الواجهة الرئيسيةترجماتثقافة ومعرفة

كيف يصنع الصمتُ الموسيقى؟

دليل مختصر لتاريخ الفراغات في الألحان

كيوبوست-ترجمات

كورينا دا فونسيكا ♦

خلال إحدى زياراتي إلى متحف المتروبوليتان، وبينما أتجوَّل بين الآلات الموسيقية الأثرية المعروضة بالمتحف، لاحظت ولأول مرة وجود هذه القطعة الفريدة التي تبلغ من العمر 2000 عام. كانت القطعة عبارة عن جرس موسيقي ياباني، وقد استولى عليَّ بالكامل منذ الوهلة الأولى؛ حتى إنني لم أستطع أن أصرف نظري عنه، وأدركت شيئًا فشيئًا أنه لم يُصمم ليمنح صوتًا موسيقيًّا ما؛ بل ليعمل كآلة موسيقية صامتة.

لقد صُنع هذا الجرس الذي حيَّر المؤرخين طويلًا بلا لسان، كما اعتاد اليابانيون القدامى على دفنه تحت الأرض؛ ما يوحي باستخدامهم له كآلة طقسية لمباركة المحاصيل الزراعية. يُدعى هذا الجرس باسم “داكوتو”، ولدى رؤيتي له للمرة الأولى تسمَّرت في مكاني، وأدركت أن هنالك صوتًا ما خفيًّا يصدر عن هذا الجرس، كما لو كان أحد الكهنة يقدم قرابينه للصمت في أحد المعابد القديمة، تخيلت أن صوتًا ما يصدر عن الشقَين الداخليَّين الموجودَين في الجزء العلوي منه، وأحسست أن هناك شبحًا ما أشبه ما يكون بجون كيج يتحرك في الفراغ ويبتسم.

كان جون كيج يفكر في عمل مقطوعة موسيقية يقدم فيها الصمت باعتباره شكلًا من أشكال الموسيقى، ونتج عن ذلك إحدى أشهر مقطوعاته المسماة بأربع دقائق و33 ثانية، ولم تكن تلك المقطوعة وليدة إلهام لحظي، بل حظيت بسلسلة من المحاولات التي لا تهدأ، اجتهد فيها كيج كي يمنح الصمت طابعًا فنيًّا ما. كما لم يكن الوحيد الذي اكتشف قيمة الصمت للموسيقى، فقد سبقه اليابانيون حينما استخدموا مصطلح “ما”؛ للتعبير عن استخدام المؤديين الفواصل الزمنية بين الأصوات. وديبوسي هو الآخر كان قد صك تعبيرًا خالدًا حول أهمية الصمت، حين قال: “الموسيقى ليست النوَت التي نؤديها؛ ولكنها الفراغات التي تفصل بين النوَت”. وعلى الدرب نفسه، كتب مايلز ديفيز ذات مرة: “ليست الموسيقى النوت التي نعزفها؛ لكنها على نحو آخر النوت التي نقرر أن لا نعزفها”.

لحظات ثمينة

صُممت عقولنا كبشر على النحو الذي يمكِّنها من توظيف الفراغات بين الكلام والإشارات والأصوات وأشكال التواصل كافة، بما أننا وُجدنا لنصبح كائنات اجتماعية، فإن عقولنا نشأت على الاستفادة من أدوات التواصل كافة؛ بما فيها الصمت.. ذلك السكوت هو التوقف عن الفعل؛ لكنه يحمل معاني لا تقل أهمية عن الفعل نفسه، تلك الوقفات بين الكلام هي بشكل من الأشكال كلام أيضًا، وتأخرك في الإجابة عن سؤال ما للحظة واحدة قد يعبر للآخر عن ترددك أو إحساسك بالألم النفسي؛ لكنه قد يدفعنا إلى الضحك أيضًا. إن التفكير في الصمت الموسيقي بتلك الطريقة يجعلنا ندرك أن الصمت بليغ بلاغة الكلام.

كانت هناك طريقة أخرى للإشارة إلى الوقفات الموسيقية، وذلك قبل أن يخترع الموسيقيون الغربيون طريقة التدوين الموسيقي؛ حيث اعتاد الرهبان في الأديرة، قبل ذلك التاريخ، على تمييز مناطق الصمت من خلال البناء الصوتي نفسه؛ فبينما كانوا يرتلون آيات المزامير وهم يقفون في صفَّين متقابلَين داخل كنيسة الدير، كانت تتوزع الوقفات الموسيقية في وسط الترتيل تبعًا للصوتيات؛ حيث حرصوا باستمرار على أن لا يتداخل السطر التالي من المزمور بصدى صوت السطر السابق. كما أضافت عالمة الموسيقى، إيما هورنبي، ملحوظة أخرى شديدة الأهمية حول استخدام الوقفات في ذلك العصر؛ إذ عملت لحظات الصمت الثمينة تلك على تنظيم مواضع التنفس والغناء للمرنمين، ما يعني أنها كانت تعمل على توحيد نفوس الجمهور في طقس ديني واحد.

اقرأ أيضًا: كيف تعالج اكتئابك بالموسيقى؟

حينما كتب مونتيفيردي تحفته الفنية أوبرا (أورفيو)، لم يكن يحاول إعادة حكي الأسطورة القديمة فحسب؛ لكنه، وقبل كل شيء، كان يفكر في خلق شكل جديد من أشكال الغناء الدرامي. وليس هذا فحسب؛ لكنه كان يحاول إظهار مدى قوة هذا الفن بكتابة موسيقية عن الموسيقى نفسها حين تختلط بالصمت. وحين نتأمل افتتاحية أورفيو على سبيل المثال، ربما نشعر بهذا الحضور الرقيق والطاغي لشخصية مجازية تُدعى “الموسيقى”، تلك الشخصية التي نجحت بشكل ما في مخاطبة الجماهير، وشيئًا فشيئًا تخطت حد التحكم في المشاعر الإنسانية إلى التحكم في الطبيعة نفسها.

هكذا غنَّت شخصية الموسيقي في أوبرا أرفيو: “أُبَدِّل بين الأغاني، فتشعرون حينًا بالفرح وحينًا بالألم.. لتقلع العصافير عن الزقزقة على متون الأشجار، وكل موجة تائهة بين ضفتَي هذا النهر ستتوقف عن الضجيج، ويتعثر كل زفير طفيف في صدوركم قبل أن يخرج للهواء”. ولكي يظهر مونتيفيردي مدى طغيان “الموسيقى” وتأثيرها على المشاعر، فإنه يعززها بلحظات من الركود التام، يقوم أولًا بتدريب آذان الجمهور على الأصوات، ثم يسمح لتلك الأصوات بالهروب فجأة من القاعة لتحل لحظة الصمت، وهنا يخدع الجمهور، فالانتباه الذي أولوه منذ لحظات لحضور الأصوات يتحول إلى انتباهٍ طاغٍ يفجر المشاعر ويحفز الذهن؛ إنها عملية الاستماع الحية التي صنعها مونتيفيردي.

اقرأ أيضًا: لماذا تجعلنا الموسيقى نشعر بالسعادة؟

وقد اتبع مونتيفيردي أوبرا أورفيو بمقطوعة موسيقية أخرى تُدعى “نبيذ النسيان”. بدت “نبيذ النسيان” كتعويذة ساحرة تبعث على السلام والراحة، دفع فيها المؤدين إلى إسكات أنفسهم من لحظة إلى أخرى كأنهم يسقطون رؤوسهم في بحيرة من النوم فجأة، وتبعًا لإنجاز مونتيفيردي انطبعت موسيقى عصر الباروك باستخدام تلك الوقفات بالطريقة نفسها. ومن الأفضل في بعض الأحيان أن نتعامل مع الصمت باعتباره رسامًا من نوع مختلف، يقوم بنقش لوحات صوتية تصف النوم والموت وتحيل إلى مشاهد ضبابية بلا ملامح، أو أنه يفجر الإحساس بالتنهدات الخانقة بمجرد حشر وقفة قصيرة للغاية في كوبليه غنائي.

حواريات

بالوصول إلى عصر التنوير، أصبح السلاح الأقوى في الفكر والأدب وبالتبعية في التنظير للموسيقى هو سلاح البرهان؛ لذا لجأ المنظرون الموسيقيون في القرن الثامن عشر إلى استخدام فن الإقناع، ويتجلَّى ذلك في قيامهم بترميز الوقفات والسكتات طبقًا لقوانين البلاغة، ومن ثَمَّ تشجيع المؤلفين الموسيقيين على استلهام أعمالهم من فنَّي الخطابة والتمثيل. ولم يكن روسو يقصد من وراء هذه العبارات سوى إقامة مطابقة بين حالة التأليف الموسيقي وحالة الأداء على المسرح. فإذا استمعنا إلى مقطوعة كارل فيليب باخ، المرقمة على النحو التالي: C (Wq 61/6)، سنفهم عن قرب كيف استفاد من الوقفات المفاجئة لعمل تأثير شبيه بالحواريات والجدالات الخطابية.

عرض أوبرا أورفيو في الولايات المتحدة

كان عازف الأرغن والقيثار آفي ستين، قد نبهني إلى بعض الأمور المهمة عبر مكالمة هاتفية أجريتها معه بغرض نشرها في الصحافة، فهو يرى أن الوقفات الموسيقية التي استخدمها موسيقيو القرن التاسع تعكس الطبيعة الزئبقية العصية على الإمساك لموسيقى ذاك العصر، لأنهم كانوا يملكون شغفًا عميقًا بالارتجال، فضلًا عن اقتناعهم بأن المشاعر الإنسانية ذات طبيعة فصامية. ويضيف ستين: “غالبًا ما كانوا يلجؤون إلى التخلص فجأة من تيار شعوري ما، ويتبعون ذلك بوقفة صمت، لذلك لا يمكن توقع ما إذا كان المستمع سيتخلى فجأة عن إحساسه الحال للدخول في الحالة التالية، أم أنه سيبقى معلقًا لفترة من الزمن في الشعور القديم الذي هجره العازفون”.

إذا كان موسيقيو القرن الثامن عشر قادرين على محاكاة الخطابيين والممثلين العظماء، ذلك من خلال الاختيارات الحكيمة لمواضع الصمت في المقطوعات الموسيقية؛ فإن المهرجين كذلك يستطيعون القيام بذلك وبمنتهى السهولة، لدينا هايدن كمثال رائع على حسن استخدام تلك الآلية.

في رباعية هايدن الشهيرة بالمزحة، يمكنك تأمُّل الحركة الصوتية الأخيرة منها؛ حيث يعمل هايدن على اعتماد نغمة مبهجة ثم يقوم بتكرارها، ويواصل هايدن تكراراته تلك بشكل وافر وعلى مدى أغلب المقطوعة، وبعد مرور ما يقرب من دقيقتين تكون النغمة قد تسللت وأقامت في أذهان المستمعين كدودة نهمة، لكن هايدن يبدأ بعد ذلك في تغيير مساره؛ حيث يقوم بقطع الموسيقى من خلال وقفات مشوقة تثير لهفة المستمعين، وأخرى توحي بأن نهاية المقطوعة قد حانت؛ لكننا نكتشف في كل مرة أنها نهاية زائفة، يبدو الأمر لطيفًا على الأذن ومرحًا إلى حد كبير، لكن باستمرار هايدن في أداء نفس الاستراتيجية فإنه حينما يقرر إنهاء الرباعية بعد سبعة مقاطع بالنهايات الزائفة نفسها، يكون الأمر حينذاك قد تحول إلى حالة من السخافة المهيبة.

بيتهوفن

من حق بيتهوفن أن يتذمر إذا تحدثنا عن الصمت كصانع للموسيقى ولم نذكر اسمه، علينا أن نتذكر مهارته في صنع الوقفات الهزلية تلك، وقبل ذلك كله لنتذكر براعته الشديدة في عمل السكتات الدرامية والغامضة وفي تقديم الصمت كصانع للصوت. لكن الإنجاز الأعظم في هذا الشأن، والذي يعود إلى بيتهوفن، هو إبداعه في تاريخ الموسيقى الغربية؛ فهو ما يمكن أن نسميه بـ”الصمت المتفجر. وغني عن الذكر أن هذا الأسلوب يختلف بشكل تام عن أسلوب الوقفات الهزلية، فهو هنا يجبر المستمعين على الارتحال معه في قطار طويل من الأفكار الموسيقية؛ حتى يتخيلوا أنفسهم قادرين على التنبؤ بالجملة الموسيقية التالية، ومن ثَمَّ يقوم بيتهوفن بسحب البساط من تحت أقدامهم وإحالتهم إلى موسيقى غير متوقعة.

في سيمفونيته الثالثة المعروفة بالبطولة (إيرويكا)، يبدأ بيتهوفن بسلسلة من الأفكار الموسيقية التي تتصاعد محدثةً تأثيرًا شعوريًّا عنيفًا، ثم يصل إلى لحظة الذروة بتوليد سلسلة من النغمات الوترية المتنافرة والوحشية، ومن ثم يكررها بقوة لا تلين؛ لكنه حين ينتقل إلى السطر الموسيقي التالي، وبينما يتوقع المرء سماع المزيد من النغمات الموترة أو حتى إنهاء الهارمومنية العنيفة تلك بطريقة ما، يفاجئنا بنغمة ما هي إلا صمت، فراغ مبين، حتى إن عالمَي الموسيقى جروسفينور كوبر وليونارد ماير لقَّبا تلك اللحظة بـ(أكثر لحظات الصمت صخبًا في تاريخ التأليف الموسيقي).

تستمد تلك الصدمة التي أحدثتها الوقفة الموسيقية قوتها من مصدر ما؛ وهو النمط الذي قام بيتهوفن بإعداده سلفًا؛ حيث يدفع هذا النمط إلى أن يتصور كل منا شكل النغمة التالية. يحدث ذلك بشكل غير واعٍ؛ وهو الأمر الذي تنتج عنه هزة شعورية عنيفة تدعو إلى توقف عضلة القلب. استمر استخدام آلية الصمت في القرن التاسع عشر؛ لكنها هذه المرة كانت من نوع مختلف، وهو ما يمكن أن نسميه بـ”الصمت الانتقالي”، يمكن اعتباره كأوركسترا أخرى رقيقة هادئة على هامش الأوركسترا الفعلية، وهو مصمم لإذابة الحد الفاصل بين الجمل الموسيقية المؤلفة وهمهمة الجماهير في القاعة، ومن هنا ينشأ اتحاد خفي يظهر كشخص قادم من اللا شيء، وهكذا تنتهي بعض المقطوعات المرسومة على هذا النحو كتلاشي عاصفة مدوية إلى نسمة رقيقة.

لقد بدأت السيمفونية التاسعة لبيتهوفن بإيقاع متصاعد، لكن إذا أردنا أن نضرب مثالًا حيًّا على هذا النوع من الصمت، فلدينا السيمفونية الأولى لماهلر؛ تلك التي تنطلق موسيقاها من النبيذ المعتق الذي يحيط بالنوتات الهادئة، لا من النوتات نفسها، وهكذا تبقى كتميمة معلقة في الزمن، وكذلك لدينا سيمفونيات أخرى ترتد فيها الموسيقى إلى حالة الصمت؛ مثل سادسة تشيكوفسكي وثالثة براهامز.

تغيير أذواق الجماهير

ومع صعود الحركات التحررية في القرن العشرين، كان الصمت الموسيقي في طريقه إلى التحرر أيضًا، وهنا انقلبت الآية؛ حيث جرى التفاوض على نحو ضمني حول نسبة الموسيقى إلى الصمت، ومن ثم أصبح الصمت هو سيد الموقف في كثير من الأعمال.. لدينا المقطوعات القصيرة الخالية من المفاتيح الموسيقية لويبرن على سبيل المثال، تلك التي تبدو كلوحة تتوزع فيها جزر الصوت على بحر من البياض/ الفراغ.

أما الآن فالوضع مختلف تمامًا، فالموسيقيون الذين لاحظوا تغيُّر أذواق الجماهير مع الزمن بدؤوا في الهروب من الاستخدام المكثف للصمت الموسيقي، لقد كان الجمهور المعاصر لهايدن شديد الحيوية مقارنة بالجمهور الحالي؛ هؤلاء الذين وصفهم جورج برنارد شو، بمجموعة من البدلات السوداء تحمل أذهانًا شديدة الضيق، هؤلاء هم الجمهور الحديث المعدون للجلوس صامتين كمستقبلين ليس إلا، ربما لذلك السبب لا يتحول الصمت في القاعات الحديثة إلا إلى الصمت.

على الرغم من وجهة النظر المتشائمة هذه؛ فإن جون كيج نجح ذات مرة في تغيير أفق الجماهير والارتقاء بأمزجتهم، ذلك حينما عرض مقطوعته (أربع دقائق وثلاث وثلاثون ثانية) عام 1952، في مدينة وودستوك بنيويورك، لقد كان أداء المقطوعة متخلصًا من أي اعتبارات لها علاقة بالصناعة المتعمدة للجمل الموسيقية، وهنا قام كيج بخداع الجماهير، ذلك حينما اختار مكانًا موحيًا للمؤدي على خشبة المسرح ووضع أمامه آلة بيانو، وهو ما أوحى للجماهير بتحضير أمزجتهم لسماع الموسيقى، لكن انتباههم للموسيقى المرتقبة لم يسفر إلا عن انتباه لموسيقاهم الداخلية، وفي أسوأ الظروف لسماع الضوضاء المحيطة بهم في القاعة.

فريق الروك الأمريكي هوثورن هايتس- 2019

كانت مقطوعة كيج بمثابة مرآة يرى فيها الإنسان نفسه، وهي تكشف عن تلك المشاعر التي يأتي الجمهور محملًا بها إلى قاعة العرض، حفيف الأجساد وتقورات البطون وانعدام الصبر والاستعداد للسخرية. وعلى كلٍّ، لم يكن كيج وحده القادر على هذا الإبداع، فلدينا مقطوعة (سالوم) الوترية لأرفو بارت، تلك التي تبدو كبحيرة شفافة تنعكس عليها وجوه المستمعين. ويبدو بارت هنا كقاذف شهب، يجمع جمله الموسيقية ليدفعها في ثقب أسود كبير من الصمت، في حين تبدو كل جملة منها كسؤال يراود الجمهور، وهنا سيشعر البعض بأنه وجد الملاذ الأخير، ومنهم مَن سيباغته شعور بالرعب، يتوقف ذلك على طبيعتك.

كيف يمكن تجميع شتات لحظات الصمت الموزعة على الموسيقى؟ أعتقد أنها القوة الكامنة في الصمت نفسه، تلك التي تحول المستمعين من مجرد مستهلكين نهمين إلى مشاركين في إبداع الموسيقى، يحدث ذلك في كل حالات الصمت الدرامية والكوميدية والغامضة. من منا يتذكر الخماسيات الشعرية سيدرك تأثير صمت الشاعر، الذي يقرر أن يتوقف قبل أن يكمل قافية البيت الأخير، ما الذي سيحدث حينذاك؟ سنسارع إلى تخيل القافية بأنفسنا.

اقرأ أيضًا: المشهد الصوتي.. فهم البيئة المحيطة بالصوت

كانت إليزابيث هيلموت مانغوليس قد وصفت حالات الصمت تلك بنوبات ما بعد الاستماع، فهيلموت التي تعمل كمديرة لمختبر أبحاث الوعي الموسيقي، لها وجهة نظر مدهشة حول هذا الشأن، حيث ترى أن وقفات الراحة تلك تستطيع القبض على عادات الاستماع لدى الجمهور، ومن ثَمَّ تقوم بإظهارها إلى السطح، وفي هذه الحالة لا يتبقى أمام الموسيقي البارع إلا أن يغزلها في الثوب الساحر لمقطوعته. وربما لهذا السبب بالذات، ذهب كل من ديبوسي وديفيد لوصف الموسيقى باعتبارها لحظات التوقف عن إنتاج الموسيقى، أي لحظات الصمت، فهي تلك الفراغات التي تدفع فعل الاستماع إلى سماع نفسه، تحفز آذان الجمهور على الإصغاء إلى أذهانهم، وبالتالي للعالم الواسع المحيط بهم.

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

ناقدة موسيقية ألمانية.

المصدر: نيويورك تايمز

اتبعنا على تويتر من هنا

تعليقات عبر الفيس بوك

التعليقات