الواجهة الرئيسيةترجماتشؤون دولية

كيف ننقذ العالم من كوفيد طويل الأجل؟

لتجنب "كوفيد عالمي طول الأمد" ينبغي على الدول أن تتحرك بشكل أسرع.. فكلما أسرعت البشرية في تحقيق مناعة القطيع قلّ وقت تحور الفيروس خارج نطاق السيطرة

كيوبوست – ترجمات

سايمون كوبر♦

عندما أستمع إلى العلماء يتحدثون عن الوضع الذي قد نكون عليه بعد أعوامٍ من الآن، يتبادر إلى ذهني سيناريوهان رئيسان؛ الأول وهو الجيد: أن يستمر كوفيد في الانتشار؛ لكنه يفقد حدته. ويتم هذا العام تطعيم معظم الناس في الدول الغنية، والناس الأكثر عرضة للخطر في البلدان النامية. وبالتالي، يضعف (كوفيد-19) بمجرد أن يجد الضحايا المحتملين محميين إما عن طريق التطعيم، وإما العدوى السابقة، ويتحول في أسوأ الأحوال إلى نزلة برد سيئة؛ حيث يقول أنتوني كوستيلو؛ المدير السابق في منظمة الصحة العالمية: “الأمر الأكثر ترجيحاً هو أنه سيتحول إلى شكل أقلّ حدة؛ وهذا قد يحل المشكلة”.

اقرأ أيضاً: الساعات الذكية تساعد في اكتشاف عدوى “كوفيد-19”

ولكن هناك سيناريو آخر، وهو الأقل احتمالاً حتى الآن، لكنه بالغ الأهمية لدرجة أننا بحاجة إلى التفكير فيه ملياً، وهو أن يُصاب العالم بـ”كوفيد طويل الأمد”. وتتسبب الطفرات المقاومة للقاحات في سنواتٍ من الموت الجماعي، وعمليات إغلاق متكررة، وكوارث اقتصادية وخلل سياسي.

فما العوامل التي ستحدد تحقق أيهما؟

تشير السوابق إلى الاحتمال الحميد؛ حيث كتب علماء من جامعة إموري وآخرون في مجلة العلوم: “هناك 4 فيروسات كورونا بشرية انتشرت بشكل متوطن في جميع أنحاء العالم؛ إلا أنها لا تسبب سوى أعراض طفيفة”. تلك الفيروسات ربما كانت قاتلة في وقتٍ ما أيضاً، إلى أن اكتسب البشر مناعة وقائية عن خلال العدوى في مرحلة الطفولة. وعندما أُصيب بها الناس مرة أخرى كبالغين، تعلم جهاز المناعة لديهم كيفية المقاومة.

مرحلة تصنيع لقاح شركة “فايزر” في ولاية ميتشجن- مجلة “بزنس”

وقد يأخذ “كوفيد-19” الرحلة نفسها بشكل أسرع بكثير؛ حيث تُعجل اللقاحات من مناعة القطيع. وحتى مع ظهور طفرات، فإن اللقاحات والعدوى السابقة ينبغي أن تمنحنا مناعة كافية لحمايتنا من الأمراض الخطيرة على الأقل. ويبدو أن بعض اللقاحات الموجودة تعالج الطفرات في بريطانيا وجنوب إفريقيا. وفي هذا السيناريو الحميد، يمكن للبلدان الأكثر فقراً أن تنتظر اللقاحات؛ لأن سكانها الشباب ليسوا معرضين بشدة للإصابة. (أكثر من نصف الأفارقة الذين يعيشون اليوم ولدوا في هذا القرن).

ويقول كاستيلو: مع ذلك، يظل السيناريو الخبيث قابلاً للحدوث، وقد ظهرت المتغيرات الجديدة بسرعة. ويقول فيليب كراوس؛ رئيس مجموعة عمل منظمة الصحة العالمية المعنية بلقاحات “كورونا”: “إذا كان من الممكن للفيروس أن يتطور إلى نمطٍ ظاهري مقاوم للقاحات، فقد يحدث ذلك في وقت أقرب مما نرغب”. وقد يحدث ذلك الآن في مدينة ماناوس البرازيلية، التي دمرتها الموجة الأولى من الفيروس، ويجري تدميرها مرة أخرى؛ ربما لأن ضحايا الموجة الأولى ليسوا محصنين ضد السلالة الجديدة.

اقرأ أيضاً: لقاح كوفيد يكشف عن ثغرة في عدالة التوزيع العالمي

ومن المحتمل أن يقوم المصنعون بتعديل اللقاحات لمكافحة السلالات الجديدة، إلا أن الأمر قد يستغرق شهوراً. وعندئذ قد تواجه البلدان صعوبات كبيرة في استدعاء الملايين من الأشخاص الذين تم تطعيمهم مؤخراً مرة أخرى لمزيد من الجرعات. وقد تكون اللقاحات الجديدة فعالة بنسبة 50 في المئة فقط، على غرار لقاح الإنفلونزا. كما أننا لا نعرف كم من الوقت ستوفر اللقاحات مناعة ضد فيروس (كوفيد-19). وهل سيضطر الناس للعودة مجدداً للحصول على جرعات معززة؟

ولعل الأسوأ من ذلك أن الطفرات شديدة العدوى قد أعاقت قدرة البلاد على الوصول إلى مناعة القطيع. وحذرت مؤسسة “ماكينزي” الاستشارية، من أن الوصول إلى هذه النقطة الآن قد يتطلب تطعيم من 78 إلى 95% من الأشخاص الذين تزيد أعمارهم على 12 عاماً، كما أن البعض سيرفض الحصول على التطعيم. وفي الوقت نفسه، سيستمر فيروس كورونا في الانتشار والتحور؛ لا سيما في البلدان الفقيرة.

المقابر الجماعية لدفن الموتى في مدينة ماناوس شمال البرازيل- “بي بي سي”

ويرى يان غولدن؛ أستاذ العولمة والتنمية في أكسفورد، سيناريو أكثر احتمالاً من “كوفيد عالمي طويل الأمد”، وهو ظهور وباء جديد؛ حيث لاحظ تزايد وتيرة الأوبئة في هذا القرن، كنتيجةٍ للضغط على مناطق معيشة البشر والحيوانات، ولتزايد السفر العالمي الذي يزيد من انتقال العدوى.

فهل يمكن لنا أن نتخيل جائحة تستمر لسنوات وتقتل الملايين وانهيار قطاعات بأكملها مثل السياحة والمطاعم والفنون والطيران والمؤتمرات؟! وقد تنهار الديمقراطيات أيضاً؛ حيث إن الأشخاص المنعزلين هم الذين يبرزون نظريات المؤامرة في غرف نومهم. وستطبع الدول المفلسة النقود بطريقة يائسة.

اقرأ أيضاً: كيف تطورت مشاعر الأطقم الطبية في مواجهة جائحة كورونا؟

وقد يكبر الشباب العاطل عن العمل غير مهيأ للتعامل مع الناس بعيداً عن شاشات الحواسيب. وقد يتمرد الكثيرون ضد عمليات الإغلاق، ويقاتلون قوات النظام. وسوف تنتشر جائحة الصحة العقلية خارج نطاق السيطرة. وقد تصبح بعض البلدان؛ مثل نيوزيلندا وأستراليا وتايوان وفيتنام، واحات يحاصرها مهاجرون محتملون من كلِّ مكان آخر. وبين الموجات القاتلة، قد يبحث الناس عن الخلاص بأبشع الطرق الممكنة.

مارغريت كينان أول شخص يتلقى لقاح “بايون-تيك” من شركة “فايزر” في المستشفى الجامعي بكوفنتري- “بلومبيرغ”

ولتجنب “كوفيد عالمي طول الأمد”، ينبغي على الدول أن تتحرك بشكل أسرع. فكلما أسرعت البشرية في تحقيق مناعة القطيع، قلّ وقت تحور الفيروس خارج نطاق السيطرة. ونحن بحاجة إلى إنفاق كل ما يتطلبه الأمر على التعبئة بأسلوب زمن الحرب لصنع اللقاحات وتوزيعها وحقنها. ويدعو كوستيلو إلى إنشاء ما يُسمى “الحرس الداخلي”؛ وهو فِرق من متابعي مخالطي المرضى، ومروجي اللقاحات، بما في ذلك الأطباء والممرضون المتقاعدون.

اقرأ أيضاً: كيف نوقف الجائحة.. مقاربة أفضل لمنظمة الصحة العالمية

ونحتاج أيضاً إلى إيصال اللقاحات إلى البلدان الفقيرة بسرعة؛ حيث إن مرفق كوفاكس -الذي يهدف إلى ضمان التوزيع العالمي العادل للقاحات– يكافح بضراوة للوصول إلى 27 في المئة من الناس في البلدان ذات الدخل المنخفض هذا العام، في مواجهة نقص التمويل والإمدادات من قِبل الدول الغنية. وقد تقرر هدف تمويل مرفق كوفاكس لعام 2021 بقيمة 6.8 مليار دولار. ولنقارن ذلك بتكلفة الإغلاق لمدة أسبوع في بلد غني.

وإجمالاً، يقول غولدن: “لقد أوجدت البلدان الغنية 12 تريليون دولار لنفسها؛ ولكن لم يتم التعهد إلا بـ100 مليار دولار للبلدان النامية”. كما حذر تيدروس أدهانوم غيبريسوس؛ المدير العام لمنظمة الصحة العالمية، من أنه “لا أحد في مأمن حتى يأمن الجميع”؛ لكن الناس في البلدان الغنية يميلون إلى تجاهل مثل هذه المثالية. وقد تعلمنا من التجربة أنه يمكننا أن نكون آمنين حتى عندما تفتك الأوبئة بفقراء العالم؛ لكن لمرة واحدة، قد لا يكون هذا صحيحاً بعد الآن.

♦كاتب عمود في “فاينانشال تايمز”

المصدر: فاينانشال تايمز

اتبعنا على تويتر من هنا

تعليقات عبر الفيس بوك

التعليقات

مقالات ذات صلة