الواجهة الرئيسيةشؤون عربية

كيف يسعى إسلاميو تونس للحصول على دعم واشنطن؟

بفعاليات ترويج وشركة علاقات عامة واستغلال منابر

كيوبوست-تونس         

في الولايات المتحدة الأمريكية يمكن ملاحظة تحركات اثنين من أبرز النشطاء التونسيين حاملي الجنسية الأمريكية؛ لحشد الدعم لصالح الإسلاميين التوانسة؛ حيث يعمل رضوان المصمودي ومنجي الزاودي لصالح حزب النهضة في أمريكا، وهما الناشطان نفسيهما اللذان اعتادا على دعم الحزب لفترة طويلة.

فقد قام المصمودي والزاودي بتنظيم بعض الفعاليات بغرض إبراز بعض السياسيين المنتمين إلى حزب النهضة؛ ففي سبتمبر الماضي قام المصمودي باستضافة ربيب بن لطيف في فعالية، كان هدفها دعم المرشح البرلماني عن حزب النهضة لتمثيل الجالية التونسية في أمريكا، كما سبق أن قام الزاودي بتنظيم فاعلية أخرى في يناير الماضي، استضاف فيها أحد أعضاء حزب النهضة، ميرزا العبيدي؛ حيث قام بدعوة التونسيين المقيمين في المنطقة القريبة من مكان الفعالية للحضور وتبادل وجهات النظر، كما تمكَّنت العبيدي من مقابلة النائبة الأمريكية رشيدة طالب، في معرض زيارتها إلى الولايات المتحدة، ووصف الزاودي هذا اللقاء باعتباره اجتماعًا لاثنين من القيادات السياسية المهمة.

وكان الزاودي قد عمل سابقًا في منصب المدير التنفيذي لفرع مجلس العلاقات الأمريكية الإسلامية (كير) في ولاية كونيتيكت، وهو أحد أعضاء حزب النهضة الفخورين بانتمائهم إلى الحزب، كما شارك بالحضور في مؤتمر الحزب العاشر عام 2016، ورافق مؤسس “النهضة” والإسلامي الدولي البارز راشد الغنوشي، خلال زيارته إلى العاصمة الأمريكية واشنطن عام 2015.

استراتيجية ترويج

وعلى الجانب الآخر، يترأس رضوان المصمودي مركز دراسة الإسلام والديمقراطية في واشنطن، وهو المركز الذي يعمل الزاودي لحسابه في الوقت الحالي. وليس هذا هو وجه التشابه الوحيد بين الناشطَين؛ ففضلًا عن كون كلا الرجلَين عضوَين مخلصَين لحزب النهضة، فإنهما عملا بجد لسنوات طويلة على تعزيز صورة الحزب في الشارع الأمريكي، فضلًا عن اجتهادهما لتعريف المسؤولين الأمريكيين بالحزب الإسلامي التونسي.

الغنوشي وعبد الفتاح مورو في مؤتمر حزب النهضة- 2016

من خلال عملهما في مركز دراسة الإسلام والديمقراطية، قام الناشطان البارزان بتنظيم عدد من الفعاليات؛ هدفها إبراز السياسيين المهمين في حزب النهضة للشارع الأمريكي، ففي عام 2014 على سبيل المثال وخلال المؤتمر السنوي الخامس عشر، قدم رئيس الوزراء التونسي السابق والقادم من حزب النهضة الكلمة الافتتاحية للمؤتمر، وكان من بين الحضور، آنذاك، فيليب جوردون، المساعد الخاص بالرئيس الأمريكي السابق باراك أوباما، والنائب الأمريكي كيث إليسون، المعروف بصلاته الوثيقة بالإسلاميين. ولم يتوقف الأمر عند هذا الحد؛ بل امتد لمنح الجائزة السنوية الخاصة بالمركز لعام 2014 إلى كتلة حزب النهضة بالجمعية التأسيسية للدستور التونسي.

ويبدو أن مسيرة مركز دراسة الإسلام والديمقراطية مع الإسلاميين التونسيين لم تنتهِ مع عام 2014؛ ففي العام التالي أقام المركز عشاء عمل على شرف الغنوشي، حضره عدد من صفوة المسؤولين الأمريكيين؛ من بينهم مساعد نائب وزير الخارجية لشؤون مصر والمغرب جون ديسروشر، بالإضافة إلى السفير الأمريكي السابق في تونس جودون جراي.

ولم يكن مركز دراسة الإسلام والديمقراطية هو الجهة الوحيدة التي تم استغلالها للترويج للإسلاميين التونسيين، فمن خلال كيان آخر يسمى “مجموعة أصدقاء النهضة”، قام المصمودي بتنظيم عدد من الفعاليات؛ حيث عكف على استضافة بعض رموز الحزب البارزين خلال تلك الفعاليات، من بينهم رئيس الوزراء السابق علي العريض، بالإضافة إلى المرشح الرئاسي السابق عن حزب النهضة عبد الفتاح مورو، فضلًا عن المرشح لعضوية البرلمان التونسي ربيب بن لطيف؛ حيث تمت إقامة تلك الفعاليات في المناطق الواقعة أعلى وأسفل الساحل الشرقي للولايات المتحدة.

وحاول المصمودي أكثر من مرة أن يدفع عن نفسه تهمة استغلال مركز دراسات الإسلام والديمقراطية لدعم حزبه؛ حيث اعتاد على تأكيد استقلالية المركز، وكذلك كون الهدف الأساسي للمركز هو دعم التحول الديمقراطي في تونس؛ لكن تأكيدات المصمودي تبدو بعيدة تمامًا عن الإقناع. وكان حزب النهضة قد تعاقد عام 2014 مع شركة علاقات عامة أمريكية تُدعى “بيرسون مارستيلر”؛ بهدف استخدام فرع الحزب في باريس لإدارة العلاقات العامة للحزب بالقارة الأوروبية، وهو ما أكدته تقارير مجلة “جون أفريك” الناطقة باللغة الفرنسية.

مكافأة الداعمين

وعلى ما يبدو أن حزب النهضة لا يتأخر عن مكافأة داعميه؛ حيث قامت سيدة الونيسي وزيرة التكوين المهني والتشغيل، في يناير الماضي، بمنح ابنة المصمودي إحدى الوظائف المرموقة بالحكومة التونسية على الرغم من إمكانات الأخيرة المتواضعة، وقد هدفت الوزيرة، المعروفة بكونها أحد ممثلي حزب النهضة في الائتلاف الحكومي التونسي، من وراء ذلك إلى منح المصمودي ثمرة عمله للحزب.

اقرأ أيضًا: نتائج الانتخابات التشريعية بتونس تضع “النهضة” في ورطة

وبالنظر إلى تاريخ حزب النهضة، نجد أن جذور الحزب تنتمي إلى جماعة الإخوان المسلمين المصرية؛ حيث أعلن مؤسسوه منذ البداية ولاءهم للجماعة الإسلامية الدولية حين أسسوا مؤسسة طلابية تابعة للجماعة في تونس في سبعينيات القرن الماضي، وستصبح هذه المؤسسة في ما بعد النواة الأولى للحزب، وبمرور السنين كان أعضاء “النهضة” ينخرطون أكثر فأكثر في ممارسة السياسة باعتبارهم حركة معارضة وطنية؛ لكنهم لم يلبثوا أن صعَّدوا جهودهم وصولًا إلى استخدام العنف، وذلك حين قام الحزب بمحاولة للانقلاب على الحكم عام 1987.

وقد تم اعتقال ونفي عديد من أعضاء الحزب البارزين خلال تلك الفترة؛ لكن على ما يبدو أن معاناة أعضاء الحزب لم تمر دون أن تؤتي ثمارها، حيث استغل الأعضاء الذين تعرضوا للنفي إلى المجتمعات الغربية وجودهم هناك بالانخراط في الحركات الإسلامية في العالم الغربي.. لدينا على سبيل المثال علي الحراث الذي نجح في إنشاء قناة تليفزيونية عُرفت بقناة الإسلام، تلك التي تحولت بمرور الزمن إلى أحد أكثر القنوات الإسلامية مشاهدةً في الغرب؛ حيث حرصت على تعزيز حضورها بالاستعانة بعدد من رجال الدين البارزين، منهم أنور العولقي الذي ظل حتى وفاته أحد الأعضاء الفاعلين في تنظيم القاعدة، وهي القناة نفسها التي اتُّهمت من قِبَل السلطات البريطانية أكثر من مرة ببعض الأشياء؛ منها التحريض على العنف ضد المرأة وإباحة الاغتصاب الزوجي.

اقرأ أيضًا: إخوان تونس متورطون بنقل المقاتلين لصالح تنظيم داعش عبر قطر وتركيا!

وبعد الثورة التونسية التي اندلعت عام 2010 وتبعتها موجة عارمة من الثورات في العالم العربي، قرر كثير من التونسيين العودة إلى موطنهم الأصلي، كان ذلك الوقت هو ساعة الحظ بالنسبة إلى حزب النهضة؛ حيث لم يتوقف عن إحراز الانتصارات السياسية، وهو ما دعا كثيرين من الرموز الإسلامية كحراث إلى العودة؛ بل عكف هؤلاء على العمل مع النظام الإسلامي الناشئ هناك من خلال تقديم قناعات جديدة بديلة عن التوجهات الإرهابية القديمة، غير أن حزب النهضة كان قد تراجع عن موقع السلطة بعد عامَين من إدارته للبلاد، تلك التي وصفت بفترة الحكم الكارثية.

قناع الاعتدال

وفي الوقت الذي يُصَدِّر فيه حزب النهضة نفسه باعتباره مثالًا يُحتذى به في الاعتدال، كانت الأمور تتكشف مع الوقت، وهو ما تبين لأول مرة من أحد خطابات الغنوشي عام 2012؛ حيث كان الغنوشي يوجه حديثه إلى النشطاء الشباب ذوي التوجهات السلفية، ونصحهم بالالتزام بالصبر؛ فعلى حد تعبيره: “كان العلمانيون لا يزالون يسيطرون على الإعلام والاقتصاد التونسي، وهو ما يدعو الإسلاميين إلى العمل بتمهل وعدم تعجل الأمور؛ حتى يتمكنوا من إحكام قبضتهم على الحكومة”. وكانت تعبيرات الغنوشي صادمة لدرجة فجَّرت معها غضبًا عارمًا داخل الشارع التونسي، وهو ما تم وصفه ساعتها باستخدام حزب النهضة للخداع السياسي وإخفاء الوجه الحقيقي لقياداته خلف قناع الاعتدال.

مسيرة للسلفيين في تونس

وكان حزب النهضة قد تعهد أمام الشعب التونسي بعدم نيته تطبيق الشريعة الإسلامية؛ لكن هذا الأمر لم يمنع رئيس الوزراء التونسي حمادي الجبالي، من إصدار بعض التصريحات في الاتجاه المضاد؛ منها أن حزب النهضة لن يسمح بتخطي الشرائع التي سنّها الله للمسلمين، كما أضاف في معرض حديثه كلامًا عن احتمالية انخراط حزب النهضة في المستقبل في بعض الأمور؛ منها تطبيق العقوبات البدنية طبقًا للشريعة الإسلامية.

اقرأ أيضًا: وثائق تتهم “النهضة” باغتيال بلعيد وتشكيل تنظيم سري للاغتيالات والتجسس

غير أن حزب النهضة كان قد ارتكب ما هو أسوأ من ذلك حين سمح لجماعة أنصار الشريعة في تونس بالعمل بحرية داخل البلاد لسنوات عديدة. ومن المعروف عن جماعة أنصار الشريعة تبعيتها لتنظيم القاعدة، واستمرت الأمور على هذه الحال حتى ثبت تورط الجماعة في هجوم إرهابي على السفارة الأمريكية في تونس. وكانت الولايات المتحدة قد ردت على هذا الهجوم بضم الجماعة إلى قائمة الإرهاب، وربما لم يكن حزب النهضة سيقدم على إبعاد نفسه عن أنصار الشريعة لولا حدوث ذلك. ولم يتوقف الأمر عند هذا الحد؛ حيث زاد رئيس الوزراء السابق، علي العريض، الطين بلة حين منع الشرطة من القبض على زعيم الجماعة أبي عياض، الذي كان يبث خطبة حماسية من داخل مسجد محاط بقوات الشرطة، ثم اختفى بعد ذلك بطريقة غامضة.

خطاب مزدوج

وكان عام 2014 عامًا كارثيًّا على الحزب الإسلامي حين اضطر إلى التخلي عن السلطة في مواجهة الاحتجاجات الواسعة التي اندلعت ضده في ذلك الوقت. كما أن هنالك أمورًا أخرى تُدين “النهضة”؛ منها اتهامه بإنكار مسؤوليته عن حادث اغتيال السياسيَّين اليساريَّين شكري بلعيد ومحمد براهمي.

وأصبح حزب النهضة بعد انتكاسته عام 2014 على استعداد إلى أن يعاود الرجوع بأي ثمن؛ حيث أعلن عام 2016 عن نيته التخلي عن الانتماء إلى تيار الإسلام السياسي، ووعد بفصل جناحه السياسي عن جناحه الديني؛ لكن محاولة الحزب المشار إليها كان لابد أن تتجاوز مرحلة الاختبار، وهو ما انتهى إلى وصفها باعتبارها مجرد محاولة فصل على المستوى التقني؛ أي أن الحزب أحدث عملية فصل ظاهرية في الوقت الذي ظل فيه جناحه السياسي يدين بالأيديولوجيا ذاتها التي تحكم جناحه الديني.

المظاهرات التي اندلعت في تونس بعد اغتيال بلعيد

وعلى الرغم من الصلات التي جمعت بين حزب النهضة والإسلاميين المتطرفين على مدى تاريخه، وهو أمر لا يقبل الشك؛ فإنه كان يتم استقبال أعضاء الحزب بالولايات المتحدة باعتبارهم رموزًا للحركة السياسية المعتدلة في تونس، وكان الغنوشي نفسه يُقابل بالتكريم حال زيارته إلى الولايات المتحدة؛ حيث تمت دعوته أكثر من مرة لإلقاء المحاضرات في جامعتَي يال وكولومبيا، كما تمت استضافته في فعاليات عديدة بصحبة مسؤولين أمريكيين بارزين.

اقرأ أيضًا: هيئة الدفاع عن “بلعيد والبراهمي” تتهم صهر الغنوشي برئاسة “الجهاز السرّي” لـ”النهضة

وهناك معرفة وثيقة لدى التونسيين بطبيعة الخطاب المزدوج الذي ينتهجه حزب النهضة، فالخطاب المعتدل الذي يصدره الحزب يخفي وراءه خطابًا آخر متشددًا من النادر أن يخرج إلى العلن، وعلى الرغم من ذلك؛ فإننا نجد نشطاء إسلاميين تابعين للحزب، كالمصمودي والزاودي، يعملون بحرية داخل الولايات المتحدة لتصدير صورة مسالمة لـ”النهضة”، فضلًا عن محاولة إقناع الجميع بالطبيعة الحداثية والديمقراطية للحزب، كما لا يمكن تجاهل الفعاليات التي لم يكف فيها الناشطان عن دعوة أعضاء الحزب بصحبة دبلوماسيين وممثلين للحكومة الأمريكية مع العلم بالوجه الحقيقي لـ”النهضة“، الذي ساعد على تمكين فرع من فروع تنظيم القاعدة داخل تونس، فضلًا عن نيته المبيتة في إقامة دولة دينية.

وبينما كان العامان اللذان شهدا صعود حزب النهضة إلى السلطة مفيدَين على نحو ما؛ حيث أظهرا التطرف الذي يخفيه الحزب خلف الكواليس، يظل ما نشاهده اليوم بأم أعيننا هو أن هناك مَن يلعب في الظل داخل الولايات المتحدة؛ بغرض إعادة الحزب إلى السلطة مجددًا.

اقرأ أيضًا: في الاستثمارات القطرية في تونس.. فتش عن حزب النهضة

المصدر: دايلي واير

اتبعنا على تويتر من هنا

تعليقات عبر الفيس بوك

التعليقات

مقالات ذات صلة