الواجهة الرئيسيةترجماتشؤون دولية

كيف يرى الخبراء مستقبل المواجهات بين أذربيجان وأرمينيا؟

نزاع يغلي على نار هادئة.. وبوتين رمانة الميزان

كيوبوست – ترجمات

لا شك أن تاريخ النزاع في ذلك الإقليم يرجع إلى زمن طويل، إلا أنه بقي يغلي على نارٍ هادئة إلى أن تصدر اسم ناغورنو كاراباخ عناوين الأخبار مجدداً، يوم الأحد الموافق 27 سبتمبر الماضي، مخلفاً وراءه قتلى وجرحى بالمئات. لذلك توجه معهد كينان، المتخصص في الدراسات المتعلقة بروسيا ومنطقة أوراسيا، إلى بعض الخبراء المعنيين عبر جملة من الأسئلة حول الإقليم وقصته التي تتطور بسرعة ملحوظة؛ كالتالي:

ما الذي أدى إلى تصعيد القتال حول إقليم ناغورنو كاراباخ بين كل من أرمينيا وأذربيجان؟ ولِمَ تتخذ هذه النقطة من الصراع أهمية خاصة؟

أصبح معروفاً أن كلاً من أرمينيا وأذربيجان تمتلكان دعماً من قوى إقليمية كبرى؛ فهل ستحدد تلك القوى مدى الخطورة المستقبلية للصراع القائم في الإقليم؟ ولنتحدث عن روسيا وتركيا على وجه التجديد.

كيف يمكن أن تتشارك الجهات المتصارعة في حل الأزمة؟ وهل ستتمكن جهاتٌ مثل منظمة الأمن والتعاون في أوروبا أو القنوات الدبلوماسية المختلفة من تقديم حلول من شأنها أن تساعد على استقرار الأوضاع؟

أودري ألتشتات- أستاذة التاريخ بجامعة ماساتشوستس

لدى أذربيجان ما تكسبه من هذه المعركة مقارنة بأرمينيا؛ فهي ككل الدول المنتجة للبترول تعاني خسائر مالية ناجمة عن انخفاض أسعار النفط، كما أن العجز الحاصل في ميزانيتها قد يؤثر على إجمالي الإنفاق الاجتماعي؛ بما في ذلك الإنفاق على الرعاية الصحية، وذلك في ظل الأزمة الناتجة عن وباء “كوفيد-19“. وعلى الرغم من قيام الرئيس الأذري إلهام علييف، بقمع جماعات المعارضة في بلاده؛ فإنه ما زال يخشى اندلاع المظاهرات الشعبية وتكرار السيناريوهات السابقة التي حدثت في بلاد مجاورة، مثل جورجيا وأوكرانيا وبيلاروسيا.

وفي مطلع يوليو الماضي، شرعت الحكومة الأذرية في باكو في اختبار أسلحة تركية جديدة؛ من بينها طائرات “تي بي 2” من دون طيار، التي تتميز بإظهار كفاءة عالية في التضاريس الجبلية. ولم يمر وقت طويل حتى أُقيمت مناورات عسكرية مشتركة بين كل من أذربيجان وتركيا في أغسطس الماضي. وفي الوقت نفسه، يعكف علييف على الاستفادة من القيود المفروضة على الشعب لمنع تفشِّي الوباء وتحجيم أي انتقادات شعبية من الممكن أن تطول النظام القائم.

اقرأ أيضاً: الرئيسان الأرميني والأذربيجاني يتبادلان الاتهامات وسط قلق دولي

وبمضي الوقت، كان علييف يزداد نفوذاً، إلا أن الجائزة الوحيدة التي استعصت عليه كانت هناك في منطقة كاراباخ الجبلية وما يحيطُ بها من أقاليم، تلك التي ما زالت تحت سطوة القوات المسلحة الأرمينية. وفي الوقت نفسه، تجد القوى الإقليمية نفسها مشتتة الذهن؛ إما نتيجة انشغالها بجائحة “كورونا”، وإما بسبب انخفاض أسعار النفط، وهو ما يحول بينها وبين احتواء الأزمة. وبالطبع روسيا وإيران خير مثال على ذلك، باعتبارهما منتجتَين للنفط.

وهنالك بعض الأمور الأخرى التي تبقي روسيا منشغلة عن الوضع في ناغورنو كاراباخ؛ منها موقف بيلاروسيا، وبالنسبة إلى الولايات المتحدة فإن تزامن الانتخابات الرئاسية المنتظرة في نوفمبر المقبل، يمضي جنباً إلى جنب مع انسحاب أمريكا الملحوظ من القضايا الدولية، وإيران على الجانب الآخر غارقة في مشكلاتها؛ خصوصاً في ما يتعلق بالعقوبات الاقتصادية.

رئيس أذربيجان إلهام علييف يلقي خطاباً على الشعب في باكو بمناسبة تجدد الاشتباكات في ناغورنو كاراباخ.. 27 سبتمبر 2020- “أسوشييتد برس”

ونجد تركيا البلد الوحيد الذي ما زال قادراً على التدخل في الأزمة حتى على الرغم من انشغالها بجائحة “كورونا” مثل البلدان الأخرى كافة؛ وهي ما زالت تحاول الإفلات من العقاب نتيجة لما اقترفته من محاولات لمد سلطانها على كل من سوريا وليبيا، كما أن خطاب أنقرة الداعم لأذربيجان كان عنيفاً للغاية. والمحصلة النهائية هي انشغال القوى الدولية التي قد تحول دون تفاقم الوضع، بينما يبقى الداعم الوحيد لأذربيجان نشطاً للغاية.

بالنسبة إلى السلطة في العاصمة الأذربيجانية باكو، فقد رفع الرئيس الأذربيجاني من سقف طموحاته، وأطلق وعوداً باستعادة كل المناطق المحتلة منذ 30 عاماً -على حد تعبيره- وكان يبدو مضطراً لمنح شعبه الحد الأقصى من العهود، مصرحاً بنيته في استعادة إقليمَين كاملَين، وهي دعوة شديدة الصرامة للحرب. وتبدو نيته واضحة في استهداف منطقتَي جبراييل وفيزولي، وصولاً إلى الجنوب، وإذا ما تمكَّن من ذلك، ستكون ساعتها فرصته في المفاوضات أعلى من ذي قبل.

اقرأ أيضاً: باحث جورجي لـ”كيوبوست”: تركيا تدعم أذربيجان ولا ترغب في التورط مع روسيا

ومن الممكن أن يبدأ بهذا الأمر باعتباره هدفاً قصير المدى؛ لكن إمكانية تحققه من عدمها قضية أخرى بطبيعة الحال. بينما إذا استطاع الجانبان الحصول على الموارد الكافية للحرب؛ سواء من المشتتين الأرمينيين أو من القوى الإقليمية الأخرى، فإن ذلك الأمر يعني اشتعال حرب مدمرة لا يمكن السيطرة عليها، وبإمكانها أن تطول المنطقة بأسرها؛ وهي الأمور التي ينبغي تجنبها بأية تكلفة.

وقد ينسحب القتال في تلك المنطقة على الدول المجاورة؛ لذلك علينا النظر إلى دور روسيا على وجه الخصوص، باعتبارها القوة الإمبريالية التاريخية في المنطقة. وعلى الرغم من مرور زمن كافٍ على تاريخ احتلالها تلك المناطق؛ فإن تأثيرها ما زال باقياً، فهي تمد كلا الطرفَين بالأسلحة، وتلعب دور الوسيط في اتفاقات السلام، ويجمعها تحالف عسكري مع أرمينيا التي تمتلك قاعدة جوية على أراضيها.

جندي أذري ضمن فرق القتال يطالع صحيفة عسكرية- وزارة الدفاع الأذرية

وعلى الجانب الآخر، تعد أذربيجان أحد شركائها التجاريين، ويلعب موقعها الجغرافي أهمية استراتيجية بالنسبة إلى روسيا؛ فهي تعد بوابتها الجنوبية والشمالية في الوقت نفسه، حيث تربط أذربيجان موسكو ببعض المناطق المهمة؛ من بينها إيران وجنوب آسيا.

ولدى روسيا قائمة من المشكلات تحكم تحركاتها تجاه القضية؛ فهي تريد الإبقاء على جبهتها الشمالية في وضع آمن، وهو ما قد يدفعها إلى العمل من خلف الكواليس من خلال طمأنة الأطراف المتنازعة مرة وترهيبها مرة أخرى. ومن المؤكد أن موسكو على دراية كافية بطبيعة المنطقة البعيدة عن الاستقرار؛ وهي لذلك ستتجنب الدخول في حرب مباشرة، وسيحدث ذلك حتى إذا لوَّحت أرمينيا بورقة اتفاقية الدفاع المشترك مع موسكو.

اقرأ أيضاً: كيف تتفكك القوة الأمريكية وتنتهي هيمنة القطب الأوحد بلا عودة؟

بينما تتحرك أنقرة كما لو كانت غير مقيدة بأي مخاوف من الوباء أو ارتباطات باتفاقيات مع القوى الدولية الأخرى، وقد بدا تلويحها باستخدام القوة مضاعفاً في خطاباتها الأخيرة؛ أي أنها ستفعل “ما هو ضروري أياً كان”، أملاً في استعادة أذربيجان لإقليم كاراباخ؛ وهو ما بدا كتهديد أصيل. وقد أبدى الرؤساء ورؤساء الحكومة الأتراك في ما سبق شيئاً من ضبط النفس، إلا أن أردوغان لا يبدو كذلك. ولدينا على الأقل تقرير واحد يزيد من مخاوفنا تجاه الوضع؛ وهو التقرير الذي أنكرته تركيا وينبئ بتجنيد أنقرة مقاتلين سوريين؛ لإرسالهم للحرب بجانب أذربيجان.

وسيمنح الشروع في تجنيد مقاتلين أجانب القضية بُعداً خطيراً بشكل غير مسبوق، وها نحن أمام منطقة غير مستقرة تفتح ذراعَيها للمتطرفين بأجنداتهم الخاصة، وذلك يهدد ما تبقى من الاستقرار في منطقة الشرق الأوسط، ويجر معه أزمة إنسانية جديدة؛ لا سيما موجة جديدة من اللاجئين، الأمر الذي لا يمكن لأحد السيطرة عليه في هذا التوقيت الحرج.

كريستا جوف- أستاذة التاريخ بجامعة ميامي

ما زالت الأزمة تتطور بسرعة بالغة، وبات واضحاً أن القتال في ناغورنو كاراباخ سيستمر لفترة أطول من المعتاد، وستصبح حالة العنف التي نراها هي الأكثر قوة من بين الحروب التي حدثت منذ زمن طويل. ويستدعي الأمر الكثير من القلق؛ ففي الوقت الذي يعاني فيه الناس في تلك المنطقة من العالم خطر الجائحة ويشعرون بصعوبة العيش وانعدام الأمان، نجد أن أرمينيا وأذربيجان تواجهان حرباً أخرى مكتملة مطردة النمو، تهدد نحو 300000 مواطن يعيشون على مقربة من خط الجبهة.

ولدى أذربيجان ما يمكن أن تربحه بتصعيد الحرب مقارنةً بوضع أرمينيا؛ فمنذ قرار وقف إطلاق النيران عام 1994، أصبحت منطقة ناغورنو كاراباخ على أرض الواقع منطقة حكم ذاتي. ومن الجدير بالذكر أيضاً أن الأرمينيين كانوا قد سيطروا على نحو 7 أقاليم متجاورة من الأراضي الأذرية، ولا تملك الحكومة الأرمينية في يريفان أي دوافع لتصعيد الوضع أو تغيير الأوضاع الحالية. أما بالنسبة إلى الحكومة في باكو، فالأمر مختلف تماماً، وعلينا أن نتذكر أن أذربيجان كانت قد تمكنت من زيادة قدراتها العسكرية وعلاقاتها الجيوستراتيجية مقارنة بتسعينيات القرن الماضي.

وقد يبدو السؤال عن وضع تلك الحرب في ضوء القوى الإقليمية الأخرى سؤالاً قليل الأهمية في بادئ الأمر؛ لكن مع وجود نية للتدخل لدى بعض تلك القوى الخارجية يصبح الأمر شديد الاختلاف، حيث يمثل كل من اللاعبين الدوليين قطباً بحد ذاته؛ خصوصاً مع وجود رجل مثل أردوغان بسياسته الخارجية التي أصبحت تزداد عنفاً وصرامةً خلال الفترة الأخيرة.

عناصر المرتزقة الذين أرسلتهم تركيا للقتال في ناغورنو كاراباخ- “أسوشييتد برس”

وأظهرت أنقرة، في السابق، دعماً سياسياً لأذربيجان؛ لكنها مع ذلك كانت حريصة على اتباع حالة من ضبط النفس. ويبدو أن الأمر قد تغير الآن؛ فقد بدَّلت أنقرة من سياساتها، رغبةً في توسيع نفوذها بالمنطقة، وتجلى ذلك في المناورة العسكرية المشتركة التي خاضتها مع القوات الأذرية في يوليو الماضي؛ وهي المناورة الأكبر في التاريخ المشترك للعسكريتَين التركية والأذرية.

وحدث ذلك مباشرةً بعد اندلاع الصراع مع أرمينيا، كما دعت أنقرة الحكومة الأرمينية إلى إخلاء الأرض التي (احتلتها) في أذربيجان. وهنالك أيضاً التقارير الصحفية التي أطلقها عدد من الصحفيين والباحثين الموثوقين، والتي تشير إلى وصول عدد من المقاتلين السوريين والمدعومين من أنقرة إلى الجبهة في أذربيجان.

اقرأ أيضاً: الجشع وعقدة الأرمن يحركان أردوغان في أذربيجان

وبلا شك، يحاول كل من روسيا وأرمينيا تجنب تفاقم الوضع؛ ولا ينبغي لأيٍّ من الطرفَين أن تصل الأمور إلى النقطة التي تصبح فيها اتفاقية الدفاع المشترك الروسية- الأرمينية موضع تهديد. وفي الوقت نفسه، تحتفظ روسيا بعلاقتها مع كلتا الدولتَين، وبينما تمد كلاً منهما بالسلاح، تجد نفسها مرتبطة بالتزامات ترجع إلى اتفاقيتها العسكرية مع أرمينيا.

وعلينا أن نتذكر كذلك قاعدتها الجوية هناك، كما أن أرمينيا نفسها لا ترغب في منح روسيا المزيد من التنازلات، وهنا يبدو أن أفضل شخص يمكن أن تُجرى من خلاله المفاوضات وصولاً إلى وقف إطلاق النيران هو الرئيس الروسي فلاديمير بوتين؛ لكن ما الوعود التي يمكن أن يمنحها لعلييف للوصول إلى تلك النقطة، هل عليه أن يتعهد بأشياء من شأنها أن تجعل المحادثات الدبلوماسية أوفر حظاً من تلك التي تَلَت هدنة 2016؟ هذا ما سوف تفصح عنه الأيام القادمة.

مايكل كوفمان مدير برنامج الدراسات الروسية بمؤسسة الـ”سي إن إيه” وزميل معهد كينان

لم يُذكر أن حادثاً ما قد استجد من شأنه أن يشعل الصراع مجدداً في منطقة ناغورنو كاراباخ، ولا يمكن وصف ما حدث إلا باعتباره خطوة عدائية من جانب أذربيجان ومدعومة من قِبل تركيا، وذلك على أمل استعادة بعض المناطق من يد الأرمينيين. وقد بدَت الحكومة في باكو في حالة من الإحباط تجاه افتقاد أرمينيا الرغبة في التفاوض، وصاحب ذلك اشتعال مفاجئ للمشاعر الوطنية لدى الناس؛ خصوصاً بعد الصدامات التي حدثت مطلع يوليو الماضي.

ولا يخفى على أحد تورط تركيا في دعم أذربيجان؛ حيث منحتها الكثير، بدايةً بالطائرات من دون طيار، وصولاً إلى المقاتلين المرتزقة والمستشارين. وقد بقيت الطائرات التركية في أذربيجان بعد انتهاء المناورة العسكرية المشتركة في يوليو الماضي، بينما حرصت روسيا على اكتساب رضا الطرفين؛ لكن هذا الأمر لا ينفي اعتبارها الحليف الرئيس لأرمينيا.

وعلى الرغم من أن موسكو ترى أن دورها هو الحفاظ على استقرار المنطقة؛ فإنها ستتأثر لا شك إذا ما قام أحد الجانبَين بتوجيه استفزازات عنيفة إلى الجانب الآخر، والاحتمال الأقرب هو أن تعمل موسكو على الوصول إلى وقف لإطلاق النار قبل أن تتمكن أذربيجان من الحصول على مكاسب مُعتبرة.

الرئيس التركي خلال لقائه الأمين العام لحلف الناتو ينس ستولتنبرغ في أنقرة لبحث الوضع في إقليم ناغورنو كاراباخ.. أكتوبر 2020- “فرانس برس”

ويبدو أن اهتمام تركيا ينصب على انتصار أذربيجان في تلك المعركة، وهي لا تهتم على أية حال بتحقيق التوازن والاستقرار في المنطقة، كما أنها لا تطمح للعب دور صانع السلام، وكلتا الدولتَين تعلم أن روسيا مستهلَكة بشكل كبير في مشكلة بيلاروسيا؛ وهي لذلك سترغب في إنهاء الحرب بدلاً من التورط فيها. ولإنهاء تلك الأزمة، يجب على الأذريين الهروب من العاصفة، وليس هنالك متسع من الوقت.

وعلينا أن نتذكر طبيعة التضاريس الجبلية لتلك المنطقة. فعلى الرغم من قيام أذربيجان بشن حملة كبيرة لاكتساب أكبر عدد ممكن من المتعاطفين والعلاقات العامة؛ فإن قواتها قد عانت الكثير من الخسائر خلال الفترة الماضية. ومن المتوقع أن يتعافى الأرمينيون من تداعيات الهجوم الذي تعرضوا إليه، ومن ثمَّ يتمكنون من استرجاع المناطق التي استولت عليها أذربيجان؛ ما قد ينتج عنه تهيئة الأرض لعملية السلام، الأمر الذي قد يحدث في الغالب خلال أيام قلائل، ومع ذلك تظل هنالك احتمالية قائمة لأن يستمر القتال هذه المرة لفترة أطول من أي وقت مضى.

أوسكانا أنتونينكو مدير مجموعة تحليل المخاطر العالمية وزميل مركز ويلسون للأكاديميين الدوليين

من الصعب أن نحدد كيف بدأ القتال بين الجانبَين؛ فلم يكن هنالك مراقبون دوليون أو أفراد حفظ سلام على مقربة من اندلاع الأحداث، وكالعادة يلجأ كل من الأذريين والأرمينيين إلى اتهام بعضهما البعض بالمسؤولية عما حدث. وبينما اتهم بعض القادة أذربيجان بتصعيد الأوضاع؛ من بينهم الرئيس الفرنسي ماكرون، هناك قادة آخرون على الجانب المعاكس يتهمون أرمينيا؛ رجب طيب أردوغان على سبيل المثال.

ويبدو أن هذا التصعيد بين البلدَين يختلف بشكل كبير عن نزاعاتهما السابقة؛ فهو يظهر لنا باعتباره تصعيداً مفتعلاً للأزمة أكثر من كونه يعود إلى محض المصادفة. وقد أعلن كلا الجانبَين التعبئة العامة، في إشارة إلى استعداد الدولتَين للدخول في حربٍ طويلة؛ بما يصاحب ذلك من استخدام أسلحة ثقيلة وطائرات عسكرية وطائرات من دون طيار، ما سيجعل من هذه المعركة بالذات أمراً بالغ الخطورة، على الرغم من تشابهها في بعض الأمور مع النزاعات السابقة بين البلدَين.

اقرأ أيضاً: نزاع ناغورنو كاراباخ ومؤشرات فنون الحرب الجديدة

وستتطابق تلك الحرب مع سابقاتها في أمور عدة؛ فأذربيجان ستسعى بلا شك لاستعادة أجزاء من منطقة ناغورنو كاراباخ بالقوة، ما يستلزم طرد أرمينيا واستعادة الأقاليم المحتلة من بين يدَيها؛ وهو ما يعني أن أذربيجان على الرغم من تفوقها في المعدات الحربية وتعداد المقاتلين، فإنها لا تستطيع استعادة ناغورنو كاراباخ -بالمناطق المحتلة المحيطة بها- دفعة واحدة؛ وهي لذلك ستلجأ إلى طريقة الغزو المتقطع من وقت لآخر، لاستعادة الأرض قطعة قطعة.

وهذه المرة، تبدو عملية استرجاع الملكية ذات ثمن باهظ لكلا الجانبين؛ فهناك وفرة من الخسائر التي تم الإبلاغ عنها بالفعل، وهناك كذلك قتال عنيف ينتظر الطرفَين سيستمر لبعض الوقت. وعلى الرغم من طموح أذربيجان حول استخدام القوة العسكرية، التي من شأنها أن تدفع الجانب الأرميني للجلوس إلى مائدة المفاوضات والوصول إلى حل وسط؛ فإن تاريخ الأزمات الأخرى يشي بأمر آخر. فتوفُّر الثقة بين الجانبَين هو الكفيل بدفع عملية السلام والحفاظ عليها، لا التوازن العسكري.

رؤساء كل من أرمينيا وروسيا وأذربيجان خلال اجتماع في مدينة سوتشي الروسية.. 2014- موقع الرئاسة الأرمينية

وقد ظلَّ الرئيس التركي رجب طيب أردوغان، داعماً قوياً لأذربيجان، وطالما آمن بحق الأذريين في استخدام القوة العسكرية لاستعادة أراضيهم، وكانت تركيا قد منحت أذربيجان مساعدات عديدة على مستوى التدريب العسكري والمعدات الحربية؛ لكن لم يسبق لها أن تدخلت بشكل مفتوح في أوقات تصاعد النزاع.

كما اتهم كل من روسيا وفرنسا الجانب التركي بدعم الأذريين في هجومهم الحالي بالسلاح والمقاتلين المرتزقة، وإذا ما استمرت تركيا في إذكاء نيران الصراع؛ فإنها ستعرِّض نفسها لإفساد علاقاتها بكلٍّ من موسكو وبروكسيل، في الوقت الذي تعاني فيه تلك العلاقات توترات عميقة؛ بسبب سياسات أنقرة الخارجية في كل من سوريا وليبيا وشرقي البحر المتوسط.

اقرأ أيضاً: أردوغان يجر أوروبا من أنفها!

وعلى مسؤولي منظمة الأمن والتعاون في أوروبا (مجموعة مينسك) أن يقوموا بالعمل على كلا الجانبَين بما فيهما تركيا؛ لإرساء حالة مستقرة من وقف إطلاق النار جنباً إلى جنب مع مراقبة التنفيذ. وبعد ذلك، على كلا الجانبَين إرساء معايير لبناء الثقة، وعلى كل طرف أن يُظهر قدراً من طمأنة الآخر قبل أن يعودا إلى مائدة المفاوضات.

وما زال بإمكان الولايات المتحدة أن تلعب بعض الأدوار لإعادة الاستقرار إلى تلك المنطقة؛ لكنَّ فشلاً ما كان يلاحق الجهود الأمريكية لإحلال السلام في إقليم ناغورنو كاراباخ، بما فيها اتفاقية السلام التي عُقدت عام 2001 تحت رعاية أمريكا نفسها؛ الأمر الذي يمنحنا صورة جيدة عن مدى تعقُّد الوضع هناك، ويقلل من احتمالات حل تلك الأزمة الصعبة والمستعصية في المستقبل القريب.

المصدر: مركز ويلسون للدراسات

اتبعنا على تويتر من هنا

تعليقات عبر الفيس بوك

التعليقات

مقالات ذات صلة