الواجهة الرئيسيةثقافة ومعرفة

كيف نحمى أبناءنا من الانزلاق إلى  التطرف عبر الانترنت؟

تسعى الجماعات الإرهابية لاستغلال النشء من خلال تمرير أفكارها المتطرفة عبر الاعلام الجديد وهناك طرق عدة لقطع هذا الطريق

كيوبوست- صفاء الشبلي

لا شك أن استخدام الأطفال لوسائل التكنولوجيا الحديثة أصبح جزءاً لا يتجزأ من حياتهم اليومية، ومهما كانت الضغوط من الأسر لتقليل معدل استخدامهم للشاشات، فإن معظم المحاولات تبوء بالفشل، وهو الأمر الذي يسمح بتعرضهم لكم كبير من المعلومات عبر وسائل التواصل الاجتماعي.

على جانب آخر، تسعى الجماعات الإرهابية لاستغلال النشء لتمرير أفكارها المتطرفة عبر ما يعرف بالإعلام الجديد أو “السوشيال ميديا”، التي تقدم لها خدمة مجانية للسيطرة على عقول أطفالنا في وقتٍ قصير، وهو ما يعرف بـ”الإرهاب المعلوماتي”.

اقرأ أيضًا: نشر الكتب الأيديولوجية على القنوات الموالية لتنظيم القاعدة عبر الإنترنت

ويبقى السؤال: كيف نحمي أبنائنا من الزحف المعلوماتي للجماعات الإرهابية وأفكارها المتطرفة عبر وسائل التواصل الاجتماعي؟ وما وسائل تلك الجماعات للسيطرة على عقول الشباب؟

تنافس لفرض الأفكار السامة

الباحث في شؤون الجماعات الإسلامية مصطفى زهران يرى أن وسائل التواصل الاجتماعي بمختلف أنواعها لديها القدرة على تقديم محتوى مشوق وجذاب باستخدام عناصر فنية جذابة لتمرير أفكارها المتطرفة، إضافة إلى أن تلك الجماعات تستخدم لغة الشباب من دون تعقيداتٍ لغوية، وهو ما يحفزهم على تبني الأفكار والسلوكيات التحريضية والعنيفة، من دون إدراك أو وعي بمخاطرها.

مصطفى زهران

وقال زهران لـ”كيوبوست” إن هناك تنافساً كبيراً بين الجماعات الإرهابية على إنشاء المواقع والقنوات الخاصة على منصات التواصل الاجتماعي، فمثلاً تنظيم الدولة الإسلامية “داعش” منذ ظهوره حافظ على النشرة الأسبوعية (النبأ) التي يصدرها حتى الآن.

وأضاف “في المسألة التقنية، قدم تنظيم داعش تصورات تقنية عالية، سواء على مستوى الإعلام المرئي أو المسموع، حتى تنظيم القاعدة أصدر منذ بضعة أيام أول مجلة له حملت اسم (النازعات)، بالتالي فتلك الجماعات تهتم بإعلامها للتعبئة والتجييش وخصوصاً للشباب”.

اقرأ أيضًا: من النفط إلى الماس.. تجارة الجماعات الإرهابية تدق ناقوس الخطر

وأشار إلى أن “تلك الجماعات تستخدم منصة تلغرام بشكلٍ أساسي، يليها تويتر لترويج أفكارها، وهناك استثمار كبير لاستخدام السوشيال ميديا، خصوصاً أن تلك التنظيمات تضم عدداً كبيراً من خبراء الاتصالات من الجنسيات الأجنبية المتفوقين تقنياً، وهو ما يساعدها في نشر الأفكار المتطرفة بين الشباب، ويمثل تنظيم داعش أعلى الهرم في قدرته وإثبات وجوده في العالم الرقمي”.

تسعى الجماعات الإرهابية لاستغلال النشء لتمرير أفكارها المتطرفة

وأرجع زهران التفسخ وغياب المذهبية الدينية إلى الإسلاميين، الذين عملوا على القطيعة مع مشروعات النهضة، والمؤسسة الدينية المتمثلة في الأزهر الشريف، ولذا فلا بد من دعم الأزهر مادياً للقيام بدوره في توعية الشباب لإبعادهم عن الأفكار المتطرفة.

غسيل المخ

الكاتب والمحلل السياسي أحمد رفعت قال إنه خلال الـ20 عاماً الأخيرة تغير شكل “التواصل الاجتماعي”، فأصبح من السهل الوصول للشخص المستهدف من دون رقابة، وعمل غسل مخ للشباب، فالأفكار عائمة على سطح شبكات التواصل، وتجد مستهدفيها، فتطبيق مثل “واتس آب” مثلاً تجاوز التداول عبره نحو 120 مليار رسالة وصورة يومياً.

أحمد رفعت

وأضاف رفعت أن “الجماعات الإرهابية تستغل وسائل التواصل الاجتماعي ليس فقط للرسالة الإرهابية المباشرة، من حملٍ للسلاح وتفجير وقتل وتكفير الآخر ودعوات الجهاد، لكن أيضاً لتشويه المجتمعات وضرب معاني المدنية في كل التجارب الناجحة إن لم تكن إسلامية، ثم تشويه التاريخ الحديث”.

وللتصدي للأفكار المتطرفة عبر وسائل التواصل الاجتماعي، يرى رفعت أن المواجهة تحتاج إلى الأسرة والمجتمع وجهود الدول لمنع نشر القبح والشر، ومنع تفاعل الشباب مع الشائعات، ولا بد من توافر شرطين، الأول نشر المعلومة الصحيحة ضد الشائعات، والثاني اختيار التوقيت المناسب للرد على الشائعة، وعدم الانتظار كثيراً لتصحيحها.

اقرأ أيضًا: الخوارزميات وصعود المجتمعات المتماثلة المتطرفة عبر الإنترنت

خطورة النكت والهاشتاج

المهندس مصطفى أبو جمرة خبير أمن المعلومات يؤكد أن النكت هي إحدى الوسائل التي تتبعها الجماعات الإرهابية لنشر الفتن والنظرة التشاؤمية في المجتمع، موضحاً أن جماعات الشر تستغل لغة الشباب في نشر “النكت” الجاذبة، لكنها في الوقت ذاته محبطة تسعى لزحزحة أمن وسلامة المجتمع.

مصطفى أبو جمرة

وشدد أبو جمرة على ضرورة متابعة الأسر لأطفالها، وعدم تركها لهم مثلاً عبر منصة “يوتيوب” لساعات لما يتضمنه من مشاهد وأفكار غير أخلاقية ،مع تصديره لأفكار تضر بهم مستقبلاً.

واستطرد أن “إضافة النكت والهاشتاج وسيلة لنشر الأفكار المتطرفة والأخبار الهدامة في المجتمع، لأن فبركتها أصبحت تتم بشكلٍ آلي من حسابات مزيفة لترويج موضوع معين يحمل أفكار الجماعات الإرهابية، كما أن تلك الجماعات تستغل “هاشتاجات” منتشرة لنشر أفكارها بربطها بتدويناتهم المتطرفة أو ما يسمى “ركوب التريند”، وهو ما يعني انتشارها، فنحن نواجه عالماً مفتوحاً غير مقنن لا يمكن منعه”.

وأشار إلى أنه “حتى عند تشغيل (يوتيوب) على نظام (كيدز) فإنه أيضاً لن يصبح ساحة آمنة للأطفال، ومع بداية سن المراهقة يجب متابعة الأبناء خصوصاً في حال انسحابهم إلى الألعاب الإلكترونية، فبعضها تتم بشكل منفرد والآخر مع مجموعة، لذا وجبت المتابعة، لا سيما أن هناك عدم حجب لمحتوى تلك الألعاب، وغيرها من محتويات تلك الألعاب”.

سهلت شبكة الإنترنت النشاط الجهادي – أرشيف

وينصح أبو جمرة بتدخل الدول لمواجهة استغلال الجماعات المتطرفة لوسائل التواصل الاجتماعي، ويجب أن يكون هناك قرار لمنع تلك المنصات، إذ تبين أنها تضر على مستوى الأمن القومي، ولنا في دول آسيا عبرة بمنعها بعض المنصات”.

التوعية الدينية من الصغر

د. جمال فرويز

الدكتور جمال فرويز استشاري الطب النفسي قال لـ”كيوبوست”، إن التوعية تبدأ من الأسرة مع ضرورة قيام الدولة بدورها في نشر الأخبار الصحيحة لمواجهة الأفكار المتطرفة والأخبار المغرضة التي تنشرها الجماعات الإرهابية، فالتعتيم على الأخبار يعطي فرصة سائغة لتلك الجماعات لنشر أفكارها الهدامة في المجتمع.

ولفت إلى أنه “لا بد كذلك من توجيه الشباب والأطفال، وتعريفهم سقف الخير والشر ومبادئ الإسلام السليمة، وتوجيهم لاستقاء معلوماتهم الدينية من الأزهر الشريف، فعندما ينشأ الطفل ويترعرع دون خلفية دينية، فإنه يكون أرضاً خصبة للأفكار المتطرفة في الكبر”.

اقرأ أيضًا: الخوارزميات وصعود المجتمعات المتماثلة المتطرفة عبر الإنترنت

7 مراحل لاستقطاب الشباب

 وعن التأثير النفسي لوسائل التواصل الاجتماعي، ودورها في تصدير الإرهاب والأفكار المتطرفة، فإن آخر إحصائية توضح أن نحو 90 في المئة من عمليات تجنيد الشباب التي تقوم بها الجماعات الإرهابية تتم عبر وسائل التواصل الاجتماعي.

وليد هندي

أما مراحل استقطاب تلك الجماعات للشباب فتتم، بحسب استشاري الطب النفسي وليد  هندي، داخل غرف الشات والمجموعات المغلقة، التي تعرف بما يسمى الغرس الفكري أو عملية غسيل المخ، وتمر بـ7 مراحل، أولها الالتقاء بانتقاء الشباب فاقدي الهوية أو “اضطراب الهوية” أو مشاعر الغضب أو ناقمين على الواقع، وهم فئة منتشرة على وسائل التواصل الاجتماعي.

وأضاف هندي “بتفحص تلك الجماعات لحسابات السوشيال ميديا وبعد الانتقاء تأتي مرحلة الاحتواء ثم التهيئة الإيمانية باستخدام المصطلحات الدينية لتقليل يأسه من واقعه، ثم تأتي المرحلة الرابعة وهي التهيئة الفكرية والغزو المعرفي بإعطاء الشاب معلومات دينية مصبوغة بالتطرف، وفي المرحلة الخامسة تأتي مرحلة “جاهلية الواقع الإسلامي” بإيهام الشاب أن المجتمع لا يعرف الإسلام حق معرفته، وفي السادسة تأتي مرحلة وجوب العمل الجماعي بذريعة التغيير للمجتمع بتعريف الشاب على آخرين، وتأتي المرحلة الأخيرة بتغذية فرضية العمل المسلح ضد المجتمع والأسرة”.

وأشار إلى أن “الأمر لا يقتصر فقط العمليات المسلحة، وإنما يمتد أيضاً للإرهاب الرقمي من استغلال للشباب في ضرب البنية المعلوماتية للدول، ومهاجمة مواقع بعينها ونشر الشائعات وترويجها لزعزعة الثقة وبث الروح الانهزامية”.

اقرأ أيضًا: عمالقة التكنولوجيا حققوا أرباحاً بالمليارات من الحرب على الإرهاب

الحلول

ويضع هندي مجموعة من الحلول لمقاومة استغلال الجماعات الإرهابية للشباب، منها ضرورة تقديم الدعم النفسي والعاطفي للأبناء، وغرس الانتماء لروح الأسرة، وفتح جسور للحوار مع أبنائنا يحصنهم وجدانياً ضد أفكار الجماعات الإرهابية.

بالإضافة إلى التحصين الفكري، وتوعية أبنائنا وعدم تركهم على وسائل التواصل الاجتماعي دون رقابة أسرية، ودعم الدول بمنصات مضادة للجماعات الإرهابية، وعرض جرائمهم وأفكارهم.

مراقبة النشاط الإرهابي والجريمة عبر الإنترنت يزداد أهمية- Gerd Altmann

وكذلك طرح بدائل للدعوى التقليدية بمنصات خاصة يقودها الأزهر الشريف بأكثر من لغة لمخاطبة الأجيال المنفتحة ذات التعليم الأجنبي، وصناعة جيل جديد من الدعاة الشباب لمخاطبة غيرهم من الشباب لأن المشكلة أن من يقومون بالدعوى كبار سناً فليس لديهم قدرة على الانفتاح على تفكير الشباب السائد.

ويشير أيضاً إلى أهمية تنقية التراث وتطهيره ونزع القداسة عن بعض كتب التراث، فلا قداسة سوى للقرآن، وحث الأهالي على تعليم أبنائهم تعليماً غير تقليدي والتطور مع العملية التعليمية.

وقال إن وزارات الثقافة عليها دور في دعم الشباب بتوفير رحلات لأماكن تاريخية، وقبور المستنيرين. وطالب بالاهتمام بالجانب الديني للأسر الطبقة المتوسطة لتحقيق التوازن النفسي، والاهتمام بدراسة المناهج التي تدعو للسلام والتسامح منذ مرحلة رياض الأطفال، وكذلك دور الفنون في تقديم الفكر المستنير لإزاحة الأفكار المتطرفة والظلامية.

اتبعنا على تويتر من هنا

 

تعليقات عبر الفيس بوك

التعليقات

صفاء الشبلي

صحافية مصرية تهتم بالكتابة الإنسانية والاجتماعية

مقالات ذات صلة