الواجهة الرئيسيةترجماتثقافة ومعرفةمجتمعملفات مميزة

كيف نظرت الثقافات القديمة إلى الموت؟

الموت في تاريخ البشرية: وجهات نظر تاريخية

ترجمة كيو بوست –

المصدر: مجلة سايكولوجي توديه الأمريكية، بقلم أستاذ أمراض الشيخوخة والطب الباطني، المؤلف الأمريكي مارك ويليامز.

قالت القديسة الإسبانية تريزا الأفيلية ذات مرة (قبل 500 عام): “تذكر أن لديك روحًا واحدة، وموتًا واحدًا، وحياة واحدة… عندما تدرك ذلك، ستعلم أنك أهملت الكثير من الأشياء في حياتك”.

هنالك فكرة رئيسة حول الموت عبر التاريخ البشري: أن الموت شيء غامض يبعدنا عن الحياة بسرعة فائقة. من الواضح أن مواجهة الموت كانت مصدر قلق للإنسان منذ بداياته، إذ اكتشف العلماء آثارًا عديدة في مواقع دفن الطقوس، التي ترجع إلى ما قبل التاريخ، تشير إلى هذا القلق منذ القدم.

اقرأ أيضًا: أحدث الأبحاث العلمية تجيب: هل ثبت وجود حياة ما بعد الموت؟

لقد حاولت الأساطير والديانات القديمة فهم معنى الموت. ففي الأساطير، الموت لا يكون اندثارًا نهائيًا، بل جزءًا من عملية أكبر. تَظهر هذه النظرة بشكل واضح في الكتاب الهندوسي Bhagavad Gita المقدس (200 – 500 قبل الميلاد)، الذي يجعل الموت في قبضة الإله “شيفا”، إله الحل والفناء، وليس الدمار. قال لوكريتيوس، أول فيلسوف وشاعر روماني قبل الميلاد، في قصيدة “طبيعة الكون” إن “الموت ليس إبادة، بل انقطاع الاتصالات وربطها في مجموعات جديدة”.

نظرت العديد من الثقافات إلى الموت كجزء من دورة ولادة جديدة. وقد بنت العديد من القبائل نظرتها للموت بناء على أسطورة ديميتر، إلهة الطبيعة والنبات، “التي استعادت ابنتها بعد أن انتقلت إلى عالم الأموات السفلي من قبل الإله بلوتو”. وقد ظلت هذه الأسطورة سائدة لأكثر من 2000 عام، قبل أن تصبح جزءًا من الأسرار الإيلوسيسية اليونانية. وحسب هذه النظرة، فإن الموت شرط ضروري لسموّ ورفعة المرء، سواء من أجل خوض تجربة “القيامة والبعث والنشور” بشكل شخصي، أو من أجل إتاحة المجال أمام توافد الأجيال القادمة من أحفاد المرء.

وقد تباينت الأساطير والطقوس في هذه النظرة، إذ رأت بعض الثقافات أن الموت عبارة عن ممر إلى نمط آخر من الوجود. وقد عبّر عن هذه النظرة الفيلسوف الروماني الرواقي، لوكيوس أنّايوس سينيكا (4 قبل الميلاد)، حينما قال: “قد يفقد المرء حياته في أي وقت، لكن ليس الوجود”.

اقرأ أيضًا: علميًا: أين يذهب الإنسانُ بعد الوفاة؟

لقد كشف انتشار المجتمعات الزراعية أن الموت ضروري لضمان استمرارية الحياة. وحسب هذه النظرة، فإن عود النبات الميت منذ زمن يؤدي إلى إطلاق براعم جديدة في العام الجديد. وبكلمات أخرى، فإن التضحيات الدموية ضرورية لضمان الخصوبة والولادة من جديد. وبالفعل، إن كل أشكال الحياة، نباتات وحيوانات على حد سواء، تعتمد على وفاة الآخرين من أجل البقاء والتقدم. لقد كانت هذه العملية جزءًا من التقاليد لآلاف السنين، وكناية عن التجدد الذاتي روحيًا ونفسيًا. وقد اتفقت معظم الأديان والأعراف النفسية على وجوب موت النفس البالية من أجل تغييرها من هيئة إلى أخرى.

ورأى البعض أن حتمية الموت حافز كبير للسعي وراء التفوق، والعيش بجدية، لأننا نمتلك القليل من الوقت لتحقيق أهدافنا. وقد قال الكاهن الياباني المعروف ياماموتو جيمبو روشي: “ليس هناك قتل أسوأ من قتل الوقت”. من المفارقات أن الموت أداة للتغيير والتقدم من أجل استمرار الحياة، تمامًا مثل الحريق في الغابة.

 

إنكار الموت

على مدار التجربة التاريخية الإنسانية، ظهرت مجموعة ساحرة من المواقف تجاه الموت. بالنسبة للبعض، الخوف من الموت أمر أساسي. وبالنسبة لآخرين، الموت ليس حتميًا من الأساس. قد تتساءل: “كيف يمكن لعقلانيين أن ينكروا الموت؟”. في الحقيقة، هنالك العديد من الخطوط الفكرية التي تتجاهل أو تنكر الموت.

قال الفيلسوف إبيكوروس في اليونان القديمة إن “الموت لا يعني شيئًا لنا… بما أننا على قيد الحياة، فالموت ليس معنا، وعندما يأتي الموت، فإننا لسنا موجدين أصلًا!”.

اقرأ أيضًا: هل سيصل العلم إلى إعادة الحياة للأموات عبر التجميد العميق؟

ينكر أنصار “مذهب اللذة” الموت من خلال رفض أخذ الأمر بجدية. وهم يرون أن الموت ليس جزءًا طبيعيًا من دورة الحياة، بل عدوًا خارجيًا، وشرًّا لا يطاق، وبالتالي ينبغي خوض كفاح طويل ضده من خلال إشباع رغبات النفس مهما كانت العواقب.

 

الهرب من الموت

من المثير للاهتمام أن نعرف كيف حاول الناس الهرب من الموت في الماضي. عندما اكتشف بونس دي ليون فلوريدا عام 1513، كان يبحث عن “ينبوع الشباب” الذي “يعيد الشباب لكل من يشرب منه”، وقد بحث لأكثر من ثلاث سنين عن هذا الينبوع.

كما أن الكيميائيين القدماء في أوروبا خاضوا تجربة طويلة خلال عصر النهضة لاكتشاف “إكسير الخلود”. أما في مصر وأميركا الجنوبية، فجرى تحنيط الجثث، كما لو أن إطالة أمد الأشياء الجسدية تطيل الحياة الفعلية بطريقة أو بأخرى. ولعل أشهر محاولات التصدي للموت تمثلت في أهرامات مصر، آثار الفراعنة التذكارية، التي دفنوا فيها مومياء لمرافقتهم في حياتهم المستقبلية.

اقرأ أيضًا: أشهر حالات الانتحار الجماعي في التاريخ

 

المصدر: مجلة “سايكولوجي توديه” الأمريكية

تعليقات عبر الفيس بوك

التعليقات

مقالات ذات صلة