ترجماتثقافة ومعرفةملفات مميزة

كيف وظف ضعفاء المجتمع في أثينا القديمة النميمة في الانتقام من الخصوم؟

النساء والعبيد والأجانب والفقراء استخدموا النميمة كسلاح لمواجهة الأقوياء

ترجمة كيو بوست عن مجلة بيغ ثينك الثقافية

شهدت الملاحم الأدبية اليونانية القديمة قصصًا عظيمة عن الأبطال الذين انتصروا على أعدائهم من خلال القوة الجسدية الفائقة مثلما حصل عندما قتل أخيل هيكتور، أو من خلال توظيفهم الخداع والتنكر مثلما حصل مع ميديا الذي سمم الملابس وقتل كريون وابنته انتقامًا لمقتل جيسون، بحسب ما يوثق الأدب اليوناني. ولكن كيف يمكن أن يحدث الانتقام حينما يفتقر الشخص إلى القوة الجسدية أو القدرات السحرية؟

كانت النساء من ذوات المكانة المنخفضة أو من دون الروابط العائلية القوية من أضعف الفئات في المجتمع القديم، لكنهنّ استخدمنّ سلاحًا قويًا في مواجهة العدو: النميمة.

اقرأ أيضًا: اكتشاف علمي جديد: النميمة شيء جيد!

تعمل الشائعات على إحياء “القيل والقال”، وإحياء القصص الميتة؛ ففي ملحمة هوميروس مثلًا، يُقال إن الشائعات كانت سببًا في حشد الجيوش، من أجل الحرب.

ولمح الخطيب الأثيني البارز في القرن الرابع أسخينس إلى المسائل التي تنتشر بشكل عفوي في المدينة. كان يُعتقد بأن القدماء من جميع الفئات: رجالًا ونساءً، أحرارًا وعبيدًا، صغارًا وكبارًا، ينغمسون في النميمة، ويضمنون انتقالها على نطاق واسع بين أعضاء المجتمع. وفتح هذا التوسع الكبير في انتشار المعلومات قنوات لصالح الضعفاء وأصحاب المراتب الدنيا في المجتمع.

ورغم أن أرسطو قال إن النميمة في كثير من الأحيان تكون هواية تافهة وممتعة، إلا أنه يوضح أن النميمة قد يكون لها نوايا خبيثة، عندما يتحدث بها شخص تعرض للظلم.

جرى اعتبار هذا الاستخدام للكلمات كسلاح فعال في يد المظلومين، وهو أمر له أهمية خاصة عند التفكير في كيفية استخدام الأثينيين للنميمة في المحاكم القانونية، لأن قضايا المحاكم كانت تعتمد بشكل كبير على تقييم شخصية المتهم في قضية ما، بدلًا من استخدام أدلة دامغة.

اقرأ أيضًا: 10 صفات تكشف عن الامرأة الواثقة بنفسها: هل تتمتعين بها؟

وفي غياب القضاة المحترفين، كان هدف المظلومين والضعفاء هو تشويه سمعة خصومهم في نظر المحلفين، وتقديم أنفسهم على أنهم مواطنون جيدون.

كان المتقاضون القدماء يخافون من النميمة، ولذا عرفوا كيفية استخدامها من أجل الانتصار في قضاياهم: الكذب وتشويه صورة الخصوم.

بحسب ما توارد من كتب قديمة، توصل الباحثون إلى أن الأماكن العامة والأسواق كانت مفيدة جدًا لنشر الشائعات الكاذبة، التي كانت تهدف إلى تشويه صورة الخصوم، بسبب الحشودات التي تتواجد هناك.

في إحدى الحالات التي كتبها ديموسثنس، يزعم ديودوروس أن أعداءه ينشرون معلومات كاذبة عن طريق إرسال بعض الأشخاص إلى الأسواق، ونشر أقوال معينة، بهدف تحريك الرأي العام لصالحهم.

واتهم ديموسثنس خصمه ميدياس بنشر شائعات خبيثة. ويقال إن كاليماخوس قد قال مرارًا وتكرارًا للحشود بأن خصمه عامله بشكل قاس رغم أن هذا لم يحدث. في هذه الحالات، كان هدف الشائعات الرئيس هو نشر معلومات كاذبة داخل المدينة، بهدف توليد انطباع سيء عن الخصوم، من أجل كسب القضايا القانونية.

اقرأ أيضًا: 9 أسباب تدفعك للوقوع في حب “أثينا”

كانت المحاكم الأثينية تقتصر على الرجال، ولذلك اضطرت النساء إلى الاعتماد على الأقارب من الذكور في هذه القضية.

وفي هذا الشأن، يصف أحد الأشخاص حادثة تتعلق بسلوك عنيف ضد امرأة أجنبية مقيمة في المدينة، تدعى زوبيا. وكانت زوبيا قد ساعدت رجلًا عندما وقع في مشكلة، لكن عندما استعاد الرجل قوته، أساء لها جسديًا، وهددها ببيعها في سوق الجواري. ولأنها امرأة أجنبية، لم يكن لزوبيا الحق في الوصول إلى المحاكم، فاستفادت من القنوات غير الرسمية من خلال إخبار معارفها بقصص سوء معاملتها على يد الرجل. وهكذا، نجحت تلك الامرأة في الحصول على حقها من خلال نشر قصتها.

وحتى لو لم تحصل الامرأة على حقها، كان يمكن لها أن تستخدم النميمة في تحقيق شكل من أشكال الانتقام عبر تشويه صورة الخصم في المدينة.

قصة أخرى كتبها المؤرخون تحكي عن رجل قتل رجلًا آخر لأنه علم أنه على علاقة مع زوجته بحسب ما يدعي. يقول القاتل إن امرأة عجوز ظهرت قرب بيته وأخبرته بقصة زوجته مع هذا الرجل، الأمر الذي يقدم له ذريعة قانونية لقتل الرجل. وبحسب الكتابات، لم تأت هذه العجوز من تلقاء نفسها، بل جاءت من عشيقة الرجل المقتول السابقة. ويظهر هذا الجزء من القصة أن الامرأة المهجورة، الغاضبة من عشيقها الذي تركها، استخدمت النميمة بشكل مقصود من أجل التخلص من حبيبها السابق. وهكذا، حثت هذه الامرأة الفقيرة الضعيفة رجلًا قويًا لقتل حبيبها، انتقامًا لنفسها بعد أن شعرت بأنه ظلمها. وبالتالي، تمكنت الامرأة الضعيفة من الانتقام بفعل قوة النميمة التي حبكتها.

اقرأ أيضًا: تعرّف إلى أكثر النساء إجرامًا وترويعًا على مر التاريخ

وهكذا، يمكن القول إن الأثينيين كانوا مدركين لقوة الاستخدام الذكي للشائعات، لشن الهجمات على أعدائهم، وقد استخدموا النميمة بعناية من أجل تشويه صورة الخصوم في المحاكم القانونية.

تنتشر النميمة بشكل واسع في المجتمع، دون إدراك المصدر الحقيقي، وهكذا لعبت الجهات الضعيفة في المجتمع على هذا الوتر. وبهذه الطريقة، تمكن الضعفاء وغير المواطنين والعبيد والنساء من الوصول إلى القنوات القانونية في محاولاتهم للانتقام من أولئك الذين ظلموهم.

المصدر: بيغ ثينك

تعليقات عبر الفيس بوك

التعليقات

مقالات ذات صلة