الواجهة الرئيسيةثقافة ومعرفةملفات مميزة

كيف يمكن بناء دولة قوية ؟ هذه هي أفكار فوكوياما في كتابه” بناء الدولة” (2-3)

تجارب ودروس عالمية لدول الربيع العربي

استعرضنا في المقالة الأولى أبرز ما جاء في الفصل الأول من كتاب فرانسيس فوكوياما: بناء الدولة، يمكن قراءته من هنا، وفي المادة التالية استكمال للجزء الثاني من الكتاب والذي يناقش مشكلة الدولة و مظاهر ضعفها في إدارة مؤسساتها، كما ويشرح كيف تنجح دول وتفشل أخرى في إدارة شؤونها.

الدولة الضعيفة وثقب الإدارة العامة الأسود

يجادل فوكوياما بأنه ليس ثمة صيغة معينة، أو قالب واحد لبناء إدارة مؤسساتية جيدة، سواء بالنسبة للمؤسسات الحكومية أو الفردية الخاصة، من منطلق أن الإدارة ليست علماً، بقدر ما هي فن. وأن المساعدات الممنوحة للدول النامية، لتقوية إدارتها، يجب بالأساس أن تكون محلية الطابع، سواء بالتدريب أو الدعم.

أما المشكلة الرئيسية في إدارة المؤسسات من وجهة نظهره: هي (التخطيط المركزي) القائم على حساب حرية اقتصاد السوق، حتى في إدارة المؤسسات المتحدة الكبيرة، فهو يدعو لتبني هيكيلة (لامركزية) متعددة الأقسام. مختلفة عن التي سادت في الثمانينيات والتسعينيات، حيث أن هيمنة النظريين الاقتصاديين على السوق، حجبت تجارب كان من الواجب فرضها من قبل السوق نفسه.

ثم يناقش فوكوياما النظريات الاقتصادية، ويتخذ من نظرية “وليامسون”، التي تقول أن قصور أو محدودية العقلانية، تعني الاعتراف بعدم مقدرة طرفي العقد على توقّع كل الظروف المستقبلية الطارئة، أو فرض تدابير لتلاشي الانتهازية القائمة. إذ تركت العوامل الشخصية والسلوكية أثرها على العقود، ولذلك فالعقلانية بتراتبية ما، تعتبر نوع من السلوك الفردي، وبالتالي فالمؤسسات هي عقود عمل بين أفراد، والسوق بطبيعتها أذكى من الأفراد.

ويشير الكاتب لتحذير” بيرلي” و” مينز” الذين اعتبرا أن فصل الإدارة عن الملكية في الشركات الحديثة، يؤدي لتبعات خطيرة.

أما القطاع العام، فهو بالنسبة لفوكوياما أشبه بما يحدث في الساحة السياسية الديمقراطية، عندما يفضّل السياسيون المنتخبون، منتخبيهم على غيرهم، فيحدث الفساد السياسي. تماماً كما يحدث في القطاع الاقتصادي العام، عندما يضع الموظف الحكومي مصلحته الخاصة فوق مصلحة المؤسسة.

ويلفت النظر إلى أساليب الإدارة الحديثة التي تحاول ربط مصلحة المسؤول فيها، بمصلحة الموظف، ليحدث التكافل بين الطرفين، لتحقيق المنفعة الذاتية الفردية. ويبرهن فوكوياما على صعوبة وجود صيغة تنظيم مؤسساتي أمثل من الآخر، خصوصاً لهيئات القطاع العام، وذلك للأسباب التالية:

أولاً: عدم وضوح أهداف العديد من المؤسسات، فالوكلاء لا يستطيعون تنفيذ ما يريده الرؤساء، إلا عندما يعرف الرؤساء ما يريدونه من الوكلاء فعلاً.

وهذا الغموض التنظيمي سببه التباس أهداف المؤسسة التي غالباً ما تكون غير واضحة، أو متناقضة أو سيئة التعيين. إذا حدثت مشاكل في الشركة، مثل الفساد أو مخالفة القانون أو حتى الخمول البيروقراطي أوالتقاعس البسيط في الأداء، فمردها السلوك النفعي للوكيل الذي لا يشترك مع الرئيس في بنية الحوافز نفسها.

ويشير فوكوياما إلى أن العديد من الصراعات التي تحدث بين الرؤساء والوكلاء، هي نتيجة اختلاف وجهات النظر، لكيفية تنفيذ الأهداف. بالإضافة لتقسيم العمل، وإيكاله لأشخاص مختلفين يؤدي للتأثير على الأهداف العامة.

ثانياً: نظم المراقبة والمحاسبة في الإدارات العامة تزيد من تكلفة التعاملات الاقتصادية.

من الصعب بمكان قياس ومراقبة نتاج كل وكيل أو موظف في القطاع العام؛ لأن القطاع يقدم خدمات متنوعة صعبة القياس. ويقترح فوكوياما آلية لمراقبة النشاطات المنخفضة لدى الوكلاء، وذلك عبر “المنافسة”، ولكن هذه الميزة لا تتوفر لدى مؤسسات القطاع العام، بسبب صعوبة قياس انتاجيته.

ويضيف، إن الاقتصاديين الكلاسيكيين حاولوا عبثا إيجاد حوافز لجعل الموظف يكشف عن إنتاجيته، ولكن هذه الطريقة فشلت بسبب انطباعات سلوكية عن العامل؛ بأنه يأخذ أجره باهظاً ومن ثم يتحايل في بذل الحد الأدنى من جهده، ولكن الحقيقة أن العمال لا يراوغون إلا في الحد الأدنى الضروري.

النظرية “التايلورية”

ومن ثم ينتقل ليستعرض النظرية “التايلورية”، القائمة على التقسيم المنهجي للعمل إلى مهام صغيرة وبسيطة، ويقدّم هذا النظام العالي التراتبية “الرأسية” مستوى عالي من الشفافية في سلوك العامل ومراقبته ومحاسبته. ومن عيوب هذه التراتبية الصارمة، كلفتها العالية، وبيروقراطيتها. ويجري حالياً استبدال هذا النظام بنظام آخر أكثر “أفقية” وتسطيحاً، عبر منح الشريحة الدنيا في التراتبية قدراً أكبر من المرونة بالصلاحيات وحرية أكثر بالتصرّف.

ويطرح فوكوياما المؤسسة العسكرية كمثال متطرف عن الطريقة التي يمكن للمؤسسات العامة من خلالها الاستفادة من الأعراف السائدة ورأس المال الاجتماعي. فالحوافز المادية وحدها لا تدفع الفرد للتضحية بحياته في المعارك، ولكن يتم بذلك عبر تعزيز الهوية الجماعية للأفراد، والتقاليد والطقوس الاجتماعية أثناء التدريب، فلا يجوز الإشارة لجندي البحرية الأمريكي من قبل المدربين باسمه، دون أن يسبقها تعريف: “جندي البحرية فلان…”. وذلك يخلق في نفوس أفرادها إحساساً قوياً بوجود ثقافة مشتركة، تدفعهم إلى التماهي مع أهدافها.

ومن ثم يتساءل فوكوياما: عن الكيفية التي يمكن معها لأي مجتمعات، تقديم خدمات عامة معقولة أنجح من غيرها؟

ترتبط أول الإجابات بطبيعة الإمكانيات المتوفرة. بطبيعة الحال تكون المؤسسات ضعيفة التمويل أقل كفاءة على كافة المستويات، وهو ما تواجهه المؤسسات في الدول الفقيرة، بسبب ضعف التدريب، وضعف البنى التحتية فيها، وصعوبة تقديم خدماتها.

وفي المقابل، تزداد أشكال الهويات المختلفة في المجتمعات الحديثة، ويتضاعف معها عدد الجماعات والأعراف التي يشعر الأفراد بالتعلق بها والانتماء إليها، ويحدث ذلك تلقائياً داخل العمل، ويكون الحافز عن مدى انتماء العامل لتلك الهويات، بحيث تكون السيادة لتلك الهوية السائدة في المؤسسة، فيسعى العامل تلقائياً لسرعة الاندماج بما هو مقتنع به، وبذل مجهود مضاعف من أجل الوصول لتراتبية أعلى.

وبالنسبة لـ فوكوياما، فإن قوة كاريزما القائد أو المسؤول لها دور هام داخل أي مؤسسة، ليس فقط في التنفيذ وإشاعة القوانين، بل في خلق الأعراف واستنباط المعايير وترسيخها. فالمؤسسات القوية كما القوة العسكرية، تركز على تدريس فن القيادة باعتباره جزء من هويتها المؤسساتية.

وعلى العكس من ذلك، تبقى القيادة البيروقراطية نمطية في تعملها مع الأعراف، إذ تستجلب الأعراف من محيطها، بدلاً من ابتكار نظام قيادة مؤسساتي.

ثالثاً: لأن الدرجة المناسبة من السلطة والصلاحية المفوضة، تختلف تبعاً للظروف التي تواجهها المؤسسة، فإن ثمة أسباب تدعو للاعتقاد بأن درجة الصلاحيات الممنوحة وظيفياً تعتمد على مدى تطور التكنولوجيا، وبالتالي فهي متغيرة مع مرور الزمن، وهو ما تطرق إليه هايك (1945) عندما أشار إلى أن ازدياد تعقيد التكنولوجيا الاقتصادية، يفرض درجة أعلى من اللامركزية في صناعة القرار الاقتصادي.

كما أن نقل سلطة اتخاذ القرار إلى التراتبية الدنيا، يجعل المؤسسة أكثر تفاعلاً مع متغيرات البيئة الخارجية. وتزداد معها الحاجة إلى نقل الصلاحيات عندما يكون عمل الوكيل بحاجة للاجتهاد والحكمة، وينطبق ذلك على السياسة، كما المؤسسات، تحت مسمى الفيدرالية.

ويخلص فوكوياما إلى أن اللامركزية لها حسنات ومثالب. ومن أهم عيوب اللامركزية ما يرتبط بالأخطار المترتبة على تفويض السلطة، لأنه يخوّل المستويات الدنيا بالمخاطرة في أخذ القرارات، وهو ما يكون ملائماً في بعض التخصصات، كالابتكار التكنولوجي. كما تكون هذه العيوب ملازمة في الفيدرالية السياسية، حيث أن منح الصلاحيات لولايات يؤدي لتفاوت في الأداء الحكومي، أما في دول العالم الثالث، فيمكن أن يؤدي نظام “الرعاية الزبائنية” إلى الاستحواذ على السلطة والسطوة، وتجاوز المتنفذين للمحاسبة والرقابة الخارجية.

ثم يشير إلى القول المأثور لأرسطو “الحكم بسلطة القانون، لا بسلطة البشر”، فقد قامت الدولة الدستورية الحديثة وسلطة القانون، على صلاحيات مؤسسات الدولة، لأن حكم القانون لوحده لا يكفي، من دون إيجاد حكومة فاعلة تتمتع بسلطة حيوية ومقدرة على التصرف.

وبعدها ينتقل إلى ما أسماه إعادة اختراع العجلة، فالنظريات الاقتصادية جميعها مجردة، وتفترض وجود قواعد كونية للسلوك الإنساني، وهو ما فرض صرامة للبحث عن الكمال المؤسساتي. وهو ما يكون مستحيلاً مع فرض التأطير المنهجي لدراسة إدارة الأعمال، لأسباب متأصلة بصلب الموضوع، لذلك وضع بيتشستر برنارد كتاب “وظائف الجهاز التنفيذي” الذي يرد فيه على فريدريك تايلور والفهم الميكانيكي الذي أشاعته التايلورية للمؤسسات (التايلورية قائمة على التقسيم المنهجي للعمل إلى مهام صغيرة وبسيطة)، حيث وافق برنارد في كتابه على تشجيع المؤسسات على التعاون بمبدأ نظام الحوافز العقلانية.

يهتم فوكوياما كثيرا بمسألة بناء القدرة المؤسساتية في ظل الغموض التنظيمي، أي المضامين السياسية، ويشير هنا إلى مقولة هايك “إن معظم المعارف في اقتصاد ما، تبقى محلية الطابع”.

وبالمقارنة مع القطاع الخاص، يعتبر فوكوياما أن المأخذ الأهم على إدارة القطاع العام، أنها لا تخضع لمنطق المنافسة والانتخاب في عملية التطور الدارونية الصارمة التي تخضع لها المؤسسات الخاصة.

ثم يعود الكاتب لمناقشة المنح المقدمة من المؤسسات الدولية، ويوضح أن القدرة المؤسساتية لا تنتقل من مجتمع إلى آخر عبر مجموعة إداريين لامعين، يتم استيرادهم من العالم المتقدم لإعطاء محاضرات. وينصح الكاتب الجهات المانحة إلى منح هباتهم وخبراتهم مباشرة إلى الهيئات الحكومية في الدول لبناء قدراتها. وينبغي لتلك المؤسسات ألا تضع شروطاً محددة حول كيفية استخدام هذه الموارد، بل أن تفرض معايير صارمة للمحاسبة بغية الحصول على أنماط إنتاج معينة، وهو ما يحتاج لملكة الصبر.

وأخيراً، اعتبر فوكوياما أن علم الاقتصاد هو أمير العلوم الاجتماعية في نهاية القرن العشرين؛ لما للأسواق الاقتصادية من قدرة على تحليل السلوك الإنساني، اعتماداً لمقدرتها على الملاحظة التجريبية الصارمة، ومن ثم امتلاكها لقدرة تنبؤية مهمة.

يتبع الجزء الثالث  من كتاب فوكوياما

تعليقات عبر الفيس بوك

التعليقات