الواجهة الرئيسيةثقافة ومعرفةشؤون عربية

كيف نقل الحضارم واليمنيون الموسيقى إلى جنوب شرق آسيا وأوروبا؟

كيوبوست – منير بن وبر

امتلكت شعوب وحضارات جنوب الجزيرة العربية، كسبأ وحضرموت، تاريخاً طويلاً من التواصل والهجرات مع شعوب وحضارات العالم القديم. وكما هو معلوم، لا يساهم اتصال الشعوب ببعضها في نقل التجارة فقط -وإن كانت أحد المحركات الأساسية- بل أيضاً في نقل الثقافات والعادات والأفكار والفنون.

يمكن تقسيم حُقب الهجرة والاتصال العميق لعرب جنوب الجزيرة العربية إلى فترة ما قبل الميلاد والقرون الأولى بعد الميلاد؛ بفضل التجارة وازدهار طريق الحرير، ثم فترة الإسلام؛ بفضل الهجرات والفتوحات الإسلامية، ثم الفترات المتأخرة بدافع التجارة والدعوة إلى الإسلام، والهجرة طلباً للرزق أو ابتعاداً عن الاضطرابات المحلية. خلال كل تلك المراحل، نقل سكان جنوب الجزيرة العربية فنونهم إلى جنوب شرق آسيا، وإفريقيا، والجزيرة العربية، وسوريا والعراق، وأوروبا.

اقرأ أيضاً: الجانب البصري في الغناء والموسيقى اليمنية

تُظهر النقوش الأثرية جانباً من حياة سكان جنوب الجزيرة العربية، من خلال تصوير مشاهد الحياة، ولم تقتصر تلك الصور على نقش المعارك والموتى وطقوس العبادة فقط، بل أيضاً العروض الموسيقية؛ كما تبين أحد النقوش السبئية التي تظهر عليها آلة العود اليمني أو القنبوس، وهو نقش يعود تاريخه إلى القرن الثاني أو الثالث قبل الميلاد، ويبيّن ارتباط الموسيقى العميق بالإنسان اليمني.

نقش سبئي تظهر فيه امرأة تحمل آلة “القنبوس” الموسيقية- ويكيبيديا

تُعد مملكة حضرموت أحد أقدم ممالك جنوب الجزيرة العربية القديمة، ويُذكر أنها المملكة الوحيدة في جنوب شبه الجزيرة العربية التي استطاعت الحفاظ على اسمها حتى اليوم. تشير بعض المصادر إلى أن حضرموت بلغت أوج ازدهارها بفضل النشاط البحري التجاري في القرن الثاني قبل الميلاد، وأن تجارة حضرموت ارتبطت بشبه القارة الهندية وإفريقيا والبحر الأبيض المتوسط.

انطلقت قوافل التجار من حضارات جنوب الجزيرة العربية عموماً بالبضائع المُستوردة والُلبان المحلي في طريقين، الأولى عبر نجد ثم العراق وفارس، والثانية إلى فلسطين حيث تتوجه الطرق لاحقاً إلى مصر وأوربا، كانت تلك البدايات الأولى لأشهر طرق التجارة في التاريخ. وقد وصف ويندل فيلبس ازدهار ممالك جنوب الجزيرة العربية في ذلك الوقت بأنه “فوق ما يتصور العقل”.[1]

اقرأ أيضاً: اليمن في كتابات الغربيين: بلاد البخور الساحرة

ساهم الرخاء في ازدهار الفنون بحضارات جنوب الجزيرة العربية، ومن ذلك بلا شك الموسيقى والغناء، كما أدى ارتباط تلك الحضارات بالأمم والشعوب إلى انتقال الفنون، والتأثير والتأثّر، حتى بعد مرحلة الازدهار المذكورة. على سبيل المثال، يقول شمس الدين الذهبي في كتابه «سير أعلام النبلاء» إن عيسى المدني، المشهور بلقب “طُويس” هو أحد من يُضرب به المثل في صناعة الغناء، كما يُذكر أنه أول من غنّى في المدينة المنورة. ويؤكد الدكتور نبيل البيل، وهو أكاديمي وناقد أدبي يمني، أن أصل “طُويس” يعود إلى اليمن، وأنه أول من أدخل الإيقاع إلى الغناء العربي، بحسب ما أوردته المصادر.

كما جاء في كتاب «الحضارم في المحيط الهندي» للسيد فريد العطاس، أن للهجرات الحضرمية إلى جنوب شرق آسيا دوراً مهماً في انتقال وتكييف الآلات الموسيقية الحضرمية، وخاصة “القنبوس” وهو أحد أنواع العود. وأن من أكثر الإسهامات الحضرمية هو نقل الزفين والرقص والقنبوس والمراويس (من أنواع الطبول) إلى الموسيقى الملايوية.[2]

عازفات الإيقاع الحضرمي بالمراويس (الطبول) في حفل أوركسترالي في ماليزيا، 2019- مشروع السيمفونيات التراثية

يُشير العطاس إلى أن الحضارمة نقلوا “الزفين” الى بلدان الشتات الحضرمي في جنوب شرق آسيا، وهو نوع من الرقص والموسيقى الذي تظهر فيه العادات الصوفية، إذا تمت ممارسته بالطرق الصحيحة؛ ففيه يُتغنّى بالدعاء والابتهال. ودخل هذا النوع من الرقص والموسيقى، ذو البُعد الديني، إلى جنوب شرق آسيا، عن طريق الصوفيين والعلماء والتجار القادمين من حضرموت.

وإن كان الحضارمة قد هاجروا إلى جنوب شرق آسيا للتجارة والدعوة، وكان من نتائج ذلك إسلام الكثير من تلك الشعوب، وتبنيّها بعض عادات الحضارمة وفنونهم، فإن اليمنيين بشكل عام كان لهم إسهام كبير جداً في الفتوحات الإسلامية في المراحل المبكرة للإسلام. وتذكر المصادر أنهم هاجروا من اليمن بأعدادٍ هائلة بصحبة عائلاتهم، واستقروا في البلدان المفتوحة مثل العراق والشام ومصر والمغرب، بل ووصلوا إلى بلاد الأندلس.

اقرأ أيضاً: تأثير الحضارمة في الحضارة الإنسانية

ساهم اليمنيون بشكلٍ لافت في البلدان التي انتقلوا إليها في مختلف المجالات، بما في ذلك الثقافة والفنون والآداب؛ ففي الأندلس كان لليمنيين تأثير في مجال العلوم الأدبية، مثل الشعر، والخطابة، والبلاغة، والأدب، وذلك كما تقول الدكتورة في مجال التاريخ الإسلامي وحضارته، سناء الترب، في مقالٍ لها.

يُذكر أن الشعراء المتجولين أو الشعراء الموسيقيين (التروبادور) في أوربا العصور الوسطى لم يكونوا ظاهرة أوروبية بحتة، بل استمدوا أشكالهم الأدبية والموسيقية من الثقافة العربية عبر الأندلس. وقد قدم أولئك الشعراء المتجولون مفهوم الحب اللطيف، وابتكروا أشكالاً شعرية لا تزال مستخدمة حتى اليوم في أوروبا، كما أن اللهجة العربية الأندلسية لا تزال تستخدم إلى اليوم في الطرب الأندلسي، ولها تأثير على مناطق أخرى من أوروبا، ويعتقد بعض الباحثين أن جذور كلمات الموشحات الأندلسية تعود إلى اليمن.

مسلم ومسيحي يعزفان على العود. Cantigas de Santa Maria of Alfonso X

قد لا يكون من المدهش انتقال الشعوب وفنونها؛ فالإنسان عندما ينتقل من بلدٍ إلى آخر ينقل معه لغته وثقافته، ويؤثر ويتأثر، ومن المنطق أنه كلما كان الأفراد المهاجرين أكثر كان تأثيرهم أعمق في البلدان التي يستقرون بها، لكن المثير للدهشة حقاً هو حجم الهجرات اليمنية، وتواترها الشديد خلال مراحل التاريخ المختلفة.

لم تكن الهجرات اليمنية بدوافع التجارة فقط، بل أيضاً هرباً من الصراعات المحلية، والدعوة إلى الإسلام، والمشاركة في ما يُعرف بالفتوحات الإسلامية. وهكذا نرى أن الرخاء المحلي ليس وحده ما يؤدي إلى ازدهار الفنون، كما هو الاعتقاد السائد، بل حتى الاضطرابات، مع فارق أن مساهمة هذا الدافع الأخير -للأسف- تكون خارج الوطن.

في العصر الحديث والمعاصر، نرى أن مساهمات فنون الغناء والموسيقى والرقص اليمنية في المنطقة العربية، والساحة العالمية على نطاقٍ أوسع، محدودة، إلا أن ذلك لم يمنع بروزها من وقتٍ لآخر أحياناً، مثل مساهمات يهود اليمن المهاجرين في إبراز الموسيقى اليمنية خارج اليمن، خلال القرن العشرين، خصوصاً في الولايات المتحدة، والمجتمعات اليهودية في دول العالم المختلفة، ومساهمة بعض المطربين مثل أبوبكر سالم بلفقيه في الأغنية الخليجية العربية.

اقرأ أيضاً: أبو بكر سالم بلفقيه.. أبو الأغنية الخليجية

كما برزت خلال السنوات الأخيرة مشاريع شبابية لافتة للنظر لإحياء ونشر الموسيقى والغناء والرقص اليمني، وأهمها مشروع السيمفونيات التراثية، والذي أحيا في العام 2019 حفلاً أوركسترالياً في ماليزيا باللون الغنائي والموسيقي الحضرمي، ويقيم هذا العام حفلاً أوركسترالياً يجمع أكثر من لونٍ فني يمني في مصر. تُعبّر هذه المبادرات عن تأصل عميق للفنون في وجدان الإنسان اليمني، ورغبة جامحة لمشاركتها مع كل العالم، كما تعّبر عزيمة القائمين عليها عن إرادة الشباب وتطلّعه إلى مستقبل أكثر سلاماً وأماناً.

[1] فيلبس (ويندل)، ص7-8، كنوز مدينة بلقيس.

[2] الحضارم في المحيط الهندي، إسهامات في مجتمع وإقتصاد جنوب شرق آسيا. تحرير السيد فريد العطاس. ص 196.

اتبعنا على تويتر من هنا

تعليقات عبر الفيس بوك

التعليقات

منير بن وبر

باحث في العلاقات الدولية وشؤون اليمن والخليج

مقالات ذات صلة