تكنولوجياشؤون عربية

كيف يعيش المواطن العربي في مجتمع الإنترنت؟ وكيف يمارس الديمقراطية الرقمية؟

تحديات يفرضها انتشار مفاهيم الشبكة العنكبوتية في عالم السياسة

كيو بوست – رشيد العزوزي

لا شك أننا نعيش في التاريخ الراهن ثورة ثالثة عنوانها العريض تكنولوجيا الإعلام والتواصل، بعد ثورة صناعية أولى ارتكزت على تطور الآلة البخارية والسكة الحديدية، ثم ثورة ثانية اعتمدت على الكهرباء والبترول.

ويأتي ذلك بفعل التدخل الرقمي مع مطلع الألفية الثالثة في كل ما يتعلق بسبر الآراء والتمثيل في المجال السياسي وتسهيل النقاش وتوسيعه في المجالات العمومية، أو ما بات يعرف بالديمقراطية التشاركية، نتيجة تزاوج الإنسان والتقنية التي أسفرت عن ولادة مجتمعات افتراضية.

اقرأ أيضًا: أضخم ثورة بعد الإنترنت محظورة في العالم العربي!

لقد قلب الإنترنت والتقنيات التكنولوجية نظرتنا لذواتنا، ولمفهوم التاريخ والحضارة، وللهوية -بعد أن صارت رقمية منافسة لتلك الكلاسيكية- وللعالم بأسره، إلا أن ما يهمنا أكثر في هذا التقرير هو الممارسة السياسية وما يرتبط بها من معان، ونسق مفاهيمي، تختلف بحسب السياق التداولي من قبيل المجتمعات الافتراضية، والمواطن السيبيري، والديمقراطية الافتراضية من داخل دولة هويتها رقمية.

 

المجتمعات الافتراضية: النشأة والتطور

لقد كانت الأهداف العسكرية في البداية وراء اختراع الإنترنت في إطار الصراع بين الاتحاد السوفييتي والولايات المتحدة الأمريكية، إذ عملت الأخيرة على تقوية نفسها بصفتها شرطي العالم عقب الحرب العالمية الثانية (1939-1945)، لكن سرعان ما تطور دور الشبكة العنكبوتية بسرعة البرق خلال العقدين الأخيرين، حيث اقتحمت التكنولوجيا الاجتماع الإنساني، وتشكلت معالم مجتمعات افتراضية.

كان أول من نحت مفهوم “المجتمع الافتراضي” أمريكي الجنسية، الكاتب هارود رينغولد، في كتابه (حول المجتمع الافتراضي) الذي أرجع تشكله إلى ستينيات القرن الماضي، عندما ظهرت شبكات الحواسيب لغرض التعليم (شبكة بلاتو مثلًا).

وحسب علي محمد رحومة في كتابه “علم الاجتماع الآلي“، فالأمر يتعلق بعالم اجتماعي يتفتح في الإنترنت ليغدو فسيحًا لمئات وآلاف، بل ملايين من مستخدمي الشبكات. وتنمو الشخصيات الخفية – الحقيقية في جو اجتماعي له مواصفاته الخاصة، التي كثيرًا ما تشبه مواصفات حقيقية في الحياة الطبيعية، “مفرزًا نوعًا خاصًا من التمثل الاجتماعي”.

من ساعتها، أصبح الاجتماع البشري المبرمج آليًا قادرًا على صنع قضايا اقتصادية واجتماعية وفكرية وسياسية، باستطاعتنا التفاعل معها، فلم يعد خارج هذا الفضاء المنفتح المغلق، الحقيقة الوهم، إلا الجسد البشري الأعزل.

تفسح المجتمعات الافتراضية لمواطنيها المجال واسعًا أمام إمكانات لا حصر لها للتجريب، للتقدم كما للتواري، على النحو الذي يريده، وهو ما قد يتعذر واقعيًا، حتى إن بعض العلماء أطلقوا على العوالم الافتراضية اسم “ورشات هوية Work Identity”، بواسطتها يمكن للفرد اكتشاف قدراته المختلفة.

وفي هذا السياق، قدمت ‏Pingdom‏ دراسة مختلفة من نوعها، حين تعاملت مع موقع فيس بوك كدولة، وقاست مقدار النمو السكاني فيها‏.‏ وتضخم عدد مستخدمي الموقع من 58 مليون مستخدم عام 2007 إلى مليار مستخدم نهاية عام 2012، وهذا يعادل زيادة بنسبة 77% في العام، وهو يفوق بكثير معدل النمو السكاني لدول العالم.

رغم كثرة الأوطان الافتراضية التي تتزايد بوتيرة سريعة، بحكم كثرة الإقبال وتنوع العروض والميزات، فإن “دولة فيسبوك” لا تزال الجنسية الأكثر إقبالًا لملايين المستخدمين/المواطنين بـشمال إفريقيا والشرق الأوسط.

 

المواطن السيبري: المفهوم والخصوصية

عرف الأستاذ رحومة “المواطن السيبيري بالكائن البشري الذي يشارك كائنًا بشريًا آخر علاقة رقمية عبر الحاسوب، وتكون هذه العلاقة اجتماعية، سياسية، اقتصادية، عاطفية، لكن هذه العلاقة ليست إنسانية بالمطلق؛ بل هي مركب إنسان وآلة، أو إنسان وحاسوب، وتجدر الإشارة هنا إلى أن الكائن البشري قد يجري علاقاته الإنترنتية مع برامج، وليس مع أفراد حقيقيين، مما يجعل فردًا إنترنتيًا يتمظهر في سلوكيات رقمية عبر الحاسوب في العالم كما في المنطقة العربية”.

وحسب آخر الإحصائيات، حوالي 156 مليون مواطن افتراضي عربي اختار الانتماء لدولة من دول وسائل التواصل الاجتماعي، إذ نجد في مصر مثلًا، واحدًا من كل ثلاثة ينتمون لدولة فيس بوك التي يتزعمها مارك زوكربيرغ، وفي السعودية يوجد قرابة مليوني مشترك في تويتر، في حين، تجاوز عدد مستخدمي وسائل التواصل الاجتماعي ثلاثة مليارات عالميًا.

اقرأ أيضًا: كم يجني مخترقو الإنترنت من عمليات القرصنة الإلكترونية؟

استطاع هذا العدد الكبير من المواطنين اكتساب صفة المواطنة عن جدارة، لأنهم لم يكتفوا بولوج عالم الإنترنت، وإنما عبروا عن وجودهم بإنتاج محتوى مكتوب ومرئي ومسموع في الشبكات الاجتماعية والوسائل المدمجة، وعبروا عن آرائهم بكل فخر وحرية، رغم خصوصية هذا النوع من الإنسان.

خصوصية اكتسبها انطلاقًا من ثنائيات مركبة تجمع بين ما يمكن أن يتمظهر في البداية تناقضًا، فهو الموجود حقيقة وافتراضًا أو مجازًا، القريب البعيد، القطري المحلي المغلق المنفتح على العالم المعولم، وعلى إمكانات لا حصر لها من الأوطان والثقافات التكنو–اجتماعية-نفسية-ثقافية، التي أوجدت نوعًا جديدًا من التجمعات الفردية–الجماعية، بتشكل كينونة رقمية أكثر عدلًا وديمقراطية.

 

الديمقراطية الافتراضية والحكومات الذكية

لم يعد خافيًا على أحد الأدوار السياسية التي باتت تلعبها التكنولوجيا الحديثة في التنفيذ والتشريع، بواسطة الحكومات الذكية ووسائل التواصل الاجتماعي التي لا تفرط في دورها الرقابي.

وسائل حديثة في التواصل السياسي اعتبرها كثر مدخلًا للديمقراطية التشاركية ومؤشرًا حقيقيًا على عودة السلطة للمواطنين في علاقتهم بممثليهم، علاقة غير مألوفة إلا أنها ساهمت بقوة في بعث النقاش العمومي واحتدامه في صالونات وساحات افتراضية لا تجد صعوبة في تحولها إلى واقع يغني تجارب ديمقراطية وليدة في المنطقة العربية، حتمت على المؤسسات العمومية تجديد بُناها، وأرغمت الفاعل السياسي على تحديث إستراتيجيته التواصلية بشكل أكثر تأثيرًا وفاعلية.

ويقصد بالحكومة الإلكترونية استخدام تكنولوجيا المعلومات الرقمية في إنجاز المعاملات الإدارية وتقديم الخدمات المرفقية، والتواصل مع المواطنين بمزيد من الديمقراطية. ويطلق عليها أحيانًا حكومة عصر المعلومات أو الإدارة بغير أوراق، أو الإدارة الإلكترونية، وهذا هو التعبير الأدق، ويتم ذلك عن طريق شبكة المعلومات العالمية وشبكة المعلومات الداخلية (الإنترنت) بقصد تحقيق أهداف معينة؛ أهمها تقديم الخدمات الإلكترونية إما بتفاعل بشري أو بإنجاز آلي.

اقرأ أيضًا: الشرائح الإلكترونية تهدد خصوصية الأفراد

وهكذا، فبعض الحكومات العربية أمام سيل الأخبار وتعاظم القضايا، وتسارع الأحداث السياسية، أصبحت تبث بشكل مكثف أخبارًا ومعطيات عامة وخاصة للجمهور، من منصات إلكترونية لها علاقة بـأهم القطاعات كشكل من أشكال التواصل العام من جهة، ومحاولة منها لخلق اقتصاد غير مادي من جهة أخرى.

ومن أجل استشارة المواطنين حول بعض القضايا العامة، تتوسل الحكومة الذكية بالعديد من الإجراءات التبادلية عبر الإنترنت، مثل: الاستطلاعات بواسطة الإنترنت، ومنتديات النقاش وعرض اقتراحات، وتقديم عريضة عبر الإنترنت من طرف المسؤولين السياسيين أنفسهم حسب الأستاذ سعيد بلمبخوت.

ويضيف بلمبخوت: “تضطلع المنتديات الحوارية بهذا الدور بشكل أفضل، إذ يجري معرفة رأي السكان، وأحيانًا محاولة تحسين العلاقة بين المنتخبين والمواطنين. في الواقع، يُنظر إلى هذه المستجدات التقنية كوسيلة لتوسيع إجراءات الحوار، وكذلك خلق شكل من الديمقراطية المباشرة”.

ومن بين التجارب الرائدة في العالم العربي، تبرز دولة الإمارات العربية المتحدة؛ ففي الثاني والعشرين من مايو/أيار 2013، أطلق صاحب السمو الشيخ محمد بن راشد آل مكتوم مبادرة الحكومة الذكية من أجل توفير الخدمات للمواطنين على مدار الساعة، وفي أي مكان كان في العالم.

وتأتي المبادرة التي أعدتها الهيئة العامة لتنظيم قطاع الاتصالات، في سياق توجهات حكومة البلاد لتطوير الخدمات الحكومية، وتحقيق حياة ذات جودة عالية لمواطني دولة الإمارات، والمقيمين على أراضيها، وفقًا لرؤية 2021، تجسيدًا لعزم القيادة العليا التي حددت مدة عامين للجهات المعنية حتى تكون الخدمات الحكومية متاحة من خلال الأجهزة الذكية.

تعليقات عبر الفيس بوك

التعليقات

مقالات ذات صلة