الواجهة الرئيسيةترجماتشؤون دولية

كيف يمكن إنقاذ النظام العالمي لفترة ما بعد الحرب العالمية؟

على الولايات المتحدة أن تعيد النظر في دفاعها عن هذا النظام

كيوبوست- ترجمات

مايكل مازار♦

أدت الحرب في أوكرانيا إلى إثارة الجدل من جديد حول النظام العالمي القائم على القواعد منذ ما بعد الحرب العالمية الثانية، وعن مدى فعالية هذا النظام وتأثيره على سلوك الدول. وقد نشر موقع “فورين أفيرز” مقالاً يلقي فيه مايكل مازار، الضوءَ على مدى هشاشة هذا النظام ونقاط ضعفه، التي يرى أن أهمها يتمثل في الطموح المفرط من جانب القوى المهيمنة والحذر المفرط من جانب القوى الوسطى؛ مما يعرِّض نظامَ ما بعد الحرب وشرعية القيادة الأمريكية إلى الخطر أكثر من أي وقت مضى منذ انهيار الاتحاد السوفييتي.

وهذا النظام الدولي الذي تقوده الولايات المتحدة يرتكز على نظام الأمم المتحدة بشكل رئيسي؛ ولكنه يضم العديد من المنظمات الإقليمية، مثل حلف الناتو والاتحاد الأوروبي، فضلاً عن المؤسسات الاقتصادية العالمية والمنظمات غير الحكومية التي تضع الآلاف من المعايير والقواعد الخاصة بقضايا محددة. وهذه القواعد تعزز مصالح الدول المشاركة؛ وعلى الأخص مصالحها في عدم الاعتداء على أراضيها وفي التبادل التجاري المفتوح نسبياً.

وغالباً ما ينظر إلى النظام الدولي على أنه مجموع أجزائه المؤسساتية؛ ولكن تأثيرات هذا النظام هي المصدر الحقيقي لقوته. وبمرور الوقت، انضمت إلى الدول الفاعلة في هذا النظام جهات فاعلة قوية غير حكومية، وأصبحت الشركات والأحزاب السياسية والمنظمات والحركات تلعب دوراً مهماً في الدفاع عن قواعد هذا النظام وإنفاذها؛ الأمر الذي يترك تأثيراً كبيراً على السياسة العالمية.

اقرأ أيضاً: المحافظة المعتدلة.. رؤية بوتين للنظام العالمي في اجتماع نادي فالداي للحوار الروسي

وفي أعقاب الحرب الروسية على أوكرانيا، تم إطلاق القوة الكاملة لهذا النظام في وجه موسكو؛ فقد احتشدت مجموعة كبيرة من الديمقراطيات الرائدة والجهات الفاعلة غير الحكومية للدفاع عن النظام العالمي باستخدام مكونات هذا النظام من الأمم المتحدة إلى المؤسسات والشبكات الاقتصادية إلى المحكمة الجنائية الدولية. وقد أظهرت الإجراءات التي اتخذتها هذه الجهات أن نظام ما بعد الحرب هو أكثر بكثير من مجرد نتاج لقوة الولايات المتحدة؛ حيث دافعت هذه الدول والجهات الفاعلة عن النظام الدولي بملء إرادتها وسعياً وراء مصالحها المستقبلية.

وإذا كانت الحرب في أوكرانيا قد أثبتت أن النظام الدولي أكثر بكثير من مجرد أسطورة، فقد أوضحت أيضاً نقاط الضعف التي يعانيها هذا النظام، والتي يمكن أن تؤدي إلى تآكل الإجماع على معايير ومبادئ ما بعد الحرب العالمية.

الحرب في أوكرانيا تمثل اختباراً للنظام العالمي- صحيفة “التايمز” اليابانية

الطموح المفرط للقوى المهيمنة قد يؤدي بمهندسي نظام ما بعد الحرب إلى توسيع أهدافهم، وبالتالي توليد رد فعل عنيف. ويمكن القول إن هذا ما حدث مع الناتو في أوروبا تحت إشراف الولايات المتحدة؛ حيث أدى توسعه في المناطق التي ترى موسكو أنها تشكل خطراً أمنياً وسياسياً إلى اعتراضها على هذا التوسع. والنتاج الآخر للطموح المفرط هو التدخل الليبرالي الذي ساعد في تبرير مجموعة من التدخلات من العراق إلى ليبيا، والذي تسبب في ضرر كبير لمصداقية الولايات المتحدة. كما أدى الطموح المفرط إلى تخلي الولايات المتحدة عن الاتفاقيات غير المثالية؛ ولكنها مفيدة بشأن الانتشار النووي، مثل إطار العمل المتفق عليه عام 1994 مع كوريا الشمالية، والاتفاق النووي مع إيران لعام 2015.

أما نقطة الضعف الثانية فهي الحذر المفرط في السياسة الخارجية للدول التي تفضل عدم الانحياز إلى أحد جانبَي الخصومات الأمريكية- الصينية والأمريكية- الروسية، وبالتالي فهي تتردد في فرض معايير هذا النظام. وهذه الدول -ومنها البرازيل والهند وإندونيسيا ومصر وجنوب إفريقيا والمملكة العربية السعودية وتركيا- عادة ما تدعم قواعد النظام العالمي على نطاق واسع؛ ولكنها إذا ما رأت أن المحور الروسي- الصيني يمثل ثقلاً موازياً للهيمنة الأمريكية، فهي ربما ستنشق عن المؤسسات التي تقودها الولايات المتحدة، وعندها سينهار نظام ما بعد الحرب كلياً.

اقرأ أيضاً: جائحة فيروس كورونا ستغيِّر النظام العالمي إلى الأبد

وقد تجلت هذه الديناميكية بالفعل في رد الفعل الدولي على الحرب في أوكرانيا؛ إذ كان الموقف الدولي أكثر حذراً مما يدركه الكثيرون. فالدول التي التزمت بشكل كامل بفرض عقوبات اقتصادية على موسكو لا يتجاوز عددها عشرين دولة، ورفضت العديد من الدول اتخاذ أي إجراءات صارمة نتيجة حذرها المفرط. ومن الممكن أن تتعزز هذه الانقسامات في الأسابيع المقبلة إذا ما دعت روسيا مثلاً إلى وقف إطلاق النار لتعزيز مكاسبها على الأرض، وبدأت موسكو وبكين في حشد دعم الدول المترددة. ويمكن لهذا السيناريو أن يؤدي إلى انحراف القوى الوسطى عن التزامها بقواعد النظام الدولي وانضمامها إلى الصين وروسيا في جهودهما لإقامة نظام عالمي جديد متعدد الأقطاب.

ويخلص كاتب المقال إلى أن هذه الديناميكية تشير إلى حقيقة غير مريحة، مفادها أنه للحفاظ على النظام العالمي يجب على واشنطن أن تحد من طموحاتها والحد من ترويجها لقواعد النظام العالمي وإنفاذ قواعده؛ إذ إن اتباع نهج صارم سيؤدي إلى إثارة ردود فعل عنيفة من دول القوى الوسط الحذرة، وسيعرض الإجماع على النظام العالمي إلى الخطر. ولا بد للولايات المتحدة من تبني نهج عملي ومستدام بدلاً من النهج الصارم وغير المرن. وما لم تتبنَّ الولايات المتحدة نهجاً أكثر براغماتية ومرونة للحفاظ على النظام العالمي، فقد ينهار هذا النظام ويؤدي إلى حقبة جديدة من الصراع.

♦مختص أول في العلوم السياسية في مؤسسة راند

المصدر: فورين أفيرز

اتبعنا على تويتر من هنا

تعليقات عبر الفيس بوك

التعليقات

مقالات ذات صلة