الواجهة الرئيسيةترجمات

كيف نَجَت طواقم الرعاية الصحية في إيطاليا من الجائحة؟

كيوبوست- ترجمات

صوفيا بيتيزيا

لعبت طواقم التمريض حول العالم دوراً حيوياً في المساعدة في مكافحة “كوفيد-19″؛ ولكنّ العاملين في هذا المجال دفعوا ثمناً باهظاً على الصعيدَين الجسدي والنفسي.

وقد تجلى ذلك بأوضح صوره في إيطاليا، التي كانت أول دولة أوروبية يجتاحها الفيروس عام 2020، ومن أولى الدول التي تفرض إغلاقاً شاملاً في كل أنحاء البلاد.

اقرأ أيضاً: “كورونا” في إيطاليا.. هل ما زلنا قادرين على التضحية؟

بمناسبة يوم التمريض العالمي (والذي يحتفل العالم به في الثاني عشر من مايو)، يشرح العاملون في حقل الرعاية الصحية كيف تمكنوا من التعامل مع صدمة العام الماضي والتغلب عليها.

ولادة طفلته ساعدت باولو ميراندا على التعامل مع الإرهاق واضطرابات ما بعد الصدمة- “بي بي سي”

نحمل بداخلنا كل ما رأيناه

باولو ميراندا؛ الممرض في قسم العناية المركزة في أحد مشافي مدينة كريمونا الإيطالية، والذي قرَّر في العام الماضي توثيق الواقع المؤلم في قسمه من خلالِ الصور، يقول: “لم أتخيل أنني سأسترجع حياتي”. وأظهرت الصور كيف كان زملاؤه يتعاملون مع الموجة الأولى من الجائحة التي أصبحت “الوضع الطبيعي الجديد”، وكيف توقف الناس عن النظر إليهم كأبطال. يضيف ميراندا: “لا أريد أبداً أن أنسى ما مررنا به، قريباً سيصبح الأمر من الماضي. وعلى الرغم من تراجع الجائحة؛ فنحن لا نزال نشعر أننا محاطون بالظلام”. ويتابع: “يبدو الأمر وكأننا مثخنون بالجراح، فنحن نحمل بداخلنا كل ما رأيناه”.

أطلق على الطفلة اسم “فيتوريا” ويعني النصر بالإيطالية- “بي بي سي”

التغيير الرئيسي الذي حصل لباولو منذ بداية الجائحة هو أنه أصبح أباً. قال باولو: “أطلقنا على ابنتنا اسم (فيتوريا) الذي يعني النصر، فولادة حياة جديدة في وسط هذا الوضع الكارثي، قد أعطتنا الكثير من الأمل”. وقال باولو الذي يعاني اضطراب ما بعد الصدمة نتيجة أحداث العام الماضي، إن العديد من زملائه قرروا إنجاب أطفال في تحدٍّ للموت والمعاناة التي كان عليهم تحملها. “طفلتي تساعدني كثيراً على تحمل الإرهاق، إنه أمر رائع عندما أعود إلى البيت، وأنظر إليها فتبتسم لي”.

اقرأ أيضاً: إيطاليا عقب أسبوع من انتهاء الحجر الصحي

كنت أعالج أشخاصاً ينكرون وجود “كوفيد-19”

في فبراير 2020 أصبحت إيطاليا المركز العالمي للجائحة، ومثالاً صارخاً عما يمكن أن يحدث عندما ينهار النظام الصحي في واحدةٍ من أغنى مناطق العالم. في ذلك الوقت قالت مارتينا بينديتي؛ ممرضة في قسم العناية المركزة في أحد مشافي توسكانيا، إنها لم تعد متأكدة من رغبتها في العمل كممرضة بعد الآن؛ ولكن شعورها اختلف بشكلٍ جذري منذ ذلك الوقت، وهي الآن تصف عملها بأنه “رائع”، ولكنها تحذِّر من أنه ليس عملاً يستطيع أيٌّ كان القيام به، وتقول: “أشعر وكأنني كبرت عشر سنوات؛ لقد كنت شخصاً مرحاً ومتفائلاً.. ولكن ذلك الشخص قد رحل”.

تقول مارتينا بينديتي إن الجائحة جعلتها تشعر وكأنها كبرت عشر سنوات- “بي بي سي”

وقد ساعدتها الكتابة على التأقلم مع الوضع الجديد؛ فبعد نوبة عملٍ طويلة كانت تعود إلى المنزل منهكة، وقبل أن تنام كانت تدوِّن ما تشعر به، وفي ما بعد حولت مدوناتها إلى كتابٍ إلكتروني. تتذكر مارتينا مدى صعوبة التعامل مع المرضى الذين كانوا ينكرون وجود “كوفيد-19″؛ حيث انتهى المطاف ببعضهم في أسرّة قسم العناية المشددة، حيث تعمل. تقول مارتينا: “كنت مضطرة إلى العناية بأشخاصٍ كانوا يشجعون الناس عبر وسائل التواصل الاجتماعي على عدم ارتداء الكمامة، ويصفون الممرضات والممرضين بالكاذبين”.

ولكن مارتينا قالت إنها تمكنت في بعض الأحيان من تغيير رأي بعضهم: “بعد أن تعافى وخرج من المستشفى، عاد أحد الذين كانوا ينكرون وجود (كوفيد) إلى بيته، وبدأ يكتب عكس ما كان يقوله سابقاً على حسابه على تطبيق (فيسبوك). لقد كان ذلك انتصاراً كبيراً لي”.

اكتشفت في نفسي قوة لم أكن أعلم أني أمتلكها

خلصت دراسة أجراها مركز “إنغيج مايندز” للأبحاث، على طواقم التمريض في إيطاليا، إلى أن الذين تعاملوا بشكل شخصي وعاطفي مع مرضاهم عانوا مستويات أقل من اضطراب ما بعد الصدمة والإرهاق. تقول الدكتورة سيرينا باريللو، التي شاركت في الدراسة: “غالباً ما ينظر إلى المرضى وذويهم على أنهم عبءٌ يعيق الاستجابة للأوضاع الطارئة؛ ولكن تخصيص الوقت الكافي لشرح الأوضاع لهم، وإشراكهم في تحمل المسؤوليات، وفي الألم والفرح، يعني وجود موارد بشرية جديدة ضمن فريقك، وهذا في نهاية المطاف سيسهل عملك”.

تقول إليسا نانينو إن السنة الماضية قد منحتها القوة- “بي بي سي”

ووجدت الدراسة أيضاً أن 90% ممن شملتهم لم يفكروا قط في ترك عملهم أو طلب الانتقال أثناء فترة الجائحة؛ بل على العكس غمرهم شعور كبير بالفخر. طبيبة دار الرعاية إليسا نانينو، تردد هذا الشعور الغامر: “لقد أكدت لي الجائحة أنني اخترت المهنة الملائمة؛ لقد اكتشفت في نفسي قوة لم أكن أعلم أني أمتلكها. رأيت أشخاصاً يموتون، وبكيت؛ ولكنني أيضاً أنقذت حياة آخرين، وهذا أمر لا يقدَّر بثمن”.

شاهد: فيديوغراف: في فترة الجائحة.. فنادق إيطاليا تجذب زبائن من نوع آخر

قالت إليسا إن العمل في المطبخ كان يساعدها على الاسترخاء بعد يومٍ طويل من العمل؛ فقد كانت تدخل إلى مطبخها لتعد حلوى التيراميسو التي كانت تأخذها معها إلى المستشفى لتشارك بها زملاءها.

نصيحتها الأولى إلى العاملين في القطاع الصحي هي ألا يشعروا بالذنب حيال مَن لم يتمكنوا من إنقاذهم. “إنه من المستحيل إنقاذ كل المرضى الذين يأتون إليك أثناء الجائحة؛ كل ما يمكنك فعله هو أن تبذل قصارى جهدك، ولكن لا تذهب إلى البيت، وتعذب نفسك بسبب ذلك”.

تقول مارتينا إنه كان من الأهمية بمكان أن يعتمد الزملاء على دعم بعضهم بعضاً- “بي بي سي”

وجدت مارتينا صعوبةً في الحديث إلى الأصدقاء وأفراد العائلة؛ لأنهم لا يدركون تماماً ما تعانيه. وتقول إن زملاءها كانوا مَن قدموا إليها المساعدة كي تستمر. “نصيحتي للممرضات والممرضين هي أن يعملوا كفريقٍ واحد في مواجهة الأزمات. عندما تكون على وشك الانهيار، فإن محاولة إخفاء ذلك هي مضيعة للوقت؛ فلن تتمكن من فعل أي شيء بمفردك.. تحدث إلى زملائك، فهم ربما يعانون مثلك”.

البحث عن الطمأنينة من جديد

نتيجة الجائحة، يساور القلق الدكتورة باريللو بشأن الممرضين والممرضات والأطباء الذين سيعانون اضطراب ما بعد الصدمة، والذي ربما يستمر لأشهر أو لسنوات.

ستترك الجائحة آثاراً طويلة المدى على الصحة النفسية للعاملين في القطاع الصحي- “بي بي سي”

تقول الدكتورة باريللو: “عندما يُتاح لك الوقت أخيراً للتفكير في ما مرَّ بك، يكون المجتمع قد تجاوز المحنة، ويمكن أن ينهار كل شيء من حولك، وأن تشعر بالمزيد من الإرهاق والاضطراب العاطفي”. وهي تعتقد أنه يجب على المستشفيات أن تتدخل وتقدم لموظفيها الدعم النفسي الذي يحتاجون إليه، وأن تشجعهم على الاعتناء بأنفسهم واستعادة حياتهم الخاصة التي تلاشت تماماً خلال العام الماضي.

اقرأ أيضاً: إيطاليا تشكر الإمارات على المساعدات: لن ننسى أصدقاءنا

يمكن أن يشمل ذلك استئناف ممارسة الهوايات التي تم التخلي عنها، وقضاء الأوقات مع العائلة، وممارسة الرياضة. وهذا هو بالضبط ما تنوي مارتينا فعله. “أخطط للذهاب في رحلة إلى الجبال مع زوجي، إلى مكان منعزل في أحضان الطبيعة؛ حيث يمكنني أن أجد الطمأنينة من جديد”.

المصدر: بي بي سي

اتبعنا على تويتر من هنا

تعليقات عبر الفيس بوك

التعليقات

مقالات ذات صلة