الواجهة الرئيسيةشؤون دوليةشؤون عربية

كيف يساهم “الذكاء الجماعي” في مواجهة الإرهاب والفكر المتطرف

مواجهة التطرف والإرهاب لا تكمن فقط في غرس قيم التسامح ولا تقتصر على المقاربة الأمنية

المغرب- حسن الأشرف

أوصى المشاركون في مؤتمرٍ دولي، انتهت أشغاله الجمعة 10 يونيو (حزيران) في المغرب، حول “الذكاء الجماعي في مواجهة الإرهاب، وبناء استراتيجيات مكافحة التطرف العنيف، والوقاية منه”، بضرورة تبادل أفكار وتجارب مبتكرة بين الدول والهيئات والمنظمات ذات الاهتمام، من أجل إرساء جسور السلم، ونبذ الفكر المتطرف.

وذهب الخبراء الذين حضروا المؤتمر إلى أن المقاربة القائمة على الأمن والقضاء أساسيةٌ في مكافحة الإرهاب والتطرف العنيف، لكنها ليست كافية، ولا شاملة، ومن ثم وجب العمل على “تطوير مقاربات قائمة على الذكاء الجماعي، بهدف ضمان السلم العالمي، وتعزيز الجهود المبذولة لبناء التنمية المستدامة في بلدان الجنوب”.

اقرأ أيضاً: نقاشات متعمقة حول الإرهاب والتطرف الديني في مؤتمر “سلام”

وركَّز المؤتمر الدولي على موضوع “الذكاء الاجتماعي” في محاربة الفكر الإرهابي، عبر جعل مكافحة التطرف الديني مبحثاً علمياً يتداول فيه العلماء والخبراء والمختصون، لإدراكِ خلفيات السلوكات العنيفة التي تُؤذِي الناس، وليس فقط هدفاً أمنياً محضاً قائماً بذاته، ومن ثم ضرورة أن تكون محاربة التطرف العنيف عملاً جماعياً متشابكاً ومتكاملاً، تنصرف إليه كافة الجهود والأفكار.

خارطة طريق

وتوقف خبراء أمنيون مغاربة وأجانب عند أفضل الطرق التي تتيح محاربة الفكر المتطرف والسلوكات العنيفة الناجمة عنه، والتي يعمد إليها متشبعون بالعقائد المتشددة، فتتجسد في هجماتٍ انتحارية أو إرهابية، أو تتمثل في أحسن الأحوال في نشر إيديولوجية التكفير والتبديع والتفسيق.

جانب من المؤتمر

وشهد الموعد مداخلاتٍ مهمة في هذا الصدد، من بينها مداخلة مدير المكتب المركزي للأبحاث القضائية (مؤسسة أمنية رسمية تُعنى بملفات الإرهاب)، حبوب الشرقاوي، الذي ذهب إلى أن “التصدي الحازم في وجه التهديدات الإرهابية يقتضي بذل المزيد من المجهودات، واعتماد رؤية جماعية موحدة وشاملة، تروم التركيز واليقظة والتتبع وشمولية التنسيق وطنياً ودولياً”.

المسؤول الأمني المغربي دعا إلى “الاستعانة بنماذج متطورة تقوم على الذكاء الجماعي لتجاوز المعيقات، وإيجاد صيغ مثلى نموذجية بديلة، من شأنها توحيد الرؤى والمقترحات والأفكار، وتصب في القضاء على نزعة التطرف عبر التوعية بالمخاطر، وتعزيز الكفاءات المشتركة في مجال الإرهاب”.

اقرأ أيضاً: على ماذا تقوم الاستراتيجية المغربية لمحاربة التطرف والإرهاب؟

ونادى الشرقاوي بضرورة إرساء خارطة طريق واضحة وكاملة لرصد جميع مؤشرات الفكر المتطرف والعقيدة الإرهابية، مبرزاً أهمية العمل الأمني المواكب والاستباقي، من خلال التنسيق بين الأجهزة والمؤسسات الأمنية والاستخباراتية ذات الصلة، على مستوى البلد وعلى مستوى باقي الدول.

خطاب “الإخوان”

وحضرت جماعة “الإخوان” في المؤتمر الدولي عينه، حيث أفردت ريهام عبد الله، مديرة مرصد الأزهر لمكافحة التطرف، مداخلتها لفحص أساليب الخطابات الدينية عند “الإخوان”، ومنها “التعميم، واجتزاء النصوص، والاستعلاء”.

ريهام عبد الله

واعتبرت المحاضرة نفسها أن هناك أساليب أخرى تسم الخطاب المتطرف لهذه الجماعات، وعلى رأسها “إنشاء المدينة الفاضلة، بخلاف الواقع الذي يتطلب التدافع بين البشر، والاعتماد على الأسلوب العاطفي الديني من قبيل ادعاء المظلومية”، وغيرها من الأساليب.

ووفق مديرة المرصد الأزهري نفسه، فإن محاربة الفكر المتطرف تقوم على عدة وسائل، منها “الوقوف على الخطاب المتطرف عبر منصاته الرسمية، والعمل على تحليل كل ما ينشر تحليلاً شاملاً، والبيان الشرعي الصحيح لما يتم بثه عبر منصات التنظيمات المتطرفة”.

اقرأ أيضاً: حوار سياسي لأول مرة في مصر والإخوان مستبعدون

وزادت الباحثة الأزهرية المصرية بأن محاربة خطابات الجماعات المتشددة تتأسس أيضاً على “الاهتمام في الخطاب ببناء الإنسان بشكلٍ صحيح، دون إفراط أو تفريط، والربط بين النص والواقع المعيش، وعدم الانغلاق الفكري”.

الأمني فوق السياسي

ومن المداخلات القيمة في المؤتمر، ما أثاره سالم بن محمد المالك، المدير العام لمنظمة “الإسيسكو”، الذي اعتبر أن “الذكاء الجـماعي فـي مكافحة الإرهاب والتطرف العنیف یعد وسیلة وغایة لاستشراف المستقبل”.

ونادي المدير العام للإسيسكو بضرورة “استقراء مناهج تستوعب تجلیات الذكاء الاصطناعي الـناتجة عـن تـطورات الأجیال الجدیدة من إبداعات العالم الافتراضي”.

مصطفى الورزازي

ويقول مصطفى الورزازي، مدير المرصد المغربي حول التطرف والعنف، في هذا السياق في تصريحاتٍ لـ”كيوبوست”، إن الجهود التي تبذلها الدول لمحاربة التطرف والإرهاب تواجه مقاوماتٍ طبيعية، بالنظر إلى اختلاف السياقات والخلفيات والوضعيات الدبلوماسية والاقتصادية لكل بلد.

ويشرح المتحدث ذاته بأن هناك بلداناً آمنة، وبلداناً غير آمنة، وهناك مناطق أو دول غنية وأخرى تعاني من الفقر، وبالتالي هناك فجوات بين بلدان “الشمال” و”الجنوب”، وهي وضعيات تؤثر سلباً على توحيد وتدبير المعلومة الأمنية والاستخبارية، كما على الحوار الذي يفيد محاربة الإرهاب والتطرف العنيف.

اقرأ أيضاً: 84 دولة تتوعد من المغرب بتفكيك شبكات تنظيم “داعش” الإرهابي

ولفت الورزازي إلى أهمية أن يكون الأمني سابقاً وعالياً على ما هو سياسي ودبلوماسي، بمعنى أن العلاقات الدبلوماسية حتى لو توترت بين بلدين أو مجموعة بلدان، فإن التنسيق الأمني يجب أن يبقى مستمراً لا يتأثر بالسياسي، وذلك حتى لا تتأثر استراتيجية محاربة الإرهاب.

دراسة التاريخ

د.عبد الواحد بنعضرا

وفي السياق، يقول الدكتور عبد الواحد بنعضرا، باحث في التاريخ ومهتم بقضايا الإسلام السياسي، في حديثٍ مع “كيوبوست”، إن “مواجهة التطرف والإرهاب لا تكمن فقط في غرس قيم التسامح والقبول بالاختلاف، كما أن الاقتصار على المقاربة الأمنية، بما في ذلك الاستباقية، لا يمكن أن يفي بالغرض، إذ يجعل تكلفة مواجهة الإرهاب مرتفعة جداً”.

واستطرد بنعضرا بأنه من الضروري إيلاء العلوم الإنسانية والاجتماعية أهمية في التعليم الثانوي، خاصة الأنثروبولوجيا، وعلم الاجتماع، والتاريخ، لكون التاريخ مثلاً قد يضطلع بدور فعال في مواجهة التطرف والإرهاب، إذا تم تدريسه بشكلٍ مختلف من حيث المواضيع أو كيفية تفاعل التلاميذ بالتركيز على أهمية الأسئلة”.

ويشرح مؤلف كتاب «العقل المستقيل… نقد الإسلام السياسي ومرجعيته» الصادر عام 2005، بأن التاريخ، بما هو تاريخ البشر، يزيل أوهام الماضي الجميل الذي ترسخ في ذهن البعض محاولاً إعادة تحقيقه اليوم، مستدركا بأن “رغم ذلك لا تفي هذه المقاربة بالغرض لعاملين رئيسين:

اقرأ أيضاً: كتاب.. الوجه الآخر للخلافة الإسلامية

العامل الأول؛ وفق الباحث عينه، ارتفاع كثرة غير المتمدرسين أو المنقطعين عن الدراسة في بلداننا، ما يعني عدم استفادتهم من دروس العلوم الإنسانية والاجتماعية. والثاني؛ عالمية الإرهاب مما يجعل من التعاون بين البلدان ذات الأغلبية المسلمة مطلباً ملحاً لإعادة النظر في المنظومة الفقهية التي تم غرسها منذ قرون، وتعهّد فاعلون كثيرون بإعادة إنتاجها بمظاهر وأشكال مختلفة حسب كل عصر”.

الأخلاق والفرد والدولة

ويكمل بنعضرا حديثه للموقع شارحاً بأنه “على صعيد الأخلاق مثلاً، يتم تكريس فكرة ارتباط الأخلاق بالفرد أكثر من ارتباطها بالدولة والمجتمع، وبالتالي الشاب المتخلق بالأخلاق المعيارية كما رسمها الخطاب الديني المعاصر، لا يملك أية مسؤولية تجاه أعضاء المجتمع الآخرين، ولا اتجاه الدولة، وبالتالي فلا يملك حس المسؤولية تجاه المستقبل؛ فلا يأبه لقضايا البيئة والماء والفقر… ومن ثم، فإن المتأثرين بالخطاب الديني المعاصر لا يرون أهمية للمشاريع الدنيوية، والأهم لديهم هو المشروع المرتبط بالآخرة”.

صورة تعبيرية

ولفت بنعضرا إلى تعقيد فكرة مبدأ الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، باعتبار أنها تعكس تمثُّل أصحابها بكونهم أفضل من الآخرين، وبأنهم أصحاب مهمة ورسالة مِسْيانية تتعايش فيها عناصر عدة: فكرة المجدد، فكرة المهدي المنتظر، نهاية التاريخ، منطق التنظيم السري القديم… وبالتالي، فإنهم المسؤولون عن إصلاح الناس، ولو بالعنف وارتكاب عملياتٍ إرهابية.

وشدد الباحث على أن “أخطر ما كرَّسه إعادة إنتاج تلك المنظومة الفقهية في الخطاب الديني المعاصر، ونحن في زمن الدولة الحديثة، هو التوتر بين الفرد والدولة، أو كما سماه المفكر المغربي عبد الله العروي “التخارج بين الحرية والدولة”، ومن ثم وسم الدولة بالشر، ما يسهل نزع الشرعية عنها، وعدم إعطاء الفرد ولاءه كاملا لها، فهي بالنسبة له مجرد قوس يجب أن يغلق لفائدة نماذج أخرى من الماضي، اعتقد هو بأنها هي النموذج الأفضل، لذلك فهو دائم العمل على الخروج على الدولة.

ودعا الخبير في الإسلام السياسي إلى “ضرورة احترام الدولة والقانون على أساس أن ذلك ضمان للاستقرار، من منطلق أن الفتنة أشد من القتل، وأن درء المفسدة مقدم على جلب المصلحة، كمنطلق لنقاش أكثر واقعية”.

اتبعنا على تويتر من هنا

تعليقات عبر الفيس بوك

التعليقات

حسن الأشرف

صحفي مغربي

مقالات ذات صلة