الواجهة الرئيسيةشؤون دولية

كيف يمول الإرهابيون والمتطرفون أنفسهم؟

كيوبوست

في الثاني عشر من أكتوبر 2002، شهدت إندونيسيا الهجوم الأكثر دموية في تاريخها؛ حيث أدَّت التفجيرات الإرهابية في جزيرة بالي السياحية إلى مقتل أكثر من مئتي شخص، معظمهم من الأجانب. كانت الجماعة الإسلامية في جنوب شرق آسيا، المسؤولة عن الهجوم، تستخدم طرقاً مختلفة لتمويل أنشطتها؛ مثل السطو وتبرعات المتعاطفين، لكن اعتقال أحد زعماء الجماعة العام الماضي كشف عن استغلال الجماعة مشروعاً تجارياً في مجال زراعة زيت النخيل في البلاد.

تُطَوِّر الجماعات المتشددة والإرهابية وسائلَ الحصول على التمويل اللازم باستمرار؛ من تبرعات المتعاطفين والأثرياء واستغلال الجمعيات الخيرية، إلى الاحتيال، وحتى الاتجار بالممنوعات والبشر والجنس والنفط والأسلحة والعملات الرقمية. تحتاج الجماعات الإرهابية إلى المال؛ ليس من أجل التحضير والتنفيذ للهجمات فقط، بل أيضاً من أجل تغطية التكاليف اليومية والمستقبلية لأعضائها وأُسرهم، وشراء ذمم الفاسدين والميسرين لأعمالها.

اقرأ أيضاً: بعد مقتل دروكدال.. الإرهاب يهدد منطقة الساحل وشمال إفريقيا

يمكن أن يكون الانخراط القانوني في الاستثمار استراتيجية فعالة لاستدامة نشاط الجماعات المتطرفة. تعتبر إندونيسيا -مثلاً- أكبر مصدر لزيت النخيل في العالم، وتشجع الحكومة على الاستثمار في هذا المجال. استغلت الجماعة الإسلامية في جنوب شرق آسيا هذه الميزات -كما لاحظنا- لإنشاء مشروعها، كما يُعتقد أنها استغلت المزارع للتدريب، والأسمدة لصناعة المتفجرات. وكمثال آخر، تمتلك جماعة الإخوان المسلمين العديد من الأصول القيِّمة ومصادر الدخل في الدول التي تنشط بها، ويمتلك العديد من قياديي المجموعة مشروعات تجارية؛ مثل محلات السوبر ماركت والأثاث.

الجمع بين الطرق التقليدية والحديثة

يُمكن للمجموعات المتطرفة والإرهابية حول العالم الحصول على الأموال بطريقةٍ تقليدية سهلة من خلال جمع التبرعات؛ مما يسمح لهم بتمويل أنفسهم، أو بدء أعمالهم التجارية المربحة بسرعة، وفي مجالات مختلفة. ولا يعني ذلك بالضرورة وقوع اعتداءات إرهابية أو أعمال عنف في البلد الذي يمارس فيه المتطرفون أنشطة تجارية، كما لا يعني بالضرورة أيضاً أن يمارس المتطرفون النشاط التجاري بأنفسهم؛ إذ يمكنهم استخدام الوسطاء المستعدين للعمل مقابل الربح حتى دون تعاطف فكري يُذكر.

يمتلك حزب “فورزا نوفا” (بالإنجليزية: Forza Nuova) الإيطالي اليميني المتطرف -مثلاً- مشروعاتٍ تجارية وصناديق استثمارية بريطانية، وتتلقى الصناديق تبرعات مجهولة، وتحوَّل الأموال إلى الشركات الإيطالية المملوكة لقادة الحزب أو أقاربهم أو شركائهم.

حشد من أنصار حزب “فورزا نوفا” الإيطالي اليميني المتطرف- “Afp”

ومع تطور التقنيات، تمكَّنتِ الجماعات المتطرفة والإرهابية من الجمع بين الأساليب التقليدية والحديثة، من خلال جمع التبرعات والأموال عبر البيع باستخدام الإنترنت، أو بواسطة العملات الرقمية المشفَّرة التي يصعب تعقبها؛ حيث قامت مجموعة “كو كلوكس كلان” (بالإنجليزية: Ku Klux Klan)‏ الأمريكية المتطرفة، ببيع منتجات خاصة بها عبر الإنترنت؛ مثل الملابس التي تحمل شعاراتها، كالصليب المعقوف، وعبارات تحض على الكراهية والعنف.

اقرأ أيضاً: من أورومتشي إلى أوسلو: النشاط الأويغوري المسلح والحرب على الإرهاب

وفي أغسطس هذا العام، صادرت الولايات المتحدة ملايين الدولارات من حسابات العملات المشفرة التي تستخدمها الجماعات الإسلامية المتشددة. وفقاً لمسؤولي إنفاذ القانون، فإن المجموعات تطلب التبرعات من خلال عملية احتيال لجمع الأموال عبر بيع معدات الحماية الشخصية لوباء كورونا عبر الإنترنت.

طريق سريع للثراء

يُمكن أن يؤدي تطوُّر وتنوُّع وسائل جمع المال إلى تحقيق الثراء للجماعات الإرهابية؛ ففي ذروة قوته في العراق وسوريا، وُصف “داعش” كأغنى منظمة إرهابية في العالم. وفقاً للمُحللين، قُدِّرت أموال جماعة “داعش” وأصولها في عام 2014 بأكثر من 2 مليار دولار. وقد تنوَّعت مصادر تلك الأموال بين سرقة البنوك والإمدادات العسكرية المنهوبة وعوائد النفط والضرائب.. وغيرها. أسهمتْ تلك الأموال في تمويل الجماعة؛ بما في ذلك الرواتب، كما تم استغلالها أيضاً لإنشاء مشروعات تجارية مشروعة في جميع أنحاء الشرق الأوسط؛ مثل الفنادق وتجارة السيارات والعقارات. على سبيل المثال، وفقاً لمسؤول أمني عراقي، تم نقل الجزء الأكبر من الأصول المالية للدولة الإسلامية إلى تركيا للاحتفاظ بها كنقد أو للاستثمار في الذهب.

اقرأ أيضاً: غسيل الأموال في تركيا وتهديد الأمن الدولي

ومن بين الأساليب الشائعة أيضاً لتمويل أنشطتهم بسرعة، يقوم الإرهابيون بعمليات الابتزاز والاختطاف من أجل الحصول على الفدية؛ ففي عام 2014 على سبيل المثال، تمكَّن “داعش” من جمع 20- 45 مليون دولار من فدية الرهائن. ويصف ناصر الوحيشي؛ مؤسس تنظيم القاعدة في جزيرة العرب، اختطاف الرهائن لطلب الفدية بأنه “تجارة رابحة” و”كنز ثمين”. يُذكر أن تنظيم القاعدة في جزيرة العرب قد حصل على نحو 30 مليون دولار من فدية الرهائن بين عامَي 2011 و2013.

تعاون وثيق

سيطر تنظيم داعش الإرهابي لسنوات على حقول النفط في معاقله في شرق سوريا وشمال العراق، وقام بتهريب النفط الخام مقابل النقد والنفط المكرر، وقد شملت قوائم زبائن “داعش” كلاً من تركيا والحكومة السورية. يُمكن أن يتورط في مثل هذه الأنشطة شخصيات نافذة ومسؤولون حكوميون؛ حيث تشير تقارير إلى ارتباط بيرات البيرق، وزير الخزانة والمالية التركي، بتجارة النفط مع “داعش”.

مقاتل كردستاني بجانب جدار مرسوم عليه شعار الدولة الإسلامية في العراق والشام- أ ف ب

وفي اليمن، تمكَّن تنظيم القاعدة من نهب عدة بنوك؛ بينها فرع البنك المركزي اليمني في المكلا بمحافظة حضرموت، بعد أن سلَّم الجيش المدينة برداً وسلاماً للجماعة، ويُقدَّر المبلغ المنهوب بنحو 100 مليون دولار. وذلك بالإضافة إلى مبالغ أخرى سبق أن استولى عليها التنظيم من منشآت حكومية في أبين جنوب اليمن. يعتبر عبدالمجيد الزنداني، أحد أبرز زعماء جماعة الإخوان المسلمين في اليمن، من بين أشهر المُيسرين لتنظيم القاعدة؛ إذ تتهمه الولايات المتحدة بلعب دور أساسي في شراء الأسلحة للإرهابيين نيابةً عنهم.

اقرأ أيضاً: تنظيم “القاعدة في شبه الجزيرة العربية” باليمن قد يستعد لتوجيه هجمات جديدة

تحتاج الجماعات المتطرفة والإرهابية إلى تعاون وثيق مع الأعضاء والأنصار والمُتعاطفين، وحتى المجرمين والفاسدين؛ لتسهيل حركتها وحركة أموالها وأسلحتها، وقد تمكَّنت على مرّ السنين من تكوين شبكات فعالة لهذا الغرض؛ لذلك فإن تجفيف منابع التمويل لهذه الجماعات يتطلب جهداً تعاونياً دولياً، ليس لمراقبة حركة الأموال والأصول فحسب؛ بل أيضاً للترويج للسلام ونبذ العنف والكراهية والتطرف.

اتبعنا على تويتر من هنا

تعليقات عبر الفيس بوك

التعليقات

مقالات ذات صلة