والإهمال والفساد، وهذه مسؤولية الحكومات، مسؤولية السيد محمدو بهاري وغيره من الرؤساء الإفريقيين.

مخيم للاجئين في مدينة مونا في مايدغوري بشمال شرقي نيجيريا أكثر المدن تضرراً من هجمات متشددي “بوكو حرام”- “رويترز”

الحرب في مكان آخر

شُعيب ميغاوي

يعتقد ميغاوي أن الحلَّ في تأسيس أنظمة حكمٍ ديمقراطية، تُراعي الثقافة الإفريقية ولا تُعادي الأديان، ودولة مدنية لتداول السلطة؛ مهمتها إحداث تنمية شاملة، ونشر التعليم، وتوفير فرص العمل، وفتح باب الهجرة إلى الخارج، ووقف الحروب، ولن تجد هذه الدواعش المتناثرة في نيجيريا والصومال وموزمبيق؛ فهذا ليس المرض، إنما العَرَض؛ فالمرض في مكانٍ آخر، في فساد النخب السياسية الحاكمة، هذه هي الحقيقة التي يتجنب الجميع قولها بشكلٍ صريح؛ فعندما تم اكتشاف حقول هائلة من الغاز في موزمبيق كان المواطنون يأملون في فرص عمل كبيرة، وفي تغييرٍ جذري لحياتهم البائسة، لكن ماذا حدث؟ انتزعت أرضهم لصالح شركات الغاز الأجنبية، ولم يُوظَّفوا ولم تُبنَ لهم مدرسة واحدة، فقرروا رفع السلاح في وجه مَن سرق ثرواتهم، وسلبهم حياتهم، وأحالها جحيماً تحت عنوان الجهاد، ثم وجدوا في اسم (داعش) ضالتهم؛ فتبنوه لإخافة الأعداء (الحكومة)، وفي أقل من 4 سنوات كانت حصيلة الموت قد بلغت نحو 3 آلاف شخص من الجانبين.

على أية حال، يستطرد ميغاوي، فإن إفريقيا ليست مكاناً مناسباً للحرب على الإرهاب؛ هذا يفاقم المشكلة ويضاعف الغبن أكثر مما يحد من نشاط هذه الحركات الطارئة. إفريقيا تحتاج إلى حربٍ ضد الفقر والفساد والأنظمة السياسية المستبدة، تحتاج إلى تأسيس دول حقيقية، وعلى الغرب أن يساعد في ذلك، وإن لم يستطع فليكف عن تأويلاته الخاطئة التي ستفضي إلى مزيدٍ من الموت والخراب، يليهما انسحابٌ مُميت كما حدث في أفغانستان.

اقرأ أيضاً: بعد هزائم ساحقة.. “داعش الموزمبيقي يتقهقر أمام الجيش الرواندي”

مَن صنع الإرهاب؟

ضيف الله جالو

 بالنسبة إلى الباحث والمحلل السياسي ضيف الله جالو، فإن السؤال المركزي هو: هل تم القضاء على الإرهاب في منبته، في آسيا، حتى يأتوا إلى إفريقيا؟ ها هم الآن انسحبوا من أفغانستان وتركوا حلفاءهم خلفهم؛ لذلك علينا البحث عن الأسئلة الحقيقية، وهي “لماذا يدعم الغرب الحكومات المستبدة في إفريقيا؟ ويرفع يده عن الحكومات التي تنتخبها الشعوب؟”.

بالنسبة إلى جالو، فإن الحكومات الإفريقية، بمعاونة مستعمريها السابقين، هي التي صنعت ما يُسمى بالجماعات الإرهابية، ثم عجزت عن قتالها، ولو تخلى الغرب عن دعم هذه الحكومات، كما فعل في أفغانستان، ستدخل “بوكو حرام” و”شباب المجاهدين”، وغيرهما، عواصم بلدانهم في ليلة وضحاها، تماماً كما دخلت “طالبان” كابول.

اقرأ أيضاً: أبوبكر شيكاو الإرهابي الأكثر وحشية.. هل مات منتحراً؟

الآن، هذا يحدث بشكلٍ ما في إفريقيا؛ صحيح تم قتل زعيم “بوكو حرام”، لكن على يد مَن اختلف معهم من مؤيديه، وتم حسم “داعش” الموزمبيقي جزئياً بالاستعانة بالجيش الرواندي، وما زالت جيوب وخلايا نائمة تابعة لحركة الشباب الصومالية تضرب عمق مقديشو، كلما وجدت سبيلاً.

في ذات الوقت تقرر فرنسا إنهاء عملية برخان في مالي، وتسمح بحدوث انقلابٍ عسكري فيها، وتبدو عملية قتل الرئيس التشادي القوي إدريس ديبي، وكأنها مدبرة ومرسومة، كما تبدو عملية توريث ابنه محمد كاكا، مثلها أيضاً، وإذا مضينا على هذا النحو، فيجب أن نسأل أيضاً عن انقلاب غينيا كوناكري الأخير؛ لكن قبل ذلك يجب أن ندرس جيداً كيف وصل آبي أحمد إلى السلطة في إثيوبيا، ونال جائزة نوبل للسلام بسرعةٍ فائقة، ثم أشعل الحرب في إثيوبيا لينهي ثلاثة عقود من التنمية والرخاء الاقتصادي، ويعيد بلده إلى زمن المجاعات والحروب الأهلية.

جنود روس يجوبون شوارع بانغي عاصمة إفريقيا الوسطى- وكالات

الطريق إلى موسكو

من وجهة نظري -يضيف جالو- أن الغرب (المستعمر السابق) بالتواطؤ مع النخب العسكرية والسياسية الإفريقية الفاسدة، هم مَن صنعوا الحركات الإرهابية، وعليهم الآن تحمُّل النتائج الكارثية التي نجمت عنها.

اقرأ أيضاً: إفريقيا الوسطى.. من الهيمنة الفرنسية إلى السيطرة الروسية!

الآن، تشهد الكثير من الدول الإفريقية تحولاً نحو روسيا؛ من مالي في الغرب إلى إثيوبيا وموزمبيق في الشرق، خشية الخذلان الأمريكي والأوروبي، وربما يحدث ذلك في أفغانستان أيضاً؛ فحكومة “طالبان” تجد الكثير من الدعم من قِبل روسيا والصين، بينما تنسحب الولايات المتحدة الأمريكية من أفغانستان، وتنسحب فرنسا من مالي والنيجر وغيرهما، فمَن الذي سيحارب الإرهاب في إفريقيا إذن، طالما أن محمدو بُهاري رئيس أكبر اقتصاد إفريقي يطلب مساعداتٍ تقنية واستخبارية من الغرب، ويصف انسحاب واشنطن من كابول بأنه كيوم القيامة بالنسبة إلى الدول الإفريقية إن حدث معها نفس الشيء.

يختتم جالو: في الواقع، فإن الحرب على الإرهاب تبدأ بالتنمية الاقتصادية، والاستقرار السياسي، وعلى الغرب أن يعي ذلك، وأن يعمل على دعم هذا الاتجاه، عوضاً عن الحديث عن نقل الحرب على الإرهاب إلى إفريقيا.

اتبعنا على تويتر من هنا

تعليقات عبر الفيس بوك

التعليقات

عبد الجليل سليمان

مراسل السودان

مقالات ذات صلة