الواجهة الرئيسيةشؤون دوليةشؤون عربية

كيف يدمر الصراع والإرهاب الحضارة البشرية؟

يعتبر نهب الإرث الثقافي تجارة غير شرعية يصل حجمها إلى مليارات الدولارات.. ويغذِّي الجريمة المنظمة ويسهم في تمويل الإرهاب

كيوبوست

في عام 2011، وفي خِضمّ الفوضى في اليوم الذي عُرف بـ”جمعة الغضب” بالقاهرة، أثار تجمُّع الجماهير المصرية وتكوينهم درعاً بشرية لحماية المتحف المصري انبهارَ العالم؛ كان مشهد الأيدي المتشابكة للمصريين تعبيراً مؤثراً عن ضرورة حماية الكنوز الأثرية لحضاراتنا البشرية، حتى في أحلك الظروف. ومع ذلك، وعلى الرغم من كل الجهود؛ فإن الجهات المختصة أعلنت بعد أسبوعين من الحادث تعرُّض 18 قطعة أثرية إلى النهب من المتحف، إضافة إلى الإضرار بأكثر من 70 قطعة أثرية أخرى.

يعتبر نهب الإرث الثقافي تجارة غير شرعية يصل حجمها إلى مليارات الدولارات؛ ويغذِّي الجريمة المنظمة ويُسهم في تمويل الإرهاب، كما أنه يحرم المجتمعات من تاريخها وثقافاتها اللذين لا يُقدران بثمن. وبطبيعة الحال، يسهم الصراع وعدم الاستقرار في ازدهار الاتجار بالممتلكات الثقافية وتدمير المواقع الأثرية والمحميات الطبيعية.

تدمير متعمَّد

تتعرض الآثار في اليمن إلى النهب والتهريب منذ ما قبل الصراع؛ لكن المشكلة تفاقمت منذ انقلاب الحوثيين وانزلاق البلاد في حرب مدمِّرة. ومنذ السنوات الأولى للحرب، تكشف التقارير باستمرار عن تدمير ونهب وبيع المخطوطات والقطع الأثرية؛ منها على سبيل المثال لا الحصر، قيام ميليشيات الحوثي بعملية تهريبٍ لواحدة من أقدم نسخ القرآن الكريم المحفوظة في الجامع الكبير بصنعاء، والتي كانت قد كُتبت على جلد غزال. وقد تم بيع النسخة لرجل أعمال إيراني مقابل 3 ملايين دولار أمريكي. كما اتُّهم الحوثيون أيضاً بتسهيل تهريب نسخة تاريخية من التوراة إلى إسرائيل يعود تاريخها إلى قبل نحو 500 عام.

اقرأ أيضاً: اكتشاف أدوات حجرية عمرها 8000 عام في جنوب اليمن

وفي العام الماضي، طلب اليمن من الولايات المتحدة المساعدة في مكافحة تهريب القطع الأثرية التي يتم تهريبها من اليمن، والتي يعود تاريخ بعضها إلى ما يقرب من 4000 عام. وقدَّم وزير الثقافة اليمني، أثناء زيارته إلى واشنطن، تقريراً يشرح بالتفصيل أعمال النهب في متحف عدن الوطني، ومتحف تعز الوطني، والمتحف الوطني في زنجبار، وأُرفق التقرير بقائمة لأكثر من 1600 قطعة مفقودة من المتاحف؛ وهو رقم يستثني بالطبع أعداداً هائلة أخرى من القطع الأثرية غير المسجلة، والتي يتم العثور عليها أو استخراجها من مواقع أثرية في مختلف أنحاء البلاد.

رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو مع يهود يمنيين يحملون مخطوطة أثرية للتوراة هُرِّبت من اليمن

تسبب الصراع في اليمن في تسهيل عمل تجار القطع الأثرية الذين يعملون بدوافع مختلفة؛ منها الفقر المدقع، وكذلك استغلال الجماعات الإرهابية والمتمردين لهذه التجارة غير المشروعة من أجل تمويل أنشطتهم؛ إذ يُعد التنقيب عن الآثار وبيعها أحد مصادر الدخل السريع للجماعات الإرهابية. وفي حين أن هذه جريمة شنيعة، فإن الأبشع من ذلك هو تعمُّد تدمير القطع الأثرية والمواقع التاريخية لأسبابٍ عقائدية، أو لأجل الدعاية، كما فعل تنظيم الدولة الإسلامية عندما نهب ودمَّر مدينة نمرود الآشورية الأثرية بشمال العراق؛ وهي المدينة التي يعود تأسيسها إلى القرن الثالث عشر قبل الميلاد. وكذلك قيام تنظيم الدولة الإسلامية بتدمير معبدَين أثريَّين في مدينة تدمر السورية، بالإضافة إلى تحطيم قوس النصر بهذه المدينة التاريخية الأثرية.

تمويل الإرهاب

استطاع تنظيم الدولة الإسلامية الحصول على مبالغ مالية ضخمة من العمل في مجال القطع الأثرية في العراق وسوريا. ووفقاً لمسؤولين عراقيين، تمكنت الجماعة من كسب 100 مليون دولار من تجارة الآثار سنوياً. وقد حقق التنظيم إيراداته من خلال بيع القطع بشكل مباشر، أو من خلال الحفارين والمهربين وغيرهم من العاملين في تجارة الآثار؛ بما في ذلك السكان المحليون، وذلك من خلال فرض ضريبة الخُمس أو الـ20 في المئة على الآثار المستخرجة؛ وهو ما يُعرف في الشريعة الإسلامية بـ(الركاز)، والذي بموجبه يحصل الشخص الذي يعثر على الآثار (الركاز) على 80 في المئة، بينما يحصل الوالي على 20 في المئة لصرفها في ما تُصرف فيه غنيمة الحرب.

اقرأ أيضاً: دعماً للإرث الإنساني.. الإمارات تجدد “إحياء روح الموصل”

تؤدي دولٌ مثل تركيا ولبنان دور دول العبور وإعادة التصدير أو التهريب للآثار العراقية والسورية المنهوبة قبل أن تصل وجهاتها النهائية الشائعة في أوروبا والولايات المتحدة، وذلك بعد رحلة طويلة في السوق السوداء بدول العبور ودول المورِد عبر شبكة معقدة من المصادر والوسطاء المحليين والمصدرين قبل أن تصل إلى المستلمين النهائيين أو البيع عبر المزادات أو الإنترنت. ولا توفر هذه التجارة دخلاً سريعاً للجماعات الإرهابية لتمويل عملياتهم وأنشطتهم فحسب؛ بل تمنحهم أيضاً القدرة على الاستثمار والاستمرار، وهو ما يجعلهم مصدر تهديد مستقبلي بالجريمة وغسيل الأموال والإرهاب؛ حتى إن تم القضاء على أنشطتهم الراهنة في الدول المتأثرة.

اقرأ أيضاً: المتحف البريطاني.. أكبر مقتنٍ للقطع الأثرية المسروقة في العالم

ولا يقتصر التأثير القبيح للصراع والإرهاب على تدمير ونهب الآثار فقط؛ بل يمتد أيضاً إلى الحياة البرية النادرة؛ ففي بوركينا فاسو، غرب إفريقيا، قامت الجماعات الإرهابية الإسلامية مؤخراً بتحويل محمية طبيعية للحياة البرية إلى ساحة معركة وملاذ آمن لهم ولتدريباتهم؛ مُعرِّضين الحيوانات المهدَّدة بالانقراض، كالأسود والفِيلة، إلى الخطر. وفي حضرموت، جنوب اليمن، يتسبب ضعف جهات إنفاذ القانون في مقتل السلاحف الخضراء؛ بسبب إقبال بعض السكان على ذبحها وتناول لحومها وبيضها. وتعتبر السلاحف الخضراء من الحيوانات المهدَّدة بالانقراض.

تؤدي المواقع الأثرية والمحميات الطبيعية دوراً مهماً في حفظ التراث الإنساني العالمي والوطني؛ فهي ثروات لا تقدر بثمن؛ لما لها من دور في حفظ الكائنات والسجلات التاريخية التي لا تُعوَّض للأجيال القادمة والحضارة الإنسانية والحياة البرية. كما أنها مصدر مهم للدخل في بعض البلدان من خلال السياحة؛ فعلى سبيل المثال، بلغت عائدات السياحة في سوريا في عام 2010م؛ أي قبل الحرب الأهلية التي اندلعت في عام 2011م، نحو 8 مليارات دولار، ووصل عدد السياح إلى 8.5 مليون سائح.

مجموعة من المصريين يطوقون المتحف المصري لحمايته من النهب أثناء اضطرابات الثورة 2011م

ربما تصبح حماية الإرث الحضاري أقل أولوية في بلدان الصراع؛ وهو أمر يجب أن يدفع المجتمع الدولي والدول المتطلعة لأدوارٍ عالمية مشرفة إلى بذل جهود مضاعفة لإنهاء الصراعات، ومناهضة التطرف والإرهاب والجريمة، ورفع الوعي العالمي بأهمية الحفاظ على تراثنا الإنساني الفريد.

اتبعنا على تويتر من هنا

تعليقات عبر الفيس بوك

التعليقات