الواجهة الرئيسيةشؤون عربيةمجتمع

كيف يواجه المغرب مضامين التطرف في مقررات التعليم؟

تنهج الدولة المغربية خياراً استراتيجياً يواجه مظاهر التشدد والتعصب عبر اعتماد اختيارات تربوية معرفية وقيمية وحقوقية

المغرب- حسن الأشرف

يراهن المغرب على تشذيب المناهج والمقررات الدراسية في عدد من المستويات التعليمية من محتويات ومضامين يراها البعض متضمنةً أفكاراً متشددة أو يمكن تأويلها بالدعوة إلى العنف والتزمت، من قبيل قيام وزارة التعليم بحذف عدد من “آيات الجهاد” من بعض مقررات مادة التربية الإسلامية.

ويرى مراقبون أن الدولة المغربية تنهج خياراً استراتيجياً يواجه مظاهر التشدد والتعصب عبر اعتماد اختيارات تربوية معرفية وقيمية وحقوقية تنهل من الدين الإسلامي السمح، والانفتاح على ثقافات وقيم العصر، داعين لجان تأليف الكتب والمقررات إلى استيعاب قيم العصر لتنسجم مع بنود الدستور والالتزامات الدولية للمغرب في مختلف المجالات.

اقرأ أيضاً: المدارس العتيقة في المغرب… صمام أمان لصون الهوية الدينية

تنقيح المناهج التعليمية

وفطنت السلطات التعليمية في المغرب إلى ما اعتبرته مضامين إما متشددة في فحواها وإما أنه يمكن تأويلها تأويلاً متطرفاً؛ فسارعت إلى التشذيب والتنقيح التدريجي للمقررات والمناهج التربوية؛ خصوصاً في المستويات الابتدائية والإعدادية، ومن ذلك تعديلات طالت مقررات التربية الإسلامية؛ أبرزها استبدال سورة “الفتح” من مقرر الصف الثالث الإعدادي، بدعوى “أنها تضم آيات القتال والجهاد”، وتعويضها بسورة “الحشر”؛ كونها “تمتلئ بآيات تزكية النفوس”.

يقول في هذا السياق الكاتب والخبير في مجال التربية، محمد الصدوقي، في حديث مع “كيوبوست”، إنه قبل سنة 2006، كانت مضامين وتوجهات بعض المقررات والمناهج التعليمية تتسم ببعض الحوامل المعرفية والقيمية والأيديولوجية التي تدعو إلى التشدد والتطرف الديني؛ خصوصاً مادة التربية الإسلامية، كانت لها علاقة بسياقات تاريخية ودولية ومحلية.

محمد الصدوقي

واستطرد الصدوقي بأنه في 6 فبراير 2006، وخلال مجلس وزاري، أصدر الملك محمد السادس تعليماته إلى كل من وزير التربية الوطنية ووزير الأوقاف والشؤون الإسلامية؛ لكي يعملا على ضرورة مراجعة مناهج ومقررات التربية الدينية في المدارس العمومية والخاصة الابتدائية والثانوية، بإعطاء أهمية أكبر للتربية على القيم الإسلامية السمحة، وتبني اختيارات الوسطية والاعتدال والتسامح والتعايش مع مختلف الثقافات والحضارات الإنسانية، والانفتاح على مجتمع المعرفة ومستجدات العصر.

ووَفق المحلل ذاته، عرفت المناهج التعليمية (خصوصاً منهاج التربية الإسلامية) عدة تغيرات وتنقيحات تستجيب للتوجيهات الملكية السابقة وقيم حقوق الإنسان وقيم العلم؛ حيث تم اعتماد المقاربة الحقوقية بكيفية واضحة، وتعزيز توجهات المعرفة العلمية عبر تكثيف وتشجيع التوجه إلى الشعب والتخصصات العلمية، والتعزيز النسبي لمادة الفلسفة، في هندسة البرامج والمناهج التعليمية المغربية.

أصدر الملك محمد السادس تعليماته بضرورة مراجعة مناهج ومقررات التربية الدينية

اختيارات تربوية

وتابع الصدوقي: (نجد مثلاً من أهداف المنهاج الرسمي للوزارة الخاص بالتربية الإسلامية في التعليم الابتدائي “التنشئة على قيم التعايش والتكافل والتضامن والتسامح والانفتاح واحترام الآخر”، وتم اعتماد هندسة منهاجية جديدة تعتمد مقاربة حقوقية وقيم حقوق الإنسان خصوصاً، كما نجد في منهاج التربية الإسلامية الخاص بالتعليم الثانوي أن من المواصفات المرتبطة بالقيم أن يكون المتعلم “منفتحاً على قيم الحضارة المعاصرة في أبعادها الإنسانية، ملماً بقيم الحداثة والديمقراطية وحقوق الإنسان، متمسكاً بالسلوك القويم المعتدل المتسامح والمثل العليا المستمدة من روح الدين الإسلامي”).

اقرأ أيضاً: رابطة علماء المغرب تواجه التطرف العنيف.. حوارات خلفية وخرائط ذهنية

كل هذه الأهداف والاختيارات السابقة، يردف المتحدث ذاته، لا توجد فقط في منهاج التربية الإسلامية؛ بل هي اختيار منهاجي عام للتعليم المغربي في مكونه الأساسي: التربية على القيم؛ قيم حقوق الإنسان والمواطنة والقيم الحضارية والثقافية، والتي توجد عبر “الجغرافيا” البيداغوجية لغالبية المقررات والمواد الدراسية المقررة.

من المقررات الدراسية في المناهج المغربية

وذهب الصدوقي إلى أنه “عبر المقررات والمناهج التعليمية الرسمية المغربية، يظهر أن هناك إرادة وخياراً استراتيجياً يعمل على مواجهة كل أشكال التخلف والصراع اللا إنساني؛ من تشدد وتعصب وتناحر وتزمت وجهل وتأخر، عبر اعتماد اختيارات تربوية استراتيجية، معرفية وقيمية وحقوقية، تنهل من الدين الإسلامي السمح، والانفتاح على ثقافات وقيم العصر، واعتماد العلم والتكنولوجيا من أجل التقدم والتنمية”، مضيفاً أن “كل هذا تتم ترجمته في الاختيارات والأهداف العامة للمنظومة التعليمية ككل، أو في مناهج مختلف المواد والتخصصات المعرفية الدراسية المعتمدة”.

مراجعة متسرعة

من جانبه، أكد المحجوب أدريوش، باحث في سوسيولوجيا التربية وكاتب متخصص في شؤون منظومة التربية، في حديث مع “كيوبوست”، أنه لا يمكن نكران أن بعض المقررات والمناهج تستدعي المراجعة والتدخل للوقوف أمام الفكر المتطرف والتشدد الديني.

محجوب أدريوش

ولفت أدريوش إلى أن “مراجعة مناهج وبرامج مقررات تدريس التربية الدينية، سواء في المدرسة العمومية أو التعليم الخاص أو في مؤسسات التعليم العتيق، كانت أمراً متسرعاً نتج عنه اضطراب حقيقي في مضامين الخطاب المدرسي الذي سوف يجمع في زمن واحد وإيقاع واحد بين المتناقضات والمتضادات؛ بين الحرية والجبرية، بين الاشتراكية والليبرالية، بين اللائكية والدينية”.

وتساءل الباحث ذاته: “كيف يمكن التوفيق في برنامج دراسي واحد موجه إلى كل التلاميذ بين دروس تقدم لهم نظرية الخلق الإلهي للإنسان باعتبارها حقيقة أزلية مطلقة، وأخرى تبسط نظرية النشوء والتطور باعتبارها حقائق علمية تستند إلى المنهج العلمي المتعارف عليه؟ وكيف يمكن الجمع بين دروس عقدية تحمل خطاباً قيمياً يستند إلى قراءة للنصوص المقدسة المؤسسة لفكرة أن الإنسان مسير، وأن كل شيء يحدث في الكون كُتب وسُجل وقُرر بعناية إلهية منذ الأزل، وبين أخرى تروج لقيم الحرية والمسؤولية الفردية؟”.

اقرأ أيضاً: سادغورو: جودة التعليم أساس السلم المجتمعي

مواجهة استنبات التطرف في التعليم

وجواباً عن سؤال “الحيلولة دون تحول مقررات تعليمية إلى مستنبت يحتضن أنواع التطرف”، شدد أدريوش على أنه “لا بد من الابتعاد عن المقاربة التوافقية؛ لأنها تنتج دينامية معاكسة تماماً لفلسفة إنتاج البرامج والمقررات”، شارحاً بأن “التوافق في هذه الحالة يعني تأخير الاختيار، وعندها يُنقل الصراع القائم في المجتمع إلى المدرسة؛ خصوصاً عندما يعتمد الأساتذة والإداريون على ما يُسميه سوسيولوجيو التربية (المنهاج الخفي)، وهو العمليات التعليمية والتربوية التي لا تكون ضمن المنهاج الرسمي المخطط في التوجيهات والوثائق الرسمية، وهذا المنهاج هو الخطير في نشر التشدد الديني والتطرف؛ لأنه غير مراقب ويمرر بطرق مختلفة”.

ودعا أدريوش أيضاً إلى أن تكون لجان تأليف الكتب والمقررات وتخطيط المناهج، لجاناً موضوعية تستوعب قيم العصر وتنسجم مع بنود الدستور والالتزامات الدولية للمغرب في مختلف المجالات؛ لأن مشكلة المثقف والباحث “التقليدي” أنه كثيراً ما يكون غير متشبع ومكون بالفكر العلمي والفلسفي الحديث والمعاصر بمختلف تخصصاته وتشعباته.

وطالب الباحث، في ختام حديثه، بضرورة اعتماد مرجعيات وأسس حاضنة، كمرجعية العلوم الإنسانية ومستجدات الفكر الإنساني في مجال العلوم الإنسانية المتفتحة على قضايا المجتمع، والانفتاح على الأدبيات التربوية والأكاديمية الحديثة، وعلى فلسفة القيم ومنظومة حقوق الإنسان والابتعاد عن التوجه الأيديولوجي الأحادي والمعادي للعقل والعلم والفلسفة والحياة بصفة عامة.

اتبعنا على تويتر من هنا

تعليقات عبر الفيس بوك

التعليقات

حسن الأشرف

صحفي مغربي

مقالات ذات صلة