الواجهة الرئيسيةترجماتشؤون دولية

كيف يتوقع العلماء المجاعة قبل حدوثها؟

كيوبوست- ترجمات

ماريا باولا روبيانو

دفعت أزمة الغذاء التي بدأت تلوح في الأفق، مؤخراً، الصحفية ماريا روبيانو، إلى كتابة مقال نشره موقع “بي بي سي”؛ تستعرض فيه الجهود التي بذلها العلماء للتنبؤ بالمجاعات قبل حصولها.

وتستعرض روبيانو إنجازات العلم في هذا المجال من خلال معاناة المواطنة الكولومبية ياديرا غونزاليس؛ التي اضطرت فجأة إلى إطعام 15 شخصاً إضافياً من أقارب زوجها الذين عادوا من فنزويلا التي هاجروا إليها منذ عقود؛ هرباً من بلدهم المنهار.

لم تكن غونزاليس الوحيدة التي استقبلت ضيوفاً من فنزويلا، وبدأت الماشية تختفي من المنطقة التي تعيش فيها؛ والتي تضم 2500 قرية يعيش فيها سكان كولومبيا الأصليون؛ حيث أظهرت صور الأقمار الصناعية ومحطات الأرصاد الجوية المحلية أن الأمطار لن تهطل هذا الموسم، وإذا لم تصل مساعدات عاجلة فإن المجاعة ستكون وشيكة. وهذا ما حدث بالفعل.

في يونيو 2018، قامت مجموعة من منظمة الأغذية والزراعة (الفاو) وبرنامج الغذاء العالمي، بزيارة المجتمعات المحلية، حيث وجدت أن الهجرة الجماعية من فنزويلا قد زادت متوسط عدد الأسرة بمعدل أربعة أشخاص، بينما أدى الجفاف إلى انخفاض إنتاج المحاصيل واللحوم والألبان إلى النصف تقريباً. وأدى ازدياد عدد الأيدي العاملة إلى انخفاض الأجور. أدركت المنظمات أنها بحاجة إلى التحرك قبل أن تصل الأزمة إلى ذروتها، وتم وضع استراتيجية من أربع خطوات؛ تضمنت تأهيل 18 بئراً وتوزيع البذور والإرشادات، وتأمين الأدوات للمزارع المحلية، وإرسال فرق بيطرية لتحصين ومعالجة قطعان الماشية.

اقرأ أيضاً: الأزمة بين الماضي والحاضر.. كيف جوَّع ستالين الملايين خلال المجاعة الأوكرانية؟

قالت غونزاليس: “لقد سمحت لنا المساعدات؛ ليس فقط بالحصول على الغذاء، بل علمت أطفالنا وشبابنا تقدير أراضينا”.

تقول روبيانو إن هذا النوع من التدخل لمعالجة الأزمة قبل اندلاعها هو استجابة جديدة لأزمات الجوع الحادة. وبدلاً من التركيز على توزيع المساعدات الغذائية والنقدية، يعمل هذا النوع من التدخل على بناء قدرات الناس على الصمود في وجه الصدمات الطارئة والمستقبلية.

وقد أصبحت هذه التدخلات ممكنة بعد المجاعة المدمرة التي قتلت نحو مليون شخص في إثيوبيا في منتصف الثمانينيات؛ والتي دفعت مجموعة من علماء الأرض والمناخ والمهندسين الزراعيين ومحللي البيانات إلى العمل معاً لضمان ألا تفاجئ المجاعة العالم مرة أخرى. وقد نجحت جهودهم في إعطاء الحكومات تحذيرات قبل أشهر من وقوع المجاعات، كما حدث عام 2016 قبل موجة الجفاف التي ضربت القرن الإفريقي؛ مما أسهم كثيراً في التخفيف من آثارها على سكان المنطقة.

نساء كولومبيات يراقبن نمو المحاصيل في مركز تدريب زراعي- “بي بي سي”

في مطلع القرن الماضي، بدأ جيلبرت ووكر، عالم الرياضيات البريطاني المهووس بالإحصائيات، بالعمل على تنبؤ موجات الجفاف بعد 26 عاماً على تسببها في أسوأ مجاعة شهدتها الهند على الإطلاق. يقول كريس فونك، مدير مركز المخاطر المناخية في جامعة كاليفورنيا: “إلى اليوم ما زلنا نسير على خطى ووكر ونكمل ما شرع هو في القيام به”.

إن توقع موجات الجفاف ليس بالمهمة السهلة؛ إذ يتطلب الأمر مراقبة التغيرات العالمية الكبيرة، مثل درجات حرارة الرياح وسطح البحر وتقلبات الضغط الجوي، وفي الوقت نفسه متابعة المتغيرات المحلية الصغيرة؛ مثل رطوبة التربة وتدفق الأنهار ودرجات الحرارة المحلية.

اقرأ أيضاً: مدغشقر على حافة المجاعة

وللحصول على نتائج أفضل؛ قام فريق فونك بتطوير استراتيجية ذات اتجاهَين، الأول يتضمن الحصول على بيانات من الأقمار الاصطناعية الأوروبية التي تجمع معلومات الطقس في أوروبا وإفريقيا منذ الثمانينيات لرسم خريطة لتاريخ الأمطار في إفريقيا، وفي الوقت نفسه تجميع بيانات وكالات الأرصاد الجوية المحلية، وإقامة شراكات مع الباحثين والعلماء الميدانيين والوكالات الحكومية الأمريكية والإفريقية. واليوم يتلقى الفريق معلومات من 2000 محطة حول العالم ويتم تحديث بياناته كل يومَين.

قتلت المجاعة قرابة مليون شخص في إثيوبيا في الثمانينيات- “بي بي سي”

وبفضل هذه البيانات، يقوم مركز المخاطر المناخية بإرسال تقرير كل خمسة أيام إلى شركائه في الحكومة الأمريكية والوكالات الإنسانية والدولية؛ يتضمن خرائط النقاط الساخنة في إفريقيا وآسيا وأمريكا الوسطى مع معلومات وتوقعات لهطول الأمطار للأيام الـ15 و30 و60 المقبلة، ويقارن كمية هذه الأمطار مع السنوات السابقة. وبناء على هذه التقارير يقوم مسؤولو الوكالات الحكومية الأمريكية ومحللو الأمن الغذائي بتوقع أسعار المواد الغذائية والصدمات الاقتصادية المحلية والنزاعات المسلحة في أكثر من 35 دولة؛ للمساهمة في توجيه كيفية إنفاق ما يقارب أربعة مليارات دولار سنوياً من ميزانية المعونات الغذائية.

اقرأ أيضاً: كارثة نقص الغذاء القادمة

بالإضافة إلى تقديم المساعدات الطارئة في أوقات الأزمات، يمكن للمنظمات الإنسانية مساعدة الناس على التكيف مع الجفاف على المدى الطويل. وتشير الكاتبة إلى أن التعامل مع المجاعة والجوع يتم تقليدياً على أنهما مسألتان منفصلتان، وغالباً ما تتركز الاستجابة لمجاعة على توفير المساعدات اللحظية، بينما تميل برامج مكافحة الجوع إلى الارتباط بمشروعات التنمية.

وتشير الإحصاءات إلى أن 86% من أموال المساعدات الإنسانية ذهبت على مدى عدة سنوات إلى عشر دول استمرت فيها الأزمات. ومع ذلك بقيت المساعدات سنوية وقصيرة المدى. وتبقى الاستجابة الأفضل هي التدخل المبكر وبناء القدرات لمواجهة الطوارئ على المدى الطويل. وقد قدرت الوكالة الأمريكية للتنمية أن التدخلات المبكرة من شأنها أن توفر ملايين الدولارات، وقالت إنه يمكن توفير 2.6 مليار دولار من المساعدات المقدمة إلى زامبيا وكينيا وإثيوبيا على مدى الخمسة عشر عاماً المقبلة؛ من خلال الجمع بين التدخلات المبكرة والتحويلات النقدية الصغيرة للعائلات، لبناء قدراتها الذاتية على مواجهة الطوارئ.

وتختم روبياني مقالها بالإشارة إلى قول فونك: “الجفاف يبحث عن فرصة لإحداث المزيد من الخراب، وإذا تمكنا من زيادة قدرة الناس على مواجهته خلال التنبؤ، فإنه سيكون أقل كارثية”.

المصدر: بي بي سي

اتبعنا على تويتر من هنا

تعليقات عبر الفيس بوك

التعليقات

مقالات ذات صلة