الواجهة الرئيسيةحواراتشؤون دولية

كيف نجحت نواكشوط في إرساء نموذج فريد لمكافحة الإرهاب؟

بفضل استراتيجية محلية يتحدث عنها في مقابلة مع "كيوبوست" د.جان لوب سمعان الباحث في جامعة الشرق الأوسط

كيوبوست

على الرغم من صعوبات الوضع الأمني ومخاطر التطرف بمنطقة دول الساحل؛ فإن موريتانيا استطاعت أن تشكِّل نموذجاً فريداً بين دول المنطقة، وذلك بفضل الاستراتيجية التي طبقتها قبل سنوات.

وسلَّطت دراسة جديدة لمركز تريندز للدراسات، الضوءَ على هذه الاستراتيجية بعنوان “الدولة المستقرة الأخيرة.. موريتانيا والحرب على الإرهاب في منطقة الساحل”، وأعدها د.جان لوب سمعان، الباحث الرئيسي في جامعة الشرق الأوسط، التابعة لجامعة سنغافورة الوطنية.

يستعرض سمعان، في دراسته، الحالة الموريتانية التي قد تكون مثيرة للبعض؛ خصوصاً بعد تمكن نواكشوط من التصدي للهجمات الإرهابية ومواجهة الفكر المتطرف على مدار أكثر من عقد، لتكون إحدى الدول الأكثر استقراراً في محيطها؛ لدرجة وجود شائعات مفادها تفاوض الحكومة مع منظمات إرهابية لتوقيع اتفاقيات سرية تتضمن عدم الاعتداء؛ لكن حتى الوثائق التي كُشف عنها بعد مقتل أسامة بن لادن أكدت رفض نواكشوط هذا الخيار.

أسامة بن لادن – أرشيف

يقول معد الدراسة د.جان لوب سمعان، في حوار مع “كيوبوست”، إن الاستراتيجية الواضحة والشاملة التي قامت بها موريتانيا، خلقت وضعاً يسمح بمكافحة الإرهاب، بينما ساعد استقرار النظام السياسي الحكومةَ على تنفيذ استراتيجيتها بفعالية.

استراتيجية ملهمة

ارتكزت الاستراتيجية المورتيانية لمكافحة الإرهاب، التي صدرت في 20 صفحة، بعد هجمات إرهابية استهدفت وزارة الدفاع والسفارة الفرنسية، على محاور عدة؛  باعتبارها “متعددة الأبعاد” من خلال ثلاثة محاور رئيسية مرتبطة بالنظام القضائي وتحديث الجيش وتعزيز سلطة الدولة في الأقاليم، وهي الاستراتيجية التي صدرت في أبريل 2012 ولا يزال معظم سياسات الدولة مستمداً منها حتى الآن.

يؤكد جان لوب سمعان، في حديثه، أن تنظيم القاعدة فشل في الوجود في موريتانيا لعدة أسباب؛ أهمها الإجراءات الاجتماعية والأمنية التي اتخذت في البلاد، فلم تسمح السلطات بترك المناطق المهمشة لتكون هدفاً للجماعات الإرهابية من أجل السيطرة عليها فكرياً؛ وهو أمر ساعد عليه تعزيز قدرات الجيش من خلال العناصر المحلية والدعم الغربي المتمثل في فرنسا والولايات المتحدة، عبر تحديث مستوى القدرات العسكرية والتدريبية؛ وهو أمر يعتبر الحفاظ عليه وعلى استمراريته حتمياً بالنسبة إلى نواكشوط.

اقرأ أيضًا: “العبودية في موريتانيا”.. تاريخ تليد وحاضر متأرجح ومستقبل غامض

يعتبر سمعان أن جزءاً أساسياً من نجاح موريتانيا في التعامل مع الإرهاب والتطرف هو توطين نموذج محلي مناسب للمجتمع، مع الحصول على دعم دولي لتنفيذه؛ وهو ما عزز من فرص نجاحه بالفعل، ويمكن أن تلمسه اليوم بعد أكثر من عقد على إطلاق الاستراتيجية.

ويشير سمعان إلى أن ثمة أموراً تؤثر بشكل رئيسي على الوضع في موريتانيا؛ فالوضع بدول الساحل مضطرب بشدة، بعدما أدت الانقلابات العسكرية في مالي وبوركينا فاسو، إلى خلافات دبلوماسية بينها وبين فرنسا، وهو الأمر الذي انعكس على استقرار الوضع الأمني في الإقليم بشكل كبير؛ خصوصاً أن ما يحدث على الأرض اليوم يثير العديد من التساؤلات حول قدرة دول الساحل الخمس على مواجهة تهديد الإرهاب مع ازدياد مخاطره.

يلفت سمعان إلى أن ثمة مزيداً من العقبات والتحديات التي تواجه موريتانيا؛ من أهمها الوضع المتدهور بدول الجوار، مما قد يضع المؤسسة العسكرية الموريتانية تحت ضغط هائل في السنوات المقبلة، بالإضافة إلى التحديات الاقتصادية التي لا تزال قضية رئيسية على الصعيد المحلي؛ حيث تعاني البلاد أوضاعاً صعبة.

أئمة موريتانيون أثناء دورة تدريبية في نواكشوط- المصدر© Magharebia/flickr

مواقف دولية

يترقب الباحث الرئيسي في جامعة الشرق الأوسط، التابعة لجامعة سنغافورة الوطنية، إطلاق فرنسا خلال الربع الأول من العام الجاري استراتيجيتها تجاه منطقة الساحل بعد إنهاء عملية برخان؛ لكن في نفس الوقت لا يتوقع تغيراً جوهرياً في العلاقات الثنائية بين باريس ونواكشوط، مشيراً إلى أن التغير سيكون على المستوى الإقليمي ومرتبط بمستقبل الوجود العسكري الفرنسي في المنطقة من حيث عدد القوات والدول التي ستتعاون معها ومناطق تمركز القوات الفرنسية؛ وهو الأمر الذي سيكون له دور في المشهد السياسي.

في مقابل الاهتمام الفرنسي بالوضع في دول الساحل، يتحدث سمعان عن اهتمام محدود من الولايات المتحدة بمنطقة الساحل بشكل عام؛ تتم مراجعته من خلال النظرة إلى الحرب على الإرهاب، وهو الأمر الذي يشهد إعادة نظر من واشنطن ليكون مرتبطاً بالمناقشات السياسية بشكل أكبر، مؤكداً أن الولايات المتحدة ينبغي لها أن تحافظ على دعمها لمنطقة الساحل، وسيكون أفضل طريقة لقيامها بهذا الأمر هو قيامها بالتنسيق مع حلفائها الأوروبيين، وربما من خلال حلف الناتو الذي لديه شراكة مع نواكشوط بالفعل.

قائد القوات المشتركة في الساحل العميد، أومارو ناماتا، خلال لقائه بقائد عملية “برخان” قبيل انسحاب القوات الفرنسية، النيجر

لا يخفي جان لوب سمعان قناعته بأن الغزو الروسي لأوكرانيا أعاد ترتيبات الوضع الأمني عالمياً، وباتت الحرب في أوكرانيا هي التي تحظى باهتمام أكبر، مع النظر إلى الوجود الروسي باعتباره تهديداً وجودياً لمعظم الدول الأوروبية؛ الأمر الذي لا ينطبق على التهديد الإرهابي القادم من منطقة الساحل، ومن ثم يمكن القول إن الاهتمام الدولي بمواجهة التطرف في هذه المنطقة تراجع خلال العام الأخير.

يختتم سمعان حديثه بتأكيد وجود مخاطر عدة بشأن احتمالية انتقال المتطرفين إلى موريتانيا؛ سواء من ليبيا التي لا تزال تعاني الانقسام السياسي بشكل حاد، وصولاً إلى مالي التي تعتبر تحدياً أكبر من ليبيا؛ بالنظر إلى عدة أمور مشتركة بين البلدَين.

اتبعنا على تويتر من هنا

تعليقات عبر الفيس بوك

التعليقات

مقالات ذات صلة