الواجهة الرئيسيةترجماتشؤون دولية

كيف يرى الخبراء الانسحاب الأمريكي من أفغانستان؟

أصدر المجلس الأطلسي للدراسات تقريراً يحمل آراء عدد من خبرائه الذين قضى العديد منهم سنوات طوالاً في خنادق السياسة الأفغانية

تلخيص: كيوبوست

جينيفر كاون

مع ورود الأنباء عن فرار الرئيس أشرف غني، من البلاد، واندفاع الولايات المتحدة لإجلاء موظفيها من كابول بشكلٍ عاجل، بينما يعمل القادة الأفغان على تشكيل حكومة انتقالية، تجلت الحقيقة المروعة أنه وبعد عقدَين من الوجود العسكري، وإنفاق نحو 2 تريليون دولار، باءت كل جهود واشنطن لبناء الدولة بالفشل.

اقرأ أيضاً: “طالبان” تستولي على طائرات عسكرية أمريكية.. فهل يشكل ذلك خطراً حقيقياً؟

ومن المرجح أن يؤدي ما يحدث إلى عواقب بعيدة المدى؛ ليس فقط على أفغانستان، بل على السياسة الخارجية الأمريكية والعالم. من هنا أصدر المجلس الأطلسي للدراسات تقريراً يحمل آراء عددٍ من خبرائه، الذين قضى العديد منهم سنواتٍ طوالاً في خنادق السياسة الأفغانية، وكيف يرون هذه التطورات التاريخية.

  • كارثة على كل المستويات

كان قرار الانسحاب مبرراً، وقد أيدته مثل كثيرين ممن قاتلوا هناك؛ حيث كانت هناك فجوة شاسعة بين أفغانستان التي تتحدث عنها دوائر السياسة، وبين هشاشة المؤسسات التي كنا نبنيها على الأرض. غير أن الكارثة تكمن في طريقة تنفيذ القرار، وبالأخص صدوره من قِبل الإدارة التي تم الإشادة بها لحرفيتها وخبرتها الطويلة. فقد أسقط هذا التخطيط الفاشل العديدَ من الضحايا؛ منهم المترجمون الذين لن يستطيعوا الفرار أبداً، والجنود الأفغان الذين يحاولون الاختباء، والنساء والأطفال الذين تُركوا الآن بلا مستقبل.

نازحون أفغان في قندهار بعد اندلاع اشتباكات في مناطقهم واستيلاء “طالبان” عليها- “أسوشييتد برس”

وقد تشكلت ملامح أسوأ فشل لنا منذ البداية، مع محاولتنا إنشاء حكومة مركزية قوية متعددة الأعراق للسيطرة على البلد بأكمله، وهو شيء لم يكن موجوداً من قبل في التاريخ الأفغاني. وكانت الاستراتيجية الأكثر واقعية، وإن كانت متشائمة، تتمثل في تعزيز الميليشيات العرقية لترسيخ كابول وشمال أفغاني قويَّين، ثم الاعتماد على الحلفاء المحليين والزعماء التقليديين لإبقاء “طالبان” خارج المقاطعات المجاورة، غير أن ذلك لم يحدث على النحو المنشود.

– أندرو بيك؛ زميل برنامج الشرق الأوسط التابع للمجلس الأطلسي للدراسات. وشغل سابقاً منصب نائب مساعد وزير الخارجية لشؤون إيران والعراق في وزارة الخارجية الأمريكية.

  • لا تنخدعوا بمبادرات “طالبان”

في خطوةٍ تعكس تفكيراً استراتيجياً بارزاً، أعلنت “طالبان” استعدادها لإجراء انتقال سلمي للسلطة في أفغانستان؛ الأمر الذي استقبله المجتمع الدولي بتنهيدة ارتياح. لكن ذلك لا يجب أن يدفعنا للتخلي عن حذرنا، فهذا ليس التزاماً نبيلاً على أية حال. إنه مجرد تخطيط يُكسِب “طالبان” الوقت لتعزيز مكاسبها من الاجتياح السريع لعواصم المقاطعات الأفغانية.

اقرأ أيضاً: إمارة أفغانستان الإسلامية.. المأساة تبدأ من جديد

وهو تكتيك لتجنب الإدانة الدولية، وتفادي صدور أي قرار طارئ من مجلس الأمن التابع للأمم المتحدة، وضمان لاستمرار توزيع المساعدات؛ حتى لا يتم إلقاء اللوم على الحركة في نشوب أزمةٍ إنسانية. ويمثل علي جلالي اختياراً حكيماً لرئاسة الحكومة المؤقتة؛ حيث لوحظ تحليه بضبط النفس واستخدامه الكفاءات خلال فترة توليه منصب وزير الداخلية، عندما ثار الجدل بأن رجلاً قوياً فقط هو الذي يمكنه فرض النظام في أفغانستان.

أعضاء الوفد السياسي لحركة طالبان خلال مؤتمر صحفي في موسكو- روسيا.. يوليو 2021- “أسوشييتد برس”

وخلال مدة عمله كأستاذٍ في مركز الشرق الأدنى وجنوب آسيا للدراسات الاستراتيجية بجامعة الدفاع الوطني، قام جلالي بتثقيف عسكريين ودبلوماسيين من الولايات المتحدة والشرق الأوسط، بخصوص ساحة الأحداث الأفغانية، بموضوعية ودون انسياق للعاطفة.

وبالتالي سيكون جلالي وسيطاً نزيهاً. وعلينا أن نتوقع مفاوضات مطولة حول تقاسم السلطة وتوزيع الضرائب والموارد والحقائب الحكومية. وكذلك استمرار مشاركة “طالبان” في المحادثات حول تشكيل الحكومة من أجل تأجيل عقوبات الأمم المتحدة ضدها بسبب انتهاكات حقوق الإنسان؛ لكن ليس علينا توقع المزيد.

– كريستين فونتينروز؛ مديرة مبادرة “سكوكروفت” الأمنية للشرق الأوسط في المجلس الأطلسي للدراسات، ومسؤولة سابقة في الأمن القومي الأمريكي.

  • كيف نتجنب كارثة إنسانية؟

اكتمل انتصار “طالبان” في أفغانستان بالفعل. وقد كانت سرعة انهيار الحكومة المركزية وجيشها مذهلة للغاية، وسينتج عنها تحليلات لا نهاية لها حول الخطأ الذي حدث، وعلى مَن يقع اللوم. لكن الوضع الحالي يتطلب الانتباه الفوري للحد من وقوع كارثة إنسانية ضخمة.

اقرأ أيضاً: د.زاهد شهاب لـكيوبوست“: الجيش الأفغاني افتقد الحافز للقتال في وجه “طالبان

لقد أصبح فشل شركاء أفغانستان من الأمريكيين والأوروبيين في حمايتها من “طالبان” واضحاً بالفعل؛ لكن هذا الشعور بالذنب سوف يتفاقم إذا فشلت هذه الدول في تسهيل عمليات الإجلاء الجماعي لأولئك المعرضين بشكلٍ مباشر إلى تهديد “طالبان”. ويجب إلغاء القيود البيروقراطية التي لا طائل من ورائها، والتي تعرقل إجراءات تأشيرات اللاجئين والتأشيرات الخاصة، كما يجب رفع الحد الأقصى لعدد طالبي اللجوء من أفغانستان.

مواطنون أفغان يحاولون التسلل عبر مطار حامد كرزاي الدولي مع سقوط كابول في أيدي “طالبان” أفغانستان 2021- “رويترز”

فلطالما فهم مَن هم خارج فقاعة واشنطن خواء التصريحات الأمريكية حول الديمقراطية وحقوق الإنسان؛ لكن الضرر طويل الأمد الذي لحق بمصداقية الخطاب الأمريكي جراء تلك الكارثة سيظل ملموساً لسنواتٍ قادمة. وقد يكون الإعلان القاسي لإدارة بايدن، في أبريل الماضي، بمثابة القشة التي قصمت ظهر البعير؛ لكن كل إدارة أمريكية منذ عام 2001 مذنبة بالمثل، ويجب أن تخضع للمساءلة.

– عرفان نور الدين؛ مدير مركز جنوب آسيا التابع للمجلس الأطلسي للدراسات، وأستاذ في كلية الخدمة الخارجية بجامعة جورجتاون.

  • اختيار بايدن الخاطئ

يعد قرار الانسحاب السريع والكامل للولايات المتحدة بمثابة تتويج لخطأ الرئيس بايدن الاستراتيجي، وبالتالي الفشل في القيام بالتخطيط اللازم لمنع الانهيار الكارثي للحكومة الأفغانية. وعلى الرغم من حجة الإدارة الأمريكية بقولها إن الرئيس لم يكن يملك خياراً أفضل؛ فإنه كان لديه خيار آخر بالفعل.

اقرأ أيضاً: نهاية الحرب في أفغانستان وخيبة أمل المحاربين القدامى

فقد أثبتت القوات الأفغانية استعدادها للقتال والموت، منذ توليها قيادة العمليات القتالية عام 2014؛ حيث حققت طفرة قتالية من خلال التدريب والدعم من القوات الأمريكية، وكذلك المتعاقدين المحترفين الذين قدموا الخدمات اللوجستية الأساسية، إضافة إلى الاستخبارات والدعم الجوي؛ حيث تعلموا القتال بالمهارات والتكتيكات والإمكانات التي قدمناها لهم.

الرئيس جو بايدن أثناء إلقاء ملاحظات حول سحب القوات الأمريكية من أفغانستان في واشنطن العاصمة يوليو 2021- “بلومبرغ”

وقد قدم الدعم الأمريكي الطمأنينة والثقة بشكلٍ حاسم إلى أن أثار اتفاق الدوحة المعيب التساؤل عما إذا كانت أمريكا تدعم القوات المسلحة الأفغانية، كما كانت الحال خلال العقد الماضي. غير أن قرار الانسحاب بهذا الشكل سيضر بأمن الولايات المتحدة وحلفائها، والمنطقة بأسرها، إلى جانب تضرر مصداقية القيادة الأمريكية.

ولا شك أن كل محاولات الادعاء بأن هذا الخروج المهين من أفغانستان سيقوي يد الإدارة الأمريكية في التعامل مع التحديات الروسية والصينية، تبدو جوفاء. وبصرف النظر عن الدين الأخلاقي الذي ما زلنا ندين به للشعب الأفغاني لمساعدته على تجاوز العاصفة قدر الإمكان، فقد يكون التحدي الاستراتيجي الأكبر في المستقبل هو تآكل الثقة في القيادة والالتزام الأمريكيَّين.

– جيمس كننغهام؛ زميل بارز في مركز جنوب آسيا للدراسات، وسفير سابق للولايات المتحدة في أفغانستان.

  • تهديد أمني أسوأ مما قبل 11 سبتمبر

بالنظر إلى المستقبل، يجب على الولايات المتحدة وشركائها السابقين في التحالف تعديل سياساتهم وموقفهم لحماية مصالح الأمن القومي، في ظلِّ أفغانستان المسيطر عليها من قِبل “طالبان”؛ والتي يمكن أن تكون أكثر خطورة مما كانت عليه في التسعينيات، خصوصاً بعد 11 سبتمبر 2001؛ حيث تشكل أفغانستان، بقيادة “طالبان” التي توفر للإرهابيين العالميين البارعين في مجال التكنولوجيا ملاذاً آمناً لتجنيد أتباع جدد عن بُعد، مستوى من التهديد الأمني مختلفاً عما كان عليه من قبل.

مقاتلو “طالبان” يستعرضون قوتهم بعد استيلائهم على عربة من طراز “همفي” تابعة للجيش الأمريكي أغسطس 2021- “بي بي سي”

وعلى نطاقٍ أوسع، يتعين على الولايات المتحدة إجراء مراجعة سياسة عاجلة للكيفية التي قد تؤثر بها أفغانستان تحت قيادة “طالبان” على المنافسة بينها وبين الصين، ثم تطوير سياسات محددة تغطي نطاقاً واسعاً من القضايا ذات الصلة، بدءاً من الوصول إلى المعادن النادرة، ووصولاً إلى النفوذ الإقليمي. ولا ينبغي الاستهانة بالتأثيرات المترتبة على استيلاء “طالبان” على التحالفات الأمنية الأمريكية والشراكات العالمية.

وأخيراً، وربما الأكثر أهمية، يجب الانتباه إلى أن الولايات المتحدة قد غزَت أفغانستان لغرضٍ واحد هو تحييد “القاعدة” ومنع استخدام البلاد كقاعدة إرهابية، وليس لبناء دولة جديدة تشبهها. وقد تم إنجاز تلك المهمة؛ لكن تلا ذلك توسع هائل في الأهداف. وفي التدخلات المستقبلية، يتعين على التحالفات التي تقودها الولايات المتحدة التركيز على الأهداف ذات الأولوية القصوى القابلة للتحقيق، وألا تسمح بتوسع تلك الأهداف في إطار روح “بينما نحن هنا”.

– باري بافيل؛ مدير مركز “سكوكروفت” للاستراتيجيات والأمن في المجلس الأطلسي للدراسات.

  • كشف أخطاء “الحرب على الإرهاب”

سارع معارضو قرار الرئيس بايدن بإنهاء أطول حرب أمريكية، إلى تحميله مسؤولية المأساة التي تتكشف الآن في أفغانستان؛ لكن هذه المأساة كانت مقبلة منذ وقتٍ طويل. وستكون المأساة الأكبر إذا فشلنا في تعلم الدروس الصحيحة منها. ومعاً، يجب أن نلتزم بعدم تكرار هذه الأخطاء مرة أخرى.

جنود أمريكيون يقومون بتقييد رجل أفعاني مشتبه في ارتباطه بتنظيم القاعدة.. كابول أفغانستان 2002- وكالات

ومن غير المرجح أن يغير الشعب الأمريكي -بما في ذلك الأغلبية العظمى من الرجال والنساء الذين حاربوا في أفغانستان- رأيه بشأن الحرب؛ فقد خلصوا منذ فترة طويلة إلى أن التكاليف تفوق الفوائد. ومن الواضح أن مؤيدي الحرب الأمريكية التي لا يمكن توقع إلى متى ستستمر، يعتقدون عكس ذلك؛ لكن يتعين عليهم أن يدركوا فشلهم في صياغة استراتيجية مستدامة يمكن أن تحظى بدعمٍ شعبي واسع النطاق أو لديها فرصة معقولة للنجاح على مستوى الجهد الذي كان الأمريكيون على استعداد لتحمله.

ومع اقترابنا من الذكرى السنوية العشرين لهجمات الحادي عشر من سبتمبر، سوف يثير النقاد شبح الأعمال الإرهابية المستقبلية المخطط لها من داخل أفغانستان للتشكيك في قرار الرئيس بايدن، إلا أن هذه الحجة قد فُقد صداها أيضاً؛ حيث إن الادعاء بأن الإرهابيين يحتاجون إلى ملاذ مادي آمن للتخطيط للهجمات، وأن أفغانستان مهيأة على نحو فريد لتكون ذلك الملاذ، تدحضه الحقائق.

اقرأ أيضاً: أربعون عاماً حزينة تتوج “طالبان” حاكماً على أفغانستان عشية الـ11 من سبتمبر

– كريستوفر بريبل؛ المدير المشارك لمبادرة المشاركة الأمريكية الجديدة في مركز “سكوكروفت” للاستراتيجيات والأمن.

  • هل تضررت مصداقية الولايات المتحدة إلى الأبد؟

إن الإحباط الذي شعرت به الإدارة الحالية والإدارتان السابقتان إزاء “الحرب الأبدية” في أفغانستان، هو أمر مفهوم؛ لكن الإحباط ليس أمراً تُبنى عليه السياسات. فقبل قرار الرئيس بايدن سحب القوات الأمريكية والمتعاقدين معها، بدا الوضع في أفغانستان وكأنه قد وصل إلى طريق مسدود. وربما لم يكن هناك أي سبل لإلحاق الهزيمة بـ”طالبان” في الأمد القريب. فماذا يعني فشل الولايات المتحدة في أفغانستان؟

الرئيس بوش خلال خطبته في جلسة مشتركة للكونغرس لوضع خطط الحرب ضد الإرهاب.. سبتمبر 2001- أرشيفية

لا شك في أن الولايات المتحدة، وكذلك الحكومات الأخرى التي كان لديها قوات في أفغانستان، لديها التزامات تجاه الآلاف من الأفغان الذين عملوا معنا ومع حلفائنا على مدى سنواتٍ عديدة. فقد وثقوا بنا، وعلينا الآن العمل لإنقاذهم. وقد تكون القوات الأمريكية في كابول قادرة على توفير مخرج لهروب شركائنا، وليس فقط لمواطنينا الأمريكيين.

فقد أطاحت الولايات المتحدة بـ”طالبان” عام 2001 لسببٍ وجيه -حيث كنت في البيت الأبيض في 11 سبتمبر 2001- وعلينا أن نعي حقيقة أن يعيد خطر الوجود الإرهابي نفسه مرة أخرى. كما يتعين على البيت الأبيض أن يكون مستعداً للتصرف ضده؛ فما يحدث في أفغانستان لا يظل بالضرورة في أفغانستان، ولا يمكن للولايات المتحدة أن تتهرب من العواقب الإقليمية والأمنية المترتبة على انتصار “طالبان”.

وهذا يعني العمل مع جيران أفغانستان -حتى إيران- إلى أقصى حد ممكن -وخصوصاً باكستان التي آوت “طالبان” لسنواتٍ؛ لأسبابٍ خاصة بها- من أجل احتواء الضرر؛ لكن ماذا سيكون الضرر الذي قد يلحق بمصداقية الولايات المتحدة في مختلف أنحاء العالم؟ سوف يكون هناك بعض الأضرار، تماماً كما حدث بعد انهيار جنوب فيتنام عام 1975. ومن المؤكد أن الروس والصينيين، سوف يسعون للحصول على مكاسب من الفوضى في أفغانستان.

القوات الأمريكية خلال تنفيذ غارة على أحد معاقل “طالبان” بالتعاون مع جنود أفغان (يساراً) 2013- “سي إن إن”

ولكن كما حدث أيضاً في فيتنام، فإن انهيار السياسة الأمريكية في أفغانستان لا يعني أن التزامات الولايات المتحدة الأمنية ودعمها -تجاه حلف شمال الأطلسي أو آسيا أو الشرق الأوسط- لا قيمة له. كما أنه لا يعني على سبيل المثال أن الكرملين لديه الضوء الأخضر لشنِّ هجماتٍ جديدة على أوكرانيا، أو غيرها من شركاء الولايات المتحدة من خلال الوسائل العسكرية أو الطاقة أو كليهما.

بل إن هذه الكارثة تسلط الضوءَ على الاختلافات بين التحالفات في أوروبا، والأجزاء الأكثر تقدماً من آسيا والشرق الأوسط، والبِلدان التي تكون فيها المؤسسات ضعيفة والحكومات تفتقر إلى التأييد الشعبي. فخلال الحرب الباردة، وجدت الولايات المتحدة أنه لم يكن من السهل تطبيق النموذج الناجح للتحالفات والتنمية في جميع أنحاء أوروبا وشمال شرق آسيا. ولم يكن سقوط فيتنام يعني أن الضمانات الأمنية الأمريكية تجاه ألمانيا لا قيمة لها.

اقرأ أيضًا: جاسم تقي لـ”كيوبوست”: واشنطن تخلت عن الرئيس الأفغاني لفشله.. والجيش لم يدعمه

وعلى النحو نفسه تقريباً، فإن سقوط أفغانستان في أيدي “طالبان” لا يعني أن واشنطن سوف تفشل في الدفاع عن بولندا أو كوريا الجنوبية، حيث تتمركز قواتنا، أو الدفاع عن البلطيق؛ حيث تتمركز قوات حلفائنا في حلف شمال الأطلسي. وتلك البلدان متماسكة ومستعدة أيضاً للدفاع نفسها. إنه وقت عصيب للاستراتيجية الأمريكية. ويتعين على إدارة بايدن أن تفعل الصواب تجاه أصدقائها الأفغان وأن تحتوي الضرر، كما يتعين عليها طمأنة حلفائها في جميع أنحاء العالم بأن أقوالها يمكن أن تدعمها الأفعال.

– دانيال فرايد؛ زميل في المجلس الأطلسي للدراسات، ومدير سابق في مجلس الأمن القومي.

  • الفائز الأكبر هو “القاعدة”

يُعتبر انسحاب إدارة بايدن من أفغانستان الخبر المنتظر لتنظيم القاعدة منذ عقود. ومع عودة “طالبان” إلى السلطة في البلاد، بات من المؤكد تقريباً أن تنظيم القاعدة سوف يُعيد تأسيس ملاذ آمن في أفغانستان، ويستخدمه للتخطيط لشنِّ هجماتٍ على الولايات المتحدة. وقريباً سوف تجد الجماعة الإرهابية المسؤولة عن أحداث الحادي عشر من سبتمبر، نفسها متخمة بالنقود المنهوبة من البنك المركزي الأفغاني، والأسلحة التي استولت عليها من الجيش الأفغاني المهزوم، والمقاتلين المحررين من السجون.

مؤيدو “طالبان” خلال تجمع حاشد في قرية بالقرب من الحدود الأفغانية/ الباكستانية 2007- “أسوشييتد برس”

وسوف يتكشف كل هذا مع التدهور الشديد لقدرات الولايات المتحدة الاستخباراتية في أفغانستان. ومع غياب أي وجود عسكري أو دبلوماسي على الأرض، سيكون من الصعب للغاية مراقبة تنظيم القاعدة وهو يعيد تشكيل نفسه، ويدرب ويخطط لشن الهجمات. ومع تمركز الطائرات دون طيار والمقاتلين الأمريكيين الآن على بعد مئات الأميال في الخليج، فسوف يكون من الصعب للغاية القضاء على الإرهابيين في ساحة المعركة حتى عندما يمكن تحديد مواقعهم.

– ناثان ساليس؛ زميل أول في مبادرة أمن الشرق الأوسط وبرامج الشرق الأوسط وسفير أمريكي متجول سابق ومنسق مكافحة الإرهاب.

  • لا يجب منح الصين وروسيا الفرصة لاستغلال هذه النكسة

كل من تابع ما يحدث في أفغانستان على مدار العقد الماضي كان يعلم أن هذه بالضبط هي الطريقة التي ستسير بها القصة سواء انتهت قبل أو بعد 10 سنوات؛ على الرغم من أننا كنا نأمل عكس ذلك. وسيستنتج الكثيرون، وهم على حق، أن خروج الولايات المتحدة كان من الممكن أن ينفذ بشكلٍ أفضل؛ لكن من الصعب تخيل حجة مقنعة للبقاء لأكثر من 10 أعوام بعد مقتل أسامة بن لادن في باكستان، وما يقرب من 20 عاماً بعد هجماته المخطط لها على الولايات المتحدة.

اقرأ أيضًا: مقالة نشرت عام 1989 للرئيس الأفغاني أشرف غني بعد الانسحاب السوفييتي

وإذا كان تحييد التهديد الذي يشكله تنظيم القاعدة وحرمانه من الملاذ الآمن في أفغانستان هو معيار النجاح، لكان بإمكان واشنطن وحلفائها مغادرة البلد قبل عقد من الزمن دون الشعور بالغثيان الذي نشعر به الآن بشكلٍ جماعي من جهدنا الفاشل في بناء الدولة.

وفد “طالبان” في الدوحة وقد حضر اجتماعاً في موسكو عقب الجولة الأخيرة من محادثات السلام 2019- وكالة “الأناضول”

وقد تأخر لبعض الوقت التركيز على محور المنافسة الاستراتيجية طويلة الأمد مع الصين، واعترفت إدارتا ترامب وبايدن أن جهودنا المطولة في أفغانستان كانت بمثابة تشتيت انتباه للولايات المتحدة عن ذلك التحول الضروري. لكن بوسعنا أن نتوقع أن تستغل الصين وروسيا هذا الحدث استراتيجياً؛ من أجل إضعاف مكانة الولايات المتحدة في العالم، وتقويض زعامتها لنظام السوق الحرة العالمي.

وبالتالي كان يجب القيام بكل ذلك، ليس فقط لأنه الشيء “الصحيح”؛ ولكن لأن الولايات المتحدة بحاجة إلى منع أن تكون أطول حرب لها بمثابة دراسة الحالة التي تستخدمها الصين وروسيا لإقناع بقية العالم بأنهما الشريكان الأفضل. غير أنه لا ينبغي لنا أيضاً أن نسمح للاعبين الإقليميين الآخرين بجرِّ الولايات المتحدة مرة أخرى لخدمة مصالحهم. وسوف نحتاج إلى الانضباط؛ حتى نتمكن من التركيز على التهديد المتمثل في المنافسة الاستراتيجية طويلة الأمد مع الصين.

– أرون آير؛ زميل أول بمركز الاستراتيجيات والأمن التابع للمجلس الأطلسي للدراسات. ترك حياته المهنية في مجال الخدمات المالية، واتجه للخدمة العسكرية والحكومية بعد هجمات 11 سبتمبر 2001.

  • لماذا لم يكن “الأمل” كافياً لإنقاذ أفغانستان؟

الأمل ليس سياسة خارجية جيدة. ورغم أن هذا قد يبدو بديهياً؛ فإن الأحداث الأخيرة تشير إلى أن الموضوع يستحق المزيدَ من النظر. فقد بُني قرار إدارة بايدن بالانسحاب من أفغانستان على أمل أن الخدمات العسكرية والأمنية الأفغانية قد تتحمل المسؤولية؛ لكن الأمل مفهوم غير مسؤول لنؤسس عليه السياسة الخارجية؛ خصوصاً عندما يكون من المسلم به على نطاق واسع في دوائر الأمن القومي أن الأفغان ليسوا مستعدين لذلك.

أحد مشاة البحرية الأمريكية يوفر المياه لطفل أثناء عملية إجلاء في مطار حامد كرزاي الدولي.. كابول أغسطس 2021- “رويترز”

ومع اقتراب الذكرى العشرين لأحداث الحادي عشر من سبتمبر بسرعة، فإن التخلي عن أفغانستان يترك البلاد في وضعٍ أسوأ مما كانت عليه عندما وصل فريق جوبريكر التابع لوكالة الاستخبارات المركزية الأمريكية إلى شمال أفغانستان للمشاركة مع التحالف الشمالي. ففي عام 2001 على الأقل، كانت هناك معارضة جديرة بالثقة لحركة طالبان؛ والتي لم يعد وجود لها اليوم.

وفي الأيام الأخيرة، لم تضمن الآمال استعداد قادة الميليشيات التقليدية لإعادة التعبئة والدفاع عن مناطقهم في الشمال من هجوم “طالبان” المتوقع. فهل كانت إدارة بايدن تأمل أن يتمكن هؤلاء القادة التقليديون على نحو ما من التوصل إلى حل لهذه المشكلة؟ ولماذا لم تقدم لهم أي دعم في الأيام والأسابيع والأشهر التي سبقت انسحاب قوات التحالف؟ كلها أسئلة نحتاج إلى الإجابة عنها، غير أن السؤال الأكثر مأساوية هو: لماذا ستعاني نساء أفغانستان أكثر من غيرهن؟

فتيات أفغانيات يحضرن فصلاً دراسياً في كابول بعد سقوط “طالبان” 2006- “سي إن إن”

لقد كان كل يوم تبقى فيه الولايات المتحدة وشركاؤها في أفغانستان هو يوم آخر تتمكن فيه الفتيات والنساء من الذهاب إلى المدارس، والجامعات، والعمل، والتنقل بحرية للقيام بالمهام وزيارة الأسرة والأصدقاء. وعلى مرِّ السنين، أصبح هناك المزيد من المحظوظات؛ بما يكفي للاعتقاد في اعتبار حقيقة أن لديهن القدرة على التحكم في حياتهن، وفي القرارات التي يتخذنها، أمرٌ مفروغ منه.

وكان ذلك نجاحاً كبيراً للمجتمع الدولي؛ فقد أمسى الواقع الذي عايشته أمهاتهن وجداتهن في الثمانينيات والتسعينيات من القرن العشرين أشبه بحلمٍ سيئ، ولن تكون الحياة التي سيرغمن على عيشها. والآن، ومع عودة “طالبان” إلى السلطة في أفغانستان، ستتغير حياة النساء إلى الأبد.

 اقرأ أيضًا: ماذا تعني عودة “طالبان” إلى السلطة في أفغانستان؟

فالقيود المفروضة على مَن يمكنه علاج النساء ستقلِّل بشدة من حصولهن على الرعاية الطبية الأساسية، وستحد من التدخلات الممكنة في حالات العنف المنزلي. وسوف تكون النساء ضحايا للعديد من التغييرات المجتمعية؛ في حين أن أولئك اللائي يعملن من أجل الدفاع عنهن من المحتمل أن يتعرضن إلى القتل أو السجن على يد “طالبان”، مع أقل قدرٍ من الاهتمام برد فعل المجتمع الدولي.

♦زميلة أولى في مبادرة الدفاع بمركز الاستراتيجيات والأمن، التابع للمجلس الأطلسي للدراسات.

المصدر: المجلس الأطلسي للدراسات

اتبعنا على تويتر من هنا

تعليقات عبر الفيس بوك

التعليقات

مقالات ذات صلة