الواجهة الرئيسيةترجماتشؤون دولية

كيف فقد المجتمع الأمريكي إيمانه بأصحاب الخبرة والمتخصصين؟

كيوبوست- ترجمات

توم نيكولز

نشرت مجلة “فورين أفيرز” مقالة من كتاب “موت الخبرة.. الحملة ضد المعرفة الراسخة وسبب أهميتها”، لمؤلفه توم نيكولز، أستاذ شؤون الأمن القومي في كلية الحرب البحرية الأمريكية، يتناول ظاهرة تخلي المجتمع الأمريكي عن تقدير العلماء وذوي الخبرة في مقابل التعصب في طرح وجهات النظر التي تعتمد على مصادر معرفة سطحية أو مضللة.  

اقرأ أيضاً: التحدي الحقيقي لبايدن في مواجهة “كورونا” هو استعادة الثقة في العلم

يقول نيكولز: في عام 2014، وفي أعقاب الغزو الروسي لشبه جزيرة القرم، نشرت صحيفة “واشنطن بوست” نتائج استطلاع رأي سأل الأمريكيين عما إذا كان ينبغي على الولايات المتحدة التدخل عسكرياً في أوكرانيا. وكان واحد فقط من بين كل ستة أشخاص يمكنه تحديد موقع أوكرانيا على الخريطة، وكان متوسط الإجابات بعيداً بنحو 1800 ميل عن الموضوع.

لكن هذا النقص في المعرفة لم يمنع الناس من التعبير عن وجهات نظر محددة. وفي الواقع، فضَّل المجيبون التدخل بما يتناسب بشكل مباشر مع جهلهم، أو بعبارة أخرى كان الأشخاص الذين اعتقدوا أن أوكرانيا تقع في أمريكا اللاتينية أو أستراليا هم الأكثر حماساً لاستخدام القوة العسكرية هناك.

متظاهرون يحتشدون ضد لقاح “كورونا” وعمليات الإغلاق.. حيث يعكس التشكيك في خطورة الوباء ظاهرة شك أوسع تجاه الخبرة العلمية- “لوس أنجلوس تايمز”

وهذا لا يشبه النفور الأمريكي التقليدي من المثقفين وأصحاب المعرفة؛ فأنا أستاذ جامعي وأتفهم ذلك.. معظم الناس لا يحبون الأساتذة، وأنا مُعتاد على اختلاف الناس معي في الكثير من الأشياء. والنقاشات المستنيرة والقائمة على المبادئ هي علامة على الصحة والحيوية الفكرية في أية ديمقراطية؛ بل إنني قلق لأنه لم يعد لدينا ذلك النوع من النقاشات، لأنها أصبحت مجرد مباريات من الصراخ والغضب.

اقرأ أيضاً: العلماء الفائزون بـ”نوبل” ما بين العقلانية والغرائبية وتحفيز المجتمع

ويعبر توم نيكولز عن خوفه من تجاوز الحدود الطبيعية للتشكك في ادعاءات الخبراء من خلال قتل فكرة الخبرة في حد ذاتها. وهو انهيار مدمر تغذيه “جوجل”، ويستند إلى “ويكيبيديا” والمدونات؛ حيث الانقسام بين المهنيين والأشخاص العاديين، والمعلمين والطلاب، ومَن يعرف ومَن يتساءل؛ بعبارة أخرى بين أولئك الذين حققوا إنجازاً في مجال ما وأولئك الذين لا يملكون أي إنجاز.

ولا أعني بموت الخبرة هنا موت القدرات الفعلية للخبير؛ حيث إن معرفة أشياء معينة تميز بعض الناس عن غيرهم في المجالات المختلفة. وسوف يكون هناك دائماً أطباء ومحامون ومهندسون وغيرهم من المتخصصين، الذين يتوجه معظم الأشخاص العاقلين إليهم مباشرة إذا أُصيبوا بكسر أو تم القبض عليهم أو احتاجوا إلى بناء جسر.

مؤشرات المسح الاجتماعي الذي أجرته جامعة شيكاغو من عام 1973-2018.. وتشير البيانات إلى نسبة المشاركين الذين أجابوا بنعم حول الثقة في قيادات مؤسسات الجيش والتعليم والكونغرس والإعلام

فالمناقشات الأوسع نطاقاً، بدءاً من: ما الذي يشكِّل نظاماً غذائياً مغذياً؟ وصولاً إلى ماهية الإجراءات التي ستعزز مصالح الولايات المتحدة على أفضل وجه، تتطلب محادثات بين المواطنين العاديين والخبراء؛ لكن لا يرغب المواطنون على نحو متزايد في إجراء تلك المحادثات.

اقرأ أيضاً: نساء أسهمن في تطور العلم.. لكن جرى دفنهن في الهوامش

لكنهم بدلاً من ذلك يرغبون في أن يدلوا بدلوهم وأن يتم التعامل مع آرائهم باحترام عميق وتكريم لتفضيلاتهم ليس على أساس قوة حججهم أو على الأدلة التي يقدمونها، بل بناءً على مشاعرهم وعواطفهم وأية معلومات ضالة يكونون قد التقطوها هنا أو هناك على طول الطريق.

ويؤكد أستاذ شؤون الأمن القومي أن تلك التفاعلات الاجتماعية غير السوية شيء سيئ للغاية؛ حيث لا يمكن للمجتمع المعاصر أن يعمل دون تقسيم اجتماعي للعمل. فلا أحد خبير في كل شيء، ونحن نزدهر لأننا نتخصص، ونطور آليات وممارسات رسمية وغير رسمية تتيح لنا الثقة في بعضنا البعض في تلك التخصصات واكتساب المنفعة الجماعية من خبراتنا الفردية.

واجه د.أنتوني فاوتشي (80 عاماً) -المتخصص في المعاهد الوطنية للصحة والذي تمتد مهنته إلى سبعة رؤساء أمريكيين- انتقادات لازعة وتشكيكاً شعبوياً من المجتمع خلال إدارته أزمة “كورونا”- “بي بي سي”

مشيراً إلى أنه لا يمكن اختزال المشكلة في السياسة أو الطبقة الاجتماعية أو الجغرافيا؛ لأنه غالباً ما يقود الحملات المناهضة للمعرفة الراسخة أناس لديهم كل الأدوات التي يحتاجون إليها لمعرفة أفضل. وعلى سبيل المثال، اكتساب الحركة المناهضة للقاحات -أحد الأمثلة الكلاسيكية المعاصرة لهذه الظاهرة- أكبر قدر من الانتشار بين الناس؛ فجزء من المشكلة هو أن بعض الناس يعتقدون أنهم خبراء في حين أنهم في الواقع ليسوا كذلك.

اقرأ أيضاً: شياطين العلم.. من ديكارت إلى داروين وما بعدهما

وحول الثقة التي يتمتع بها المتعصبون لآرائهم بغير علم، أورد توم نيكولز مثالاً بتجربة مررنا بها جميعاً؛ وهي أن نكون محاصرين في حفلة، حيث يحظى واحد من أقل الأشخاص في الغرفة اطلاعاً بانتباه الجميع، ويحاضر بثقة الضيوف الآخرين بسلسلة من التفاهات والمعلومات المضللة؛ وهو موقف حقيقي، ويُسمى “تأثير دانينغ-كروجر”، نسبة إلى عالمَي النفس ديفيد دانينغ وجستين كروجر.

وجوهر هذا التأثير أنه كلما كنت أقل مهارة أو كفاءة، زادت ثقتك في أنك في الواقع جيد جداً في ما تفعله. والنتيجة الرئيسة التي توصل إليها علماء النفس هي أن: “هؤلاء الأشخاص لا يتوصلون فقط إلى استنتاجات خاطئة ويتخذون خيارات مؤسفة؛ بل إن عدم كفاءتهم يسلبهم القدرة على إدراك ذلك”.

المتظاهرون يسيرون باتجاه مبنى الكابيتول خلال مسيرة العلوم المناهضة لسياسات ترامب الشعبوية.. واشنطن 2017- “رويترز”

ويلفت نيكولز إلى أن قلة قليلة من المواطنين اليوم يفهمون الديمقراطية باعتبارها شرطاً للمساواة السياسية؛ حيث يحصل الجميع على حق التصويت ويتساوون في نظر القانون، بل إنهم ينظرون إليها باعتبارها حالة من المساواة الفعلية؛ حيث يكون كل رأي فيها بنفس جودة أي رأي آخر، بغض النظر عن الأساس المنطقي أو الاستدلالي الذي يستند إليه.

اقرأ أيضاً: ستيفن هوكنج: حينما ينشغل الناس بالتكفير ويتجاهلون التفكير!

لكن ليست هذه هي الطريقة التي تعمل بها الدولة الجمهورية، وكلما سارع المجتمع الأمريكي إلى وضع قواعد أساسية جديدة للمشاركة المثمرة بين النخب المتعلمة والمجتمع من حولهم، كان ذلك أفضل. كما يتعين على الخبراء أن يتذكروا دوماً أنهم خدم لمجتمع ديمقراطي وحكومة جمهورية.

ومع ذلك، يجب على أسيادهم/ مواطنيهم ألا يسلحوا أنفسهم بالتعليم فحسب؛ بل أيضاً بنوع الفضيلة المدنية التي تبقيهم منخرطين في إدارة بلدهم، فلا يمكن للناس العاديين الاستغناء عن الخبراء، وعليهم قبول هذا الواقع دون ضغينة.

♦أستاذ شؤون الأمن القومي في كلية الحرب البحرية الأمريكية، ومؤلف كتاب “موت الخبرة.. الحملة ضد المعرفة الراسخة وسبب أهميتها” (مطبعة جامعة أكسفورد، 2017).

المصدر: “فورين أفيرز”

اتبعنا على تويتر من هنا

تعليقات عبر الفيس بوك

التعليقات

مقالات ذات صلة