الواجهة الرئيسيةترجماتشؤون دولية

كيف يخترق أردوغان الجالية التركية في فرنسا؟

ترجمات-كيوبوست

 تشعر السلطات الفرنسية بالقلق المتزايد إزاء الطموحات السياسية والدينية للرئيس التركي رجب طيب أردوغان، في فرنسا، وذلك رغم انتكاسته الأخيرة في انتخابات إسطنبول.

في مارس الماضي، وفي أثناء لقائه عددًا من المثقفين بمناسبة ما يُعرف باسم “النقاش الكبير”، حذَّر الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون، مما وصفها لعبة تركيا بشأن قضية العلمانية، قائلًا: “يجب أن ننجح في توضيح الأمور مع تركيا؛ لأن المشروع التركي، كما هو عليه اليوم، هو مشروع سياسي ديني”، وهناك شعور متزايد بأن الرئيس التركي يرغب في التأثير على الحياة السياسية والاجتماعية الفرنسية.

لم يخفِ حزب العدالة والتنمية منذ إمساكه بزمام الأمور في مارس 2003، رغبته في السيطرة على الهياكل المجتمعية القائمة في الخارج؛ لنشر أيديولوجية إسلامية محافظة من خلال الأتراك الموجودين في الشتات.

هذا التأثير أصبح ممكنًا بفضل الجمعيات التي أسهم في إنشائها بعض الأتراك في الخارج؛ خصوصًا أولئك الذين أتوا لأسباب اقتصادية في السبعينيات وتجمعوا حول جمعيات ومراكز منظمة للغاية؛ مثل جمعية الصداقة الفرنسية- التركية، والمركز الفرنسي- التركي.. وغيرهما.

اقرأ أيضًا: تركيا تبحث عن 18 مليار دولار في ليبيا

تأثير ديني

وبغض النظر عن الاسم، يدور العمل والتنظيم حول نفس الهدف، وبتمويل جزئي من تركيا؛ مثل إنشاء مسجد يؤمه شخص يُعتمد من الدولة التركية (يوجد مئة وواحد وخمسون إمامًا معتمدون من أنقرة، ويشرف عليهم الاتحاد التركي الإسلامي للشؤون الدينية في باريس)، أو إنشاء مقهى، أو تجهيز بعض الغرف أو القاعات التي تنظم فيها دورات لدراسة القرآن، والدروس الخصوصية لأطفال المدارس. المهم أن معظم أشكال الحياة الاجتماعية تمارس هنا خصوصًا بالنسبة إلى الأتراك الذين لا يجيدون اللغة الفرنسية.  

ومنذ نحو عامَين يتولَّى أحمد أوغراس (Ahmet Ogras)، فرنسي من أصول تركية ومعروف بقربه من أردوغان، منصبًا رمزيًّا، هو رئيس المجلس الفرنسي للديانة الإسلامية، وهو الأمر الذي يحمل بين طياته دلالات تشير إلى الأهمية التي توليها السلطة التركية لهذه الهيئة.

في فبراير من عام 2018، رفض أوغراس ما وصفها “وصاية الدولة” الفرنسية على الإسلام؛ في إشارة إلى تصريحات للرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون، قال فيها إنه “يعمل على إعادة تعريف العلاقات بين الإسلام والدولة”. وقال أوغراس: “يجب على كل شخص الالتزام بدوره”، معتبرًا أن “الديانة الإسلامية هي عقيدة؛ ولذلك فهي تهتم بشؤونها الخاصة”.

تأثير سياسي

في السنوات الأخيرة، ازدادت محاولات الضغط التركي على السياسة الفرنسية. ففي عام 2012، قاد اتحاد الديمقراطيين الأتراك- الأوربيين، وهو امتداد سياسي لحزب العدالة والتنمية في القارة العجوز، حملة عنيفة ضد مشروع القانون الذي يُعاقب على انكار الإبادة الجماعية للأرمن. وعشية التصويت، استجاب 15000 تركي لدعوة هذا الاتحاد إلى التظاهر ضد ما وصفوه بـ”الاستفزاز”.

في الآونة الأخيرة، عارض مجلس العدل والمساواة والسلام، والذي يقدم نفسه كمنظمة دولية غير حكومية، وبشدة، التعديل الذي اقترحه مجلس الشيوخ الفرنسي؛ لمنع الأمهات المحجبات من مرافقة الأطفال بعد خروجهم من المدارس.

وقال المجلس، في بيان رسمي: “دعونا نعبِّئ ضد القانون الوحشي الذي يحظر الأمهات المحجبات من مصاحبة أطفالهن”.

بالنسبة إلى الهيمنة التركية، فإن الأمر لا يتعلق بتحديات أيديولوجية فقط، بل بتحديات سياسية وانتخابية أيضًا؛ فمنذ عام 2014، يحق للمواطنين الأتراك في الخارج التصويت في الانتخابات وتشكيل احتياطي ثمين من الأصوات.

في فرنسا مثلًا، هناك 700000 شخص من أصل تركي في فرنسا، يشارك منهم في الانتخابات 320000 شخص، تميل غالبيتهم إلى تأييد حزب العدالة والتنمية. وفي الانتخابات الرئاسية لعام 2014، فاز أردوغان بنسبة 66٪ من الأصوات في فرنسا، مقارنةً بـ51.79٪ فقط في تركيا.

تأثير إعلامي

لا تتوانى أنقرة في تمرير الرسائل إلى الجاليات التركية عبر دعم بعض وسائل الإعلام من مواقع وصحف إلكترونية ناطقة بالفرنسية وتروج لخطاب السلطة. وبينما لا يزال الجيلان الأول والثاني من أتراك فرنسا حريصَين على متابعة التليفزيون التركي الخاضع لسيطرة السلطة، عمدت تركيا إلى تعيين مئة وثمانين معلمًا لتعليم اللغة التركية لأطفال المدارس، وبعد نحو خمسة عشر عامًا لوحظ جنوح هؤلاء المعلمين إلى “التمسك بالقيم الدينية بشكل أكبر، والترويج لخطاب يبتعد بشكل واضح عن العلمانية”، وهي ملاحظة منسوبة إلى غاي بيتيك (Petek Gaye)، وسيجولين ديبارSégolène Débarre، في كتابهما الصادر أخيرًا تحت عنوان “تاريخ الأتراك في فرنسا”.

 اقرأ أيضًا: “إخوان الأردن” مرحب بهم في تركيا

خوف وحذر

منذ محاولة الانقلاب على أردوغان في عام 2016، لا يجرؤ عديد من المعارضين على الذهاب إلى المساجد التي تديرها الدولة التركية؛ حيث بدأ كثيرون باستشعار رقابة تركية تتصل مباشرة بالسفارة أو القنصلية على الجالية، وهناك محاولة لاستنساخ أشكال القمع الموجودة في تركيا، كما يقول باسكال تور (Pascal Torre)، المسؤول في الرابطة الدولية للحزب الشيوعي الفرنسي.

ويشعر بذلك الأكراد أيضًا، والذين استهدفهم النظام منذ فترة طويلة، كما أكد أجيت بولات (Agit Polat)، المتحدث الرسمي باسم المركز الديمقراطي الكردي في فرنسا، والذي كان ضحية تهديدات بالقتل والترهيب، وعلى حد قوله تم اعتقال أحد أقاربه في تركيا، وقاموا باستجوابه من قِبَل أجهزة المخابرات في إزمير “سألوه حول أصدقائي في فرنسا والنشاطات التي أقوم بها هنا”.

والأمر لا يتعلق فقط بمَن يمارسون نشاطًا سياسيًّا؛ بل إن الفرنسيين من أصول تركية يبدون حذرين للغاية بشأن ما يقولون خارج دائرة الأسرة، خصوصًا على مواقع التواصل الاجتماعي، والتي من السهل مراقبتها، فهم يخشون من عدم قدرتهم على العودة إلى تركيا بسبب كلمة أو جملة هنا أو هناك.

بديل طارق رمضان

ما يثير القلق هو أنه في بعض الضواحي الباريسية لم يعد أردوغان فقط الشخص الذي يدافع عن الجالية التركية، ولكن أيضًا المغاربية ضد ما يقولون إنه “القمع الذي يعانيه المسلمون” عبر استعادة فكرة الإسلاموفوبيا أو “رهاب الإسلام” في فرنسا. فبرأي هؤلاء الشباب أردوغان هو المدافع المتحمس للقضية الفلسطينية، والذي أخذ المكان الذي تركه طارق رمضان شاغرًا.

“هؤلاء شباب تتراوح أعمارهم بين 25 و30 عامًا، يرون في أردوغان تلك الشخصية الجذابة والأخ الأكبر الذي لم يجدوه في فرنسا، ولا حتى في بلدانهم الأصلية”، كما أكد أنيل سفتسي (Anil Ciftci)، الرئيس السابق لجمعية للشباب التركي في فرنسا.

المصدر: لو إكسبريس

اتبعنا على تويتر من هنا

تعليقات عبر الفيس بوك

التعليقات

مقالات ذات صلة