الواجهة الرئيسيةترجماتثقافة ومعرفة

كيف قضت جائحة كورونا على أحلام المخرجات بتصدر شباك التذاكر؟

كيوبوست – ترجمات

إليانا دوكترمان♦

لم يكن الزي المعدني القديم، والعزف على آلة التشيلو الإلكترونية، المصاحبان لأغنية البطولة الخارقة أمرَين كافيَين لمواجهة الواقع المخيب للآمال؛ فبعد أن عاد فيلم “المرأة المعجزة 1984” مرة أخرى إلى السينما، يتم بثه على قنوات “إتش بي أو ماكس” منذ ديسمبر الماضي، مع بيانات مشاهدة مربكة تتوج العام الجديد بالإحباط؛ وهو الفيلم الذي كان من المفترض أن يكون واحداً بين مجموعة أفلام كبيرة أخرجتها النساء، يمثل الآن مؤشراً على ما يمكن أن تواجهه مخرجات السينما في هوليوود.

فعلى الرغم من الخطوات الكبيرة التي اتخذتها المخرجات بالفعل؛ فإن شركات الإنتاج لا تزال تتباطأ عندما يتعلق الأمر بالاستعانة بهن لصناعة أفلام ذات ميزانية كبيرة. وهو الواقع الذي لم يكن موجوداً حتى عام 2017، عندما دخلت المخرجة باتي جينكيز، التاريخَ؛ باعتبارها أول امرأة تخرج فيلماً بميزانية عالية عن “الأبطال الخارقين”، وهي المرة الأولى التي تُخرج فيها امرأة فيلماً تتخطى ميزانيته مئة مليون دولار.

اقرأ أيضاً: ما جذور المحاربات الحسناوات في الكتب الهزلية والأفلام السينمائية؟

ومنذ ذلك الحين، تطورت الأمور بصورةٍ تدريجية، وكان من المقرر أن تتغير بشكل كبير خلال عام 2020؛ حيث إن أفلام “الطيور الجارحة” للمخرجة كاثي يان، و”الأرملة السوداء” لكيت شورتلاند، و”المرأة المعجزة 1984″ لباتي جينكيز، و”مولان” لنيكي كارو، بالإضافة إلى فيلم مارفل الجديد “الخالدون” لكلوي تشاو، هي قائمة تضم أفلاماً كان من المتوقع أن تصبح الأعلى إيراداً في شباك التذاكر. وليس هناك مجال للشك في أن الزيادة الملحوظة في الاستعانة بالمخرجات إنما هي أمر مرتبط بشكل مباشر بحركة “مي-تو” أو “أنا-أيضاً” التي انطلقت في خريف 2017، والحديث المتجدد حول ما أثارته تلك الحركة عن التحيز الجنسي ضد النساء في صناعة السينما.

ومع بداية عام 2018، اتجهت شركات الإنتاج، مدفوعة بما تركته الحركة من أثر، إلى تعيين مزيدٍ من النساء في مهام العمل. وبحلول صيف 2020 كان يمكننا أن نرى ثمرة إنتاج هؤلاء النساء؛ وهو ما لم يحدث بالطبع. إذ تسببت جائحة كورونا في موت وخسارة لم يكن من السهل تصورها، وبالتأكيد لا يمكن إنكار آثارها على صناعة السينما التي تعد أمراً غير مهم مقارنة بمخططات الحياة والموت.

إعلان فيلم “مولان” بإحدى دور العرض الصينية- وكالات

وقد أشار تقرير جديد صادر عن “مركز دراسة المرأة في التليفزيون والسينما” بجامعة سان دييجو، إلى عدم تغيُّر نسبة النساء المشاركات في صناعة السينما، والتي ظلَّت كما هي على مدار عقدَين من الزمن، وَفق المدة التي بدأ فيها المركز جمع البيانات.

كما جاء في التقرير، أنه على مدار الأعوام العشرين الماضية، ووفق الاستبيان الذي تم إجراؤه على أفضل 250 فيلماً داخل الولايات المتحدة الأمريكية، ارتفعت نسبة مشاركة النساء -سواء مخرجات أو أدوار بطولة- إلى أربع نقاط مئوية فقط؛ ففي عام 1998 كانت النسبة 9%، وفي عام 2019 أصبحت 13%، غير أن هذه الإحصاءات بدت محزنة للغاية بالنسبة إلى النساء العاملات في المونتاج أو الإنتاج، فكلتاهما زادت بنسبة 3% فقط خلال العشرين عاماً، بينما زادت الكاتبات بنسبة 6%.

اقرأ أيضاً: أصول مثيرة للجدل وراء قصة فيلم “مولان”!

وبالنسبة إلى الكثيرات اللاتي يحاولن اقتحام هذه الصناعة، فإنه يمكن الشعور بأن هذا التحول يتطور ببطء مؤلم؛ خصوصاً للنساء ذوات البشرة الملونة، اللائي كن مستبعدات تماماً من “الحفلات رفيعة المستوى”. كما أن دراسة جامعة سان دييجو ليس من ضمن استطلاعاتها التتبع العرقي لمَن يعملن خلف الكواليس؛ لكنْ هناك تقرير لجامعة كاليفورنيا، كان قد تم نشره مطلع 2020، جاء فيه أن نسبة مشاركة النساء ذوات البشرة غير البيضاء لم تتجاوز 1% بين مخرجات هوليوود في أفضل 200 فيلم في العام الماضي. وفي ما يلي نظرة على التأثير الخاص للوباء على النساء في هوليوود، وإلى أين يمكننا أن نصل.

سنة الانتصار التي لم تكن

كان فيلم “الطيور الجارحة” هو أول فيلم يتم طرحه في دور السينما، والذي عرض لأول مرة في فبراير الماضي، إلا أنه على الرغم من كل التوقعات التي أحاطت بالأفلام التي أخرجتها النساء في عام 2020، لم يحقق هذا الفيلم إيرادات عالية في شباك التذاكر الأمريكي، وكان التراجع في المبيعات ناتجاً -على الأقل- عن خطأ ما في التسويق يقع عبئه على شركة الإنتاج “وارنر برذرز”؛ فقد أعادت تسمية الفيلم مرة أخرى؛ لكي توضح تحديداً مَن هي بطلة الفيلم، ويصبح اسمه “هارلي كوين.. الطيور الجارحة”؛ حتى تتجنب غضب جمهور المخلصين الذين كانوا قد عرفوا مَن هي هارلي كوين من فيلم “الفرقة الانتحارية” الذي تم إنتاجه عام 2015، وسمعوا أيضاً عن فيلم البطلات الخارقات.

سكارليت جوهانسون تتصدر أفيش فيلم “الأرملة السوداء” من إنتاج “مارفل”- “نيويورك تايمز”

أما عن بقية الأفلام، والتي كان مقرراً لها العرض في دور السينما بين شهرَي مارس ونوفمبر 2020، فقد تم تأجيلها أكثر من مرة. ثم افتتح فيلم “مولان” أخيراً في نهاية الأسبوع خلال عطلة عيد العمال، وتم إطلاقه في دور العرض وعلى شبكات “ديزني” في الوقت نفسه، وكان ذلك أيضاً مقابل رسوم إضافية على الاشتراك الشهري المدفوع لـ”ديزني”. ومن غير الواضح، كم عدد الأشخاص الذين شاهدوا الفيلم على خدمة البث؛ لكن شباك التذاكر الدولي كان محبطاً للغاية لعدة أسباب.

وبالطبع أدت جائحة كورونا إلى خفض الأرقام في شباك التذاكر، حتى بالنسبة إلى أكثر الأفلام المتوقع أن تحقق إيرادات عالية مثل فيلم “عقيدة” للمخرج كريستوفر نولان، وفيلم “مولان” على وجه التحديد، الذي واجه العديد من الجدل والخلافات في الصين، والتي غالباً ما شكلت جزءاً كبيراً من المشكلات التي وقفت في طريقه لكي يحقق مبيعات دولية؛ كونه فيلم أكشن ضخماً تم تصويره في الصين، وبطاقم عمل صيني.

شاهد: فيديوغراف.. “كورونا” يُصيب الفن السابع حول العالم

وحينما قامت شركة “مارفل” بتأجيل عرض فيلمَي “الأرملة السوداء” و”الخارقون”، تكون بذلك قد وجهَّت الضربة القاضية إلى مخرجة فيلم “الخارقون” كلوي تشاو، التي كانت على استعداد لأن تحصد نجاحاً كبيراً؛ حيث تحتل تشاو الصدارة في سباق الأوسكار هذا العام عن فيلمها “نوماندلاند”، الذي استعانت في بطولته ببدو رُحَّل حقيقيين بدلاً من الممثلين؛ لتطلق بذلك منافسين أقوياء للفوز بجائزة الأوسكار، وبالتالي كان من الممكن أن تكون مجموعة أفلام “مارفل” الملحمية محلقةً إلى الفضاء، لولا قرار التأجيل. ويعتبر فيلم “المرأة المعجزة 1984” حالة اختبار لمستقبل الأفلام بشكل عام، سواء في طريقة العرض في المستقبل عبر قنوات البث المباشر بالتزامن مع عرضها في دور السينما -وهو الأمر الذي سوف يصبح عادياً عما قريب- أو في ما يتعلق بمستقبل النساء العاملات في صناعة السينما والمخرجات بشكلٍ خاص.

مسيرة حركة “مي-تو” في هوليوود.. ديسمبر 2017- وكالات

ونحن لن نعرف حقاً إذا ما كانت فكرة البث عبر الشبكات الخاصة سوف تحقق نجاحاً أم لا؛ فشركة “وارنر ميديا” التي تمتلك عدداً من شركات البث، لم تقرر بعد الإعلان عن الأرقام الخاصة بالمشاهدات، كما أن نظام “الفيديو حسب الطلب-VOD” الذي تستخدمه هذه الشركات عادةً ما تكون له إحصاءات غامضة بعض الشيء؛ حيث يكون من غير الواضح كم عدد الأشخاص الذين شاهدوا الفيلم بأكمله، أو هؤلاء الذين بدؤوا في مشاهدة الفيلم لمدة بضع دقائق قبل الانتقال إلى فيلم آخر.

اقرأ أيضاً: حقائق وأرقام: أين يقف العالم من ظاهرة العنف ضد النساء؟

وحتى لو كانت تلك الأرقام ممتازة؛ فمن غير المرجح أن يحقق إصدار خاصية “الفيديو عند الطلب” لفيلم “المرأة المعجزة 1984” الربح الذي يتحقق عند عرض الفيلم في دور السينما في أي عام عادي؛ حيث حقق الجزء الأول من الفيلم نفسه إيرادات وصلت إلى 821.8 مليون دولار أمريكي، بسعر 15 دولاراً شهرياً، وهنا يجب على قنوات “إتش بي أو ماكس” أن تقوم بتسجيل 54.8 مليون مشترك جديد -أي أكثر بكثير من مشتركيها الذين يبلغ عددهم 36.3 مليون مشترك- وذلك لمواكبة المكاسب المالية العالية للفيلم الأول.

ما الذي نتوقعه في العام الثاني للجائحة؟

وربما لم يمضِ وقت طويل على مشاركة النساء في صنع أفلام للأبطال الخارقين أو الأكشن؛ وهو ما كان لوقتٍ قريب أمراً شبه مستحيل، فقد كشفت فضيحة تسريب البريد الإلكتروني لشركة “سوني بيكتشرز”، والتي حدثت قبل 6 سنوات فقط، واستقالت على أثرها الرئيسة التنفيذية للشركة؛ حيث اعتقد بعدها بعض المديرين التنفيذيين أنه من المستحيل لفيلم بطلته أنثى خارقة أن يبيع.

إيمي باسكال الرئيسة التنفيذية لشركة “سوني بيكتشرز” التي استقالت بعد فضيحة تسريب البريد الإلكتروني- “الجارديان”

وإذا كانت النساء ما زلن يخرجن أفلاماً خارقة وأكشن نسائية، فإن عدد النساء اللاتي أدَّين أدوار البطولة قليل جداً، كما يحصلن على أجر أقل من زملائهن الرجال. وقبل أن تدخل باتي جينكيز في إخراج فيلم “المرأة المعجزة”، كان من المفترض أن تدخل التاريخ قبل ذلك بأعوام مع إخراج فيلم “ثور 2” الذي تم إنتاجه عام 2013 مع مخرج مختلف.

وفي ذلك الوقت، أظهرت جينكيز تميزاً واختلافاً إبداعياً، وقيل إن الممثلة ناتالي بورتمان ضغطت كي تكون مخرجة فيلم “ثور 2” أنثى، وكانت غير راضية تماماً عن رحيل جينكيز، حتى إنها تركت العمل في تلك السلسلة بعد وقتٍ قصير من رحيل المخرجة. وحين تحدثت جينكيز هذا العام، قالت إنها غادرت الفيلم لأنها رأت أن السيناريو كان سيئاً، وأن اللوم كان سيقع عليها إذا لم يخرج الفيلم بشكل جيد؛ حيث صرحت إلى مجلة “فانيتي فير”، قائلةً: “أعتقد أنها كانت سوف تصبح مشكلة ضخمة، وكانت ستبدو وكأنها خطئي أنا”، وأضافت: “سيبدو الأمر كما لو أن هذه المرأة أخرجت فيلماً، وفوتت فيه كل تلك الأشياء”. وتلك هي الأعباء التي تقع على امرأة رائدة، لم تنطلق بكامل قوتها بعد.

اقرأ أيضاً: 10 نجوم سينمائيين خسروا أدواراً في أفلام شهيرة

وحتى الآن لا تعرف شركات الإنتاج ما سوف يتحقق في عام 2021؛ فمعظم الأفلام الرئيسة التي كان من المقرر إطلاقها في 2020، يزدحم بها تقويم العام المقبل. وحتى مع انتشار اللقاح على نطاقٍ واسع، فمن المحتمل ألا يعود الجمهور بأعدادٍ كبيرة إلى دور السينما، بل سوف يتوافدون على مدار فتراتٍ زمنية متباعدة.

وقد تؤدي حقيقة التأخيرات التي نتجت عن جائحة كورونا إلى زيادة الفوضى في جداول إصدار الأفلام؛ ولعل قرار شركة “وارنر برذرز” ببثّ أفلامها على قنوات “إتش بي أو ماكس”؛ بما فيها الأفلام الضخمة، في الوقت الذي تحقق فيه تلك الأفلام إيراداتٍ عالية إذا تم إطلاقها بدور العرض السينمائية، من شأنه تغيير نموذج عروض الأفلام إلى الأبد.

ويأتي هذا التحول مخيباً للآمال في حظوظ المخرجات بعد تاريخ طويل من السنواتِ المحبطة، والذي بالتأكيد سوف يستمر أثره لسنواتٍ طوال؛ خصوصاً أن صناعة أفلام بهذا الحجم تستغرق فترات طويلة جداً؛ كي تأتي بثمارها. وكان لدى البعض منا شيء من الأمل في أن تصبح 2020 سنة ثورية تتحول معها الأمور من “سيئة” إلى “مقبولة” على أقل تقدير؛ لكن الدكتورة مارثا لوزان؛ المديرة التنفيذية لمركز دراسة المرأة في التليفزيون والسينما، قالت في تقييمها إن التغيير في هذه الصناعة قد جاء بالفعل من خلال التطور وليس الثورة، ويبدو أنها على حق.

♦كاتبة في مجلة “تايم”.

المصدر: مجلة تايم

اتبعنا على تويتر من هنا

تعليقات عبر الفيس بوك

التعليقات

مقالات ذات صلة