الواجهة الرئيسيةترجماتشؤون دولية

كيف يمكن احتواء “روسيا بوتين”؟

استراتيجية لمواجهة قوة مناهضة صاعدة

كيوبوست– ترجمات

مايكل مكفاول♦

بعد أن تسلم الرئيس بايدن مفاتيح البيت الأبيض ستتغير على الفور العديد من عناصر السياسة الأمريكية تجاه روسيا. ولن يسعى بعد الآن رئيس الولايات المتحدة إلى بناء أواصر الصداقة مع الرئيس الروسي فلاديمير بوتين، كما فعل الرئيس دونالد ترامب طوال فترة ولايته. ولن يتردد بايدن في انتقاد تصرفات بوتين العدوانية؛ خصوصاً تلك الموجهة نحو الولايات المتحدة. كما أن إدارة بايدن سوف تراعي المعايير الليبرالية والقيم الديمقراطية مجدداً في سياسة الولايات المتحدة تجاه روسيا؛ لذلك يمكن للرئيس بوتين أن يتوقع المزيد من الانتقاد تجاه الاستبداد الروسي والمزيد من الدعم لحقوق الإنسان. كما أن خطاب البيت الأبيض تجاه الحلفاء عبر الأطلسي سوف يتغير بشكل ملحوظ، فقد ولَّى عصر توبيخ الناتو.

هذا هو الجزء السهل والمتوقع. الجزء الأصعب سيكون في بناء استراتيجية أمريكية شاملة نحو روسيا، تحقق التوازن الصحيح بين احتواء موسكو وإشراكها في المجالات الضيقة ذات الاهتمام المشترك. ولتحقيق ذلك سوف تحتاج إدارة بايدن إلى التخلص من بعض الأساطير والمفاهيم الخاطئة التي أعاقت فهم الولايات المتحدة الصحيح لموسكو، واستبدال تقييمات دقيقة بها حول نوع التهديد الذي تشكله رؤية بوتين، وكيف يمكن للولايات المتحدة مواجهته بفعالية.

اقرأ أيضاً: كيف حدَّثت روسيا آلياتها ما بين عامي 2016 و2020؟

التفكير المشوش

التفكير الأمريكي حول روسيا تشوبه المفاهيم الخاطئة؛ فكثيرون يفترضون أن روسيا تعيش حالة تراجع، كما صرح السناتور الجمهوري ميت رومني، الشهر الماضي: “روسيا هي أشبه بمحطة وقود تحاول أن تستعرض نفسها كدولة”. صحيح أن بوتين لا يتمتع بالقوة التي تمتع بها أسلافه السوفييت في السبعينيات أو تلك التي يتمتع بها الرئيس الصيني شي جين بينغ، اليوم؛ ولكن روسيا لم تعد تلك الدولة الضعيفة المنهارة التي كانت عليها في التسعينيات. لقد استعادت روسيا مكانتها كواحدة من أقوى دول العالم بفضل قوتها العسكرية والإلكترونية والاقتصادية والأيديولوجية التي تفوق كثيراً ما يتصوره معظم الأمريكيين.

لا تزال روسيا قوة عسكرية هائلة، وواحدة من قوتين نوويتين متفوقتين، وقد استثمر بوتين في تحديث القطاع النووي لبلاده على عكس الولايات المتحدة. كما كرس موارد هائلة لتعزيز القوات الروسية التقليدية التي أصبحت تتفوق على الناتو في بعض النواحي؛ مثل أعداد الدبابات وصواريخ كروز، وأعداد القوات على الحدود بين روسيا ودول الناتو. كما وظَّف بوتين استثمارات هائلة في الأسلحة الفضائية، والاستخبارات والقدرات الإلكترونية. ربما لا تمتلك موسكو شبكة تحالفات عالمية كتلك التي لدى واشنطن؛ ولكن علاقتها مع الصين، بما في ذلك العسكرية، هي الآن أقوى من أي وقتٍ مضى. وبشكل عام، فإن روسيا تصنف اليوم على أنها ثالث أقوى دولة في العالم من الناحية العسكرية.

بوتين يكشف النقاب عن صواريخ فرط صوتية جديدة ويتباهى بأن روسيا هي الدولة الوحيدة في العالم التي تمتلكها- “دايلي مايل”

كقوة اقتصادية، لا تزال روسيا تتخلف كثيراً عن الولايات المتحدة؛ ولكنها ليست تلك الحالة الهشة التي يتخيلها الكثير من الأمريكيين، فاقتصادها هو الحادي عشر على مستوى العالم، والسادس من ناحية قيمة القوة الشرائية. والناتج المحلي الإجمالي لروسيا أكبر من الصين بالنظر إلى نصيب الفرد، كما أن تأميم بوتين للممتلكات وتدخل الدولة في الاقتصاد يمنحان بوتين سيطرة على قسم كبير من موارد البلاد أكبر بكثير من تلك التي يملكها القادة الديمقراطيون في الاقتصادات الأكبر؛ وهذا بالتأكيد يعطي بوتين موارد اقتصادية تحت تصرفه، تمكنه من متابعة أجندة سياسة خارجية عدوانية.

كما أن بوتين يتمتع بقوة أيديولوجية كبيرة؛ فقد استثمر بسخاء في أدوات القوة الناعمة، بما فيها وسائل الإعلام التقليدي ووسائل التواصل الاجتماعي، كما شجَّع على إنشاء العديد من المنظمات شبه الحكومية وقوات الأمن شبه الخاصة؛ لخدمة مصالح روسيا في الخارج، منها وكالة أبحاث الإنترنت سيئة السمعة، ومجموعة فاغنر العسكرية الخاصة، ومؤسسة حماية القيم الوطنية، والعديد غيرها من المنظمات المشابهة. وبوجود كل أدوات النفوذ هذه، فإن النظر إلى موسكو على أنها قوة متراجعة لا يعطي سوى الآمال الكاذبة.

اقرأ أيضاً: حرب استعراض القوة بين أمريكا وروسيا

بالإضافة إلى القوة، فإن بوتين لديه هدف؛ فهو مدفوع بقوة بمجموعة من الأفكار التقليدية غير الليبرالية المناهضة للديمقراطية والمعادية للغرب. وهو بدأ حياته السياسية بطريقة انتهازية؛ حيث عمل تحت إمرة مسؤولين موالين للغرب، مثل أناتولي شوبتساك، عمدة سانت بطرسبرغ، والرئيس الروسي بوريس يلتسن. وبعد أن ترقى في ترتيبه الوظيفي، اتجه بوتين نحو القيم غير الليبرالية والقومية المتشددة. وخلال العقد الأول من حكمه، عمل على تعزيز تلك القيم في روسيا من خلال قمع الممارسات الديمقراطية، وفرض سيطرته على وسائل الإعلام، وإعادة كتابة التاريخ، وإقرار قوانين مناهضة للمثلية الجنسية، وتقوية علاقاته مع الكنيسة الأرثوذكسية. أما في العقد الثاني فركز اهتمامه على تعزيز القيم غير الليبرالية في الخارج؛ وهذا ما يفسر استثمار بوتين مئات الملايين من الدولارات في قناة “RT”.

روسيا تحذر وسائل إعلام بريطانية بعد تغريم قناة “RT” بسبب تغطيتها لحادثة تسميم الجاسوس سيرغي سكريبال- “رويترز”

حاول بوتين أن يسوِّق نفسه على أنه الزعيم العالمي المحافظ غير الليبرالي في مواجهة العولمة الليبرالية الأمريكية. ويهاجم الولايات المتحدة بسبب دعمها الثورات الملونة في صربيا وجورجيا وأوكرانيا والشرق الأوسط. ولمواجهة ما يسميه الانحطاط الليبرالي الغربي، يصرح بوتين بتبنيه القيم المسيحية والعائلية التقليدية، ويؤكد أنها أساس للهوية الروسية، ولحركة المحافظين المتجددة حول العالم.

ولا تنتشر البوتينية في أوروبا فقط؛ ولكن أيضاً في الولايات المتحدة، ومناطق أخرى من العالم، وقال بوتين قبل بضع سنوات: “تكتسب القيم المحافظة أهمية جديدة حالياً”؛ وهنالك كثير من القادة والسياسيين الذين يشاركونه اليوم أيديولوجيته هذه في معظم الدول الأوروبية، وفي الولايات المتحدة أيضاً؛ حيث يوجد حزب سياسي أو حركة تميل نحو البوتينية غير الليبرالية أكثر من ميلها إلى الليبرالية الغربية. ولطالما قلل المسؤولون الأمريكيون من أهمية هذا البعد الأيديولوجي للمنافسة الروسية الأمريكية.

وكذلك يقلل صانعو السياسة الأمريكيون من شأن ميل بوتين نحو السلوك الخطر، ويفترضون أنه سيستجيب بشكل متوقع للتهديدات والإغراءات؛ ولكن بوتين يتصرف دائماً بشكل عدواني حتى عندما تكون التكاليف أكبر من العائدات، مثل ضمه شبه جزيرة القرم، وتدخلاته في الحروب الأهلية في الشرق الأوسط، وسرقة ونشر وثائق بهدف التأثير في الانتخابات الأمريكية عام 2016، ومحاولته اغتيال عميل المخابرات الروسي السابق سيرغي سكريبال، في المملكة المتحدة.

مظاهرة مناهضة للبوتينية في أوكرانيا- وكالات

ويبدو بوتين اليوم أكثر بكثير من مجرد كونه زعيماً مستعداً لمراجعة سياساته مثل نظيره الصيني؛ وهو يعتبر نفسه في حالة حرب مع الولايات المتحدة وحلفائها، وهو لم يعد يرغب في احتلال مكان محترم في النظام الدولي الليبرالي؛ بل يسعى لتدمير ذلك النظام الذي تقوده الولايات المتحدة. وبوتين رجل متقدم في السن، ولن يغير رأيه فجأة بعد عقدَين من الزمن في السلطة. ويجب أن يقر الرئيس بايدن وفريقه بأن بوتين لن يوقف هجومه على الديمقراطية والليبرالية؛ ولذلك يجب عليه ردعه واحتواء “روسيا بوتين” على المدى الطويل. ويجب عليهم الخروج من التصورات القديمة للتهديد السوفييتي، وصياغة سياسة جديدة لاحتواء نفوذ الكرملين السياسي والاقتصادي والعسكري، والأيديولوجي، وفي الوقت نفسه العمل مع الحكومة الروسية في المجالات الضيقة ذات الاهتمام المشترك، وتعميق العلاقات مع المجتمع الروسي بشكل عام.

اقرأ أيضاً: إذا اندلعت الحرب بين روسيا والولايات المتحدة.. لمن ستكون الغلبة؟

الاحتواء في الوطن

يجب أن يبدأ الاحتواء من أرض الوطن. أظهر التدخل الروسي الأخير في الشبكات الرقمية للحكومة الأمريكية والقطاع الخاص بوضوح أن الولايات المتحدة لم تستثمر بما فيه الكفاية لصد هجمات موسكو على الشبكة الرقمية للبلاد. ويجب على الرئيس بايدن أن يعمل مع الكونغرس لتخصيص المزيد من الموارد لاحتواء التهديدات الإلكترونية الروسية؛ خصوصاً ضد البنية التحتية الحساسة، مثل النظام المصرفي والشبكة الكهربائية والقوات المسلحة ومنظومات الأسلحة النووية. ويجب على إدارة الرئيس أن تتحمل مسؤولية أكبر تجاه حماية المواطنين الأمريكيين في العالم السيبراني، كما يحميهم الجيش الأمريكي في العالم الواقعي. ولتحقيق ذلك، يجب على الحكومة الأمريكية أن تتوقف عن الاعتماد على المنتجات التجارية وشركات القطاع الخاص في الدفاع السيبراني، وأن تسعى للحصول على التكنولوجيا والخبرات اللازمة وزيادة أعداد الموظفين وميزانيات الأمن السيبراني.

كما يجب أن يتضمن الاحتواء بعداً اقتصادياً أيضاً؛ فبوتين يستخدم الشركات الروسية ورؤوس الأموال لتعزيز سياساته الخارجية، لذلك يجب على الولايات المتحدة ودول الغرب تطوير استراتيجية للحد من قوة بوتين الاقتصادية من خلال المطالبة بالمزيد من الشفافية حول النشاطات الاقتصادية الروسية في الولايات المتحدة ودول أوروبا وآسيا. كما يجب حظر المشروعات الاقتصادية الروسية ذات الأهداف الجيوسياسية الواضحة؛ مثل خط أنابيب سيل الشمال 2.

اقرأ أيضاً: روسيا في عهد بوتين.. العودة إلى القيصرية

ومن أجل احتواء قوة بوتين الأيديولوجية داخل الولايات المتحدة الأمريكية، يجب على إدارة بايدن أن تضع أنظمة ومعايير أكثر وضوحاً، تفرض المزيد من الشفافية على روسيا بشأن جهودها للتأثير على الرأي العام الأمريكي، سواء عبر وسائل التواصل الاجتماعي التقليدية أو المؤسسات الخيرية أو المنظمات غير الحكومية. وأخيراً يجب أن يشمل الاحتواء جهوداً من داخل الولايات المتحدة لمواجهة التدخل الروسي في الانتخابات الروسية المستقبلية، ويجب على إدارة بايدن إقرار العديد من مشروعات القوانين والإصلاحات التي جرى إعدادها في وقت سابق.

الاحتواء في الخارج

تبدأ عملية الاحتواء في الخارج بالردع. منذ أن قام بوتين بضم القرم وتدخل في شرق أوكرانيا في عام 2014، تعهد أعضاء في الناتو بزيادة إنفاقهم العسكري إلى 2% من الناتج المحلي الإجمالي لبلدانهم، وقاموا بنشر قوات إضافية في إستونيا ولاتفيا وليتوانيا وبولندا، وخصصوا المزيد من الموارد للتصدي لعمليات التجسس الإلكتروني والتضليل الإعلامي. كما أطلقت الولايات المتحدة مشروعاً بمليارات الدولارات لزيادة وجودها العسكري في أوروبا، وساعدت في رفع جاهزية الناتو، ومكنت دوله من نشر 300 ألف جندي إضافي، و30 سفينة حربية، و30 سرباً جوياً في الدول الأعضاء، في أقصى شرق أوروبا خلال ثلاثين يوماً.

حلف شمال الأطلسي يعزز قوته في شرق وجنوب شرق أوروبا- الناتو

كل هذه الخطوات جيدة؛ ولكنها غير كافية، فحلف شمال الأطلسي يحتاج إلى قواتٍ عسكرية برية أكبر لصد أي هجوم عسكري روسي؛ خصوصاً على خاصرته الجنوبية الضعيفة. كما يحتاج إلى تحسين قدرات التنقل العسكري بين دوله، وإلى معالجة الخلافات السياسية المتزايدة بين بعض دوله؛ مثل هنغاريا (المجر) وتركيا. بالإضافة إلى ذلك يجب على دول الحلف إعادة تأكيد التزامها بالقيم الديمقراطية، كما يجب على الحلف أن يضع الحد الأدنى من معايير الحكم الديمقراطية التي ينبغي على الأعضاء الالتزام بها تحت طائلة تعليق العضوية. وهذه التحسينات سوف تتطلب قيادة أمريكية متجددة للتحالف، ويجب على بايدن أن يوضح أن الولايات المتحدة ملتزمة مجدداً بالدفاع عن حلفائها، وأن تدفع إدارته باتجاه تحديث الاستراتيجية البحرية للناتو، ودعمها بمنظومات أسلحة جديدة.

وبالطبع يجب على إدارة بايدن أن تؤكد أن الناتو هو تحالف دفاعي ولن يهاجم روسيا مطلقاً إلا إذا بادرت هي بالهجوم على إحدى دوله. إن أفضل طريقة لضمان السلام في أوروبا هي أن يعرف بوتين أن العدوان العسكري على أحد أعضاء الحلف ستكون له عواقب وخيمة.

اقرأ أيضاً: الولايات المتحدة الأمريكية.. دروس أمس من الحرب الباردة مع روسيا ذخيرة لمعركة اليوم مع الصين

من ناحيةٍ أخرى، يجب على إدارة بايدن أيضاً مواجهة العدوان الروسي على دول من خارج حلف الناتو. ولا يوجد مسرح في معركة احتواء روسيا أهم من أوكرانيا. فبناء أوكرانيا آمنة ومزدهرة وديمقراطية، حتى ولو كانت أجزاء منها تحت الاحتلال الروسي، هي أفضل طريقة لمواجهة العدوان الأيديولوجي والعسكري لموسكو في أوروبا. لذلك يجب على إدارة بايدن أن تزيد من دعمها العسكري والسياسي والاقتصادي لأوكرانيا؛ لمساعدة جهود الإصلاح المتوقفة فيها على النجاح.

وفي الوقت نفسه، ينبغي على إدارة بايدن الحفاظ على منظومة العقوبات الاقتصادية الحالية على موسكو إن لم يكن تعميقها. ويجب أن تستمر هذه العقوبات التي تضعف التوسع الروسي في أوروبا، طالما استمر بوتين في احتلال أراضي أوكرانيا؛ إذ إن رفع هذه العقوبات قبل أن يعكس بوتين مساره في أوكرانيا سوف يرسل إشارة سيئة جداً.

كما يجب على إدارة بايدن أيضاً أن تسعى إلى دعم الدول المجاورة لروسيا؛ مثل جورجيا وأرمينيا ومولدوفا وأوزبكستان، ويجب على بايدن أن يلتقي زعيمة المعارضة البيلاروسية سفيتلانا تسيخانوسكايا، في إشارةٍ واضحة إلى أن الولايات المتحدة لن تقوم بإصلاح علاقاتها مع الرئيس أليكساندر لوكاشينكو، كما فعلت في الماضي. وبعد أن برزت ليتوانيا كمدافع قوي عن الحرية في المنطقة، يجب على بايدن أن يكافئها بتعيين سفير أمريكي رفيع المستوى يحظى بسجل مشرف في تعزيز حقوق الإنسان.

زعيمة المعارضة البيلاروسية سفيتلانا تسيخانوسكايا- أرشيف

الوفاء بالتعهدات

صرح بوتين في وقتٍ سابق أن الليبرالية قد عفَّى عليها الزمن، ويجب على إدارة بايدن أن تثبت خطأه. ويكون ذلك أولاً وقبل كل شيء من خلال تجديد الديمقراطية الأمريكية في الداخل، وفي الوقت نفسه يجب على الرئيس الجديد الوفاء بتعهداته أثناء حملته الانتخابية بالرفع من شأن القيم الإنسانية في السياسة الخارجية الأمريكية؛ خصوصاً في ما يتعلق بروسيا. ويجب أن يقترن الكلام بالأفعال، وأن تعاقب إدارته أولئك الذين حاولوا تسميم زعيم المعارضة الروسي أليكسي نافالني، العام الماضي، (ومن اعتقلوه ظلماً عند عودته إلى روسيا مؤخراً) وكذلك الذين يواصلون الإساءة إلى المتظاهرين السلميين في بيلاروسيا. إن استعمال قانون ماغنيتسكي لفرض عقوبات على بضعة ضباط أو قضاة صغار هو بالضبط ما يتوقعه بوتين ولوكاشينكو، ويجب على بايدن أن يقوم بما هو غير متوقع، ويعاقب مَن يملكون السلطة الحقيقية.

ومن أجل مواجهة الإعلام الروسي المضلل المعادي للولايات المتحدة، ستحتاج إدارة بايدن إلى إصلاح “الوكالة الأمريكية للإعلام الدولي” (USAGM) التي تضررت كثيراً خلال عهد ترامب. وبدلاً من مواجهة الدعاية الروسية بالدعاية الأمريكية، يجب على الولايات المتحدة أن تواجه المعلومات المضللة بتقارير حقيقية من مراسلين موثوقين في روسيا وأوكرانيا ودول أخرى في المنطقة. ولتحقيق ذلك لا بد من فصل راديو أوروبا الحرة/راديو ليبيرتي عن الوكالة الأمريكية للإعلام الدولي وتحويله إلى مؤسسة مستقلة يمولها الكونغرس بمعزل عن الحكومة الأمريكية. ولدعم الصحافة الحرة وجهود مكافحة الفساد في روسيا، تحتاج الولايات المتحدة إلى أساليب جديدة؛ فالتمويل المباشر لوسائل إعلام روسية سوف يفسدها. وبدلاً من ذلك يجب على الولايات المتحدة أن تركز على توفير فرص التدريب قصيرة الأجل وزمالات لمدة عام في جامعات أمريكية وأوروبية والتدريب الداخلي في مؤسسات الإعلام الغربية. إن التعليم الحر وتدفق المعلومات هما أكثر الأسلحة فعالية التي تمتلكها الولايات المتحدة في مواجهة الدعاية الروسية.

رئيس مؤسسة راديو أوروبا الحرة/راديو ليبرتي يطرد حلفاء ترامب من المؤسسة- وكالات

ويجب أن يترافق كل ذلك مع تشجيع منصات التواصل الاجتماعي الأمريكية على تقليل التركيز أو على الأقل تقديم معلومات حول المحتوى المدعوم من الكرملين. ويجب تعديل الخوارزميات المستخدمة لتصنيف المحتوى على “يوتيوب” و”جوجل” و”بينغ”؛ كي تقلل من المعلومات التي تنشرها روسيا. وعندما يظهر مثل هذا المحتوى على محركات البحث، يجب أن يترافق مع محتوى ماثل من مصادر إخبارية موثوقة، ففي كل مرة يظهر فيها مقال أو مقطع من قناة “RT” يجب أن يترافق مع قصة من “BBC” إلى جانبه. كما يجب على إدارة بايدن في الوقت نفسه العمل مع الحكومات الديمقراطية الأخرى حول العالم؛ لوضع مجموعة مشتركة من القوانين والبروتوكولات التي تنظم عمل وسائل الإعلام التي تسيطر عليها الحكومة الروسية.

المشاركة الانتقائية

وبالتزامن مع سعي واشنطن لاحتواء التأثير الروسي في الداخل والخارج، عليها أن تسعى إلى العمل مع الكرملين في عدد صغير من المسائل ذات المنفعة المتبادلة، كما كانت تفعل إبان الحرب الباردة. ويجب على إدارة بايدن أن تباشر فوراً إلى العمل مع بوتين على تمديد معاهدة ستارت الجديدة لمدة خمس سنوات. ويجب عليها التخلي عن فكرة ترامب بإشراك الصين في هذه المعاهدة في الوقت الراهن، وبدلاً من ذلك يجب على الإدارة الأمريكية السعي إلى التمديد الثنائي أولاً، ثم البدء في المحادثات مع الصين وروسيا، وربما فرنسا والمملكة المتحدة حول اتفاقية مستقبلية للحد من انتشار الأسلحة النووية.

بوتين يوقع على تمديد اتفاقية ستارت الجديدة- وكالة تاس

وبعد تمديد اتفاقية ستارت الجديدة يجب أن تحاول إدارة بايدن فتح حوار موسع مع موسكو حول الأسلحة النووية غير الاستراتيجية، والصواريخ فرط الصوتية، وأنظمة الإطلاق الجديدة، والأسلحة الفضائية. ومن المرجح أن يرفض بوتين عرض بايدن لإجراء مثل هذه المحادثات، وعندها يجب أن يعلم العالم أن موسكو هي من يرفض، وليس واشنطن.

اقرأ أيضاً: ما أكثر الدول امتلاكًا للأسلحة النووية؟

كما يجب على واشنطن أن تسعى للعمل مع موسكو على عددٍ من القضايا الدولية المشتركة؛ مثل الأوبئة، وتغير المناخ، ومنع انتشار الأسلحة النووية، ولكن مع احتواء سلوكها التعسفي في مؤسسات دولية أخرى متعددة الأطراف؛ وعلى رأسها الإنتربول.

بشكل عام يجب أن يسعى كبار المسؤولين في إدارة بايدن إلى تواصل أكثر انتظاماً مع نظرائهم الروس؛ لتقليل مخاطر سوء الفهم. من المؤسف أنه يجب أن يكون هنالك الحد الأدنى من الأهداف المشتركة مع روسيا على جدول أعمال إدارة بايدن. فواشنطن وموسكو ستستمران في الاختلاف والتنافس والاشتباك حول العديد من القضايا بغض النظر عن مقدار التواصل القائم بينهما؛ ولكن لا ينبغي إطلاقاً أن يكون سوء الفهم مصدراً لأي صراع.

ما بعد بوتين

تماشياً مع نهجه المعادي لأمريكا، أغلق بوتين فيلق السلام (وكالة أمريكية مستقلة وبرنامج تطوعي تديره الحكومة الأمريكية لتقديم المساعدة في التنمية الاجتماعية والاقتصادية- المترجم) وألغى برنامج تبادل قادة المستقبل في المدارس الثانوية، ولاحق المؤسسات والجمعيات غير الحكومية الأمريكية العاملة في روسيا. لذلك ينبغي لفريق بايدن البحث عن طرقٍ جديدة لتنمية هذه الروابط حتى على الرغم من اعتراضات بوتين. فعلى المدى البعيد، يمكن لإقامة الروابط مع المجتمع الروسي والحفاظ عليها أن تقوض من دعاية بوتين المناهضة لأمريكا، وكذلك يمكنها أن تصحح الصورة النمطية الأمريكية عن الشعب الروسي.

كما يجدر بالإدارة الجديدة تسهيل حصول الطلاب الروس على تأشيرات لدخول الولايات المتحدة والدراسة فيها، ويجب تشجيع طلاب الجامعات الروسية على القدوم إلى الولايات المتحدة، وربما حتى منحهم حق الدخول دون تأشيرة، شريطة أن تقوم وكالات مكافحة التجسس بالإجراءات الضرورية لاعتراض الجواسيس. وينبغي لإدارة بايدن أن تفتح الطريق أمام أصحاب المواهب الروسية للهجرة إلى الولايات المتحدة، وأن تشجع الشركات الروسية الخاصة على متابعة الاستثمارات والشراكات الأمريكية.

شاهد: مديربرافدا روسيا“: قوى العالم الجديد تعيد صياغة قوانين اللعبة السياسية (فيديوغراف)

يجب على وزارة خارجية بايدن أن تشجع جميع الدبلوماسيين الأمريكيين العاملين في روسيا على الانخراط في الأنشطة الدبلوماسية العامة، ويجب على بايدن أن يلغي قرار ترامب بإغلاق القنصليات الأمريكية في يكاترينبيرغ وفلاديفوستوك، وتزويد هذه المراصد المتقدمة للقوة الأمريكية الناعمة بالموارد المادية والبشرية الضرورية لتفعيل عملها.

والأهم من كل ذلك، هو أن تتوقف إدارة بايدن -وكذلك كل المسؤولين الأمريكيين المنتخبين والمعلقين والصحفيين- عن شيطنة الشعب الروسي. يجب على بايدن وفريقه بذل كل ما في وسعهم للتمييز بين روسيا والشعب الروسي – بين بوتين والشعب الروسي. إن خيارات بوتين هي ما أشعل الصراع الحالي مع موسكو، وليس التاريخ أو الثقافة الروسية. إن ثقافة كراهية روسيا والصور النمطية عن نزعات الروس الفطرية للديكتاتورية لا تخدم إلا مصالح بوتين.

لقد دفع نظام بوتين الاستبدادي بروسيا إلى صراع مع الغرب الديمقراطي الليبرالي ومع الولايات المتحدة على وجه الخصوص؛ ولكن بوتين لن يحكم روسيا إلى الأبد. فيوماً ما ستتغير القيادة الروسية، وربما سيتغير نظام الحكم في روسيا؛ بما يؤدي إلى توفر إمكانية تحسين العلاقة بين واشنطن وموسكو. ومن خلال احتواء بوتين في الوطن وفي الخارج، والتعامل مع نظامه حيثما كان ذلك ممكناً ومفيداً، والتحدث مباشرة إلى الشعب الروسي، يمكن لإدارة بايدن أن تبدأ في إرساء الأسس؛ استعداداً لذلك اليوم مهما كان بعيداً.

♦زميل أول في معهد هوفر، وأستاذ العلوم السياسية، ومدير معهد فريمان سبوغلي للدراسات الدولية في جامعة ستانفورد، وسفير الولايات المتحدة السابق إلى روسيا.

المصدر: فورين أفيرز

اتبعنا على تويتر من هنا

 

تعليقات عبر الفيس بوك

التعليقات

مقالات ذات صلة