الواجهة الرئيسيةشؤون عربية

كيف يقضي الحوثيون على التعليم والطفولة في اليمن؟

الطفل زكريا السعيدي.. أقدم الطفل على الانتحار بعد طرده من المدرسة نتيجة عدم دفع الإتاوات التي تفرضها الجماعة

كيوبوست

الطفل زكريا السعيدي هو ضحية أخرى من ضحايا المتمردين الحوثيين في اليمن؛ حيث أقدم الطفل على الانتحار، حسب ما أفادت وسائل إعلام محلية، بعد طرده من المدرسة؛ نتيجة عدم دفع الإتاوات التي تفرضها الجماعة. الطفل من أبناء محافظة ريمة، شمال غرب اليمن، وهي محافظة وعرة مرتفعة، يمارس سكانها غالباً الزراعة، ولا تأتي مثل هذه الإتاوات غير القانونية التي يفرضها الحوثيون إلا لتضيف المزيد من المتاعب والبؤس على السكان.

الإتاوات ليست وسيلة الحوثي أو محاولاته الوحيدة لتمويل “المجهود الحربي” تحت ذرائع مختلفة؛ مثل “المشاركة المجتمعية” كما هي الحال في إتاوات المدارس، بل هناك إتاوات أخرى عديدة، بل وحتى محاولة لتشريعها؛ مثل ما حدث في عام 2020 عندما اقترح مشروع قانون يهدف إلى منح المتمردين الحوثيين خُمس موارد البلاد؛ أي 20%، تحت مبرر انتسابهم إلى “بني هاشم”. لا تثبت هذه التصرفات سوى استغلال الجماعة للدين لتحقيق مآربها السياسية الطموحة.

أطفال في معسكرات الحوثي- وسائل التواصل الاجتماعي

القضاء على الطفولة والتعليم

يمر الوضع التعليمي في اليمن بأسوأ مراحله في تاريخ اليمن المعاصر؛ فالأمر لا يتعلق فقط بوجود المدارس والمعلمين، على افتراض وجودها، بل أيضاً بقدرة الناس على تحمل تكاليف وأعباء تدريس أبنائهم. تصبح قدرة الناس على تمويل تعليم أبنائهم أكثر صعوبة عندما يكون المجتمع فقيراً، يعاني اليمن مستويات فقر عالية منذ ما قبل الحرب؛ لكن الصراع أضاف المزيد من العقبات ورفع مستويات الفقر إلى درجات قياسية.

اقرأ أيضاً: هل تصبح مطالبة الحوثيين بالخُمس بداية نهايتهم؟

يفرض الحوثيون في مناطق سيطرتهم إتاوات مختلفة على السكان والتجار؛ الأمر الذي يزيد من عجز الأسر عن تحمل التكاليف. من بين تلك الإتاوات رسوم مدرسية غير قانونية تحت مسمى “المشاركة المجتمعية”، وهي رغم أنها مبلغ زهيد (2000 ريـال يمني/ نحو 2 دولار شهرياً)؛ فإنها تشكل عائقاً كبيراً في ظل الظروف المعيشية الراهنة، خصوصاً تلك الأسر التي لديها الكثير من الأبناء في سن الدراسة.

كما أن الإتاوات ليست المبالغ الوحيدة التي تدخل ضمن تكاليف التعليم؛ فهناك أيضاً تكاليف المواصلات إلى المدارس والأدوات المدرسية وغيرها من التكاليف ذات العلاقة، ناهيك بأن التفرغ للتعليم يعني حرمان الأسرة من قدرة الطفل على العمل؛ حيث تعتبر عمالة الأطفال أمراً شائعاً في اليمن، خصوصاً في الأرياف والمناطق الزراعية.

أطفال اليمن يناشدون العالم- yemeninews

أما الأطفال من الإناث فإن الحرمان من التعليم بسبب تلك الظروف يكون أكثر احتمالاً؛ حيث إن أولوية تعليمهن، بالنسبة إلى الكثير من الأسر الريفية، أقل من أولوية تعليم الذكور. وهكذا، تصنع الحرب والظروف الاقتصادية والجبروت الحوثي أجيالاً ضائعة من أطفال اليمن. واليوم، يوجد أكثر من مليون طفل يمني محروم من التعليم، كما يوجد أكثر من 12 مليون طفل في حاجة إلى المساعدة، والعدد في تزايد.

بيئة غير آمنة

هناك عدة أسباب تحرم أطفال اليمن من التعليم، بالطبع، يرجع أغلبها إن لم يكن جميعها إلى الصراع وتصاعد تعنت المتمردين الحوثيين واستبدادهم. بداية من المدارس المدمرة كلياً أو جزئياً، وتحويل بعض المدارس إلى مرافق عسكرية من قِبل الحوثيين، ومروراً بعدم انتظام -وفي أحيان كثيرة عدم صرف- رواتب المعلمين، ووصولاً إلى تكاليف التعليم أو عدم وجود المدارس المهيأة أو وسائل المواصلات.

اقرأ أيضاً: هل يمكن إيقاف انهيار الاقتصاد اليمني؟

الفقر المتزايد وتخريب البنية التحتية يجعل التعليم أكثر صعوبة حتى بالنسبة إلى الأماكن البعيدة عن خطوط النار؛ حيث يوجد أكثر من 2.5 مليون طفل يعاني سوء التغذية -وهو ما يؤثر على قدرته على التحصيل العلمي فضلاً عن تهديد حياته- كما أن بيئة اليمن والتضاريس القاسية والوعرة تجعل الذهاب إلى المدرسة مكلفاً وخطراً أحياناً. يحتاج الأطفال، وبشكل أكثر إلحاحاً الإناث، إلى دورات المياه النظيفة في المدرسة، وهو أمر غير متاح، كما يفضلن أكثر المعلمات وليس المعلمين من الرجال، وهو أمر أكثر صعوبة.

البديل بالنسبة إلى الطلاب من الذكور هو الالتحاق بصفوف القتال، أو ربما الانتحار كما فعل الطفل زكريا السعيدي، ولا فرق بين الأمرَين بالنسبة إلى البعض؛ فالموت يحاصرهم من كل مكان. أما الطالبات، فينتهي بهن الأمر إلى العمل في مزرعة العائلة أو رعي الأغنام أو جلب المياه، والأسوأ من كل ذلك الزواج المبكر؛ حيث تبدأ مأساة أخرى.

طفل يجمع المياه في اليمن- “يونيسف”

أما أولئك الأوفر حظاً، والذين يتمكنون من تحمل تكاليف الدراسة، فسيكون عليهم ترديد شعار الصرخة في طابور الصباح كل يوم: “الموت لأمريكا الموت لإسرائيل، اللعنة على اليهود، النصر للإسلام”، ودراسة أمجاد السلالة الهاشمية والفكر الزيدي الشيعي، والتحريض على القتال باسم الدين، واعتبار تلك التضحيات من أجل “الدين” و”آل البيت” هي ما خُلق لأجله الإنسان. وهكذا، يصنع الحوثي مستقبلاً مظلماً لأطفال اليمن؛ سواء التحقوا بالتعليم أم لم يلتحقوا.

انتهاكات صارخة

في جبهات القتال ومعسكرات التدريب ومخيمات الدورات الصيفية والمساجد، يتلقى الأطفال الدروس الدينية والتدريب على السلاح. كثير منهم يلتحق بعدها بصفوف المقاتلين، أو العمل في نقاط التفتيش. لا غرابة في أن يتعرض الأطفال في هذه البيئات إلى مختلف أنواع سوء المعاملة؛ بما في ذلك الاستغلال الجنسي أو التضحية بهم في مهام خطرة. وهو الأمر الذي ألقى عليه الضوء أحدث تقارير الأمم المتحدة، والذي حقق في عدة حالات من الانتهاكات؛ بينها مقتل ما يقرب من 2000 طفل بعد تجنيدهم من قِبل الحوثيين مؤخراً. تراوحت أعمار الأطفال بين 10 و17 سنة.

اقرأ أيضًا: هل يتستر الحوثي بجماعات أخرى لتغطية جرائمه؟

أولئك الذين ينجون من القتل أو المعاملة السيئة يدخلون عالم الكِبار، وحتى الجريمة، مبكراً؛ حيث يتناولون القات، وهو نبات مخدر منتشر في اليمن، والمخدرات والأدوية التي تبقيهم يقظين أو أكثر تحملاً لجروح المعارك، وذلك حسب ما يفيد شهود العيان والمنشقون والأسرى من الحوثيين. إن اندماج هؤلاء الأطفال في الحياة الاجتماعية الطبيعية صعب للغاية، حتى بعد انتهاء الصراع، ناهيك بالمشكلات النفسية العميقة وعدم القدرة على التعامل مع أسلوب الحياة المدنية الطبيعية.

اقرأ أيضاً: تقرير أممي جديد حول انتهاكات جسيمة يرتكبها الحوثيون في اليمن

يحتاج أطفال اليمن اليوم، أكثر من أي وقت مضى، إلى تدخل عاجل من المجتمع الدولي لإثبات تضامن البشرية الذي من دونه يصبح الجميع معرضاً للخطر بلا استثناء. تحتاج المنظمات الدولية والدول ذات المكانة والقدرة العالمية إلى اتخاذ خطوات جادة وملموسة لإنهاء الصراع والتخفيف من معاناة اليمنيين، ودعم الحياة المدنية والحرية والتسامح، وعدم السماح بالقهقرى.

اتبعنا على تويتر من هنا

تعليقات عبر الفيس بوك

التعليقات

مقالات ذات صلة