فلسطينيات

كيف ستنعكس ارتدادات الربيع العربي على القدس بعد قرارات ترامب؟

ثلاث دول عربية مدمَرة بالكامل، وسياسة عربية وقفت في موقف الدفاع عن النفس

خاص كيو بوست –

منذ منتصف القرن الماضي، وبدء ظهور حركات التحرر العربية من الوصاية والاستعمار، لم تشهد الأمة حالة من الضعف وانعدام الاستقرار مثل التي تعيشها هذه الأيام. فجميع المآسي والصعوبات التي عانت منها الدول العربية في العقود السابقة، كانت محصورة بالأنظمة السياسية، ولم تستنزف معنويات الشعوب ومقدّراتها.

بداية من نكسة عام 1967، حين استطاعت إسرائيل، في ستة أيام، احتلال أراضٍ عربية تبلغ مساحتها أربعة أضعاف مساحة الدولة المحتلّة، جرى توصيف الهزيمة بأنها هزيمة للنظام السياسي العربي، وليست هزيمة للشعوب؛ إذ أن الجيوش العربية -نتيجة للعملية العسكرية الغادرة ضدها- لم تأخذ فرصتها في المواجهة، وهو ما حاولت الأنظمة العربية تصحيحه في جولات لاحقة، مثل حرب الاستنزاف التي وقعت بعد النكسة مباشرة، أو في تحالف الأنظمة العربية أثناء حرب 1973، وتحقيق الانتصار العربي الأول على إسرائيل.

كما أن شرارة الانتفاضة الفلسطينية الثانية، جاءت بعد أزمة في السياسة الفلسطينية، وفشل في مفاوضات السلطة الوطنية الفلسطينية مع دولة الاحتلال، بعكس حرب الخليج الثانية والاقتتال العربي-العربي المتمثل بغزو العراق لدولة الكويت، ثم استنزاف السياسة العربية، التي انعكست نتائجها على القضية الفلسطينية، بتوقيع اتفاقية أوسلو، ببنودها التي مثّلت أقل مستوى لطموحات الثورة الفلسطينية.

العبرة من الأزمات والحروب السابقة التي خاضها العرب ضد عدو خارجي، هي أنه ورغم ارتفاع التكلفة وسوء النتائج، إلا أنها لم تستطع النيل من معنويات الشعوب، وإصرارها على استكمال المواجهة.

 

التوقّع من غير استعداد

في السنوات الأخيرة، وفي أحداث مشابهة لما حدث في حرب الخليج الثانية، ربما كانت الشعوب العربية ترى أن الفرصة صارت مهيأة للولايات المتحدة وإسرائيل، للقيام بخطوة عدوانية تستهدف الحقوق العربية، فقد انتشرت في الآونة الأخيرة، وخصوصًا مع موجة ما يسمّى “الربيع العربي”، الأحاديث عن تقسيم الدول العربية وفقًا لما اصطلح على تسميته “سايكس بيكو الثانية”. وقد حذرت عشرات المنشورات والأبحاث من مؤامرات يجري إعدادها في الغرف المظلمة، تستهدف الوطن العربي أو القضية الفلسطينية، فقد انتشرت على الشبكة العنكبويتة صور لما سمي بـ”خريطة الدم”، ثم الحديث عن صفقة العصر، وإسرائيل الكبرى.

كان الربيع العربي وحده قد أفضى إلى جميع تلك التحذيرات، ولم تأتِ المخاوف العربية سوى من شعور عميق بأنّ الفوضى التي نشرها الربيع بحركاته الجهادية المتطرفة، جاءت لتمهيد الطريق أمام إسرائيل والولايات المتحدة لإخراج مؤامرة ما. ولم يأتِ دخان تلك التوقعات من غير نار، بعد القلق الوجودي الذي أفرزه الربيع العربي في الدول التي نال منها، وتداخل حالات الصراع ما بين السني والشيعي، والعلماني مع الليبرالي، والقومي مع الإسلامي، والحكومي مع المعارض، والجهادي المتطرّف ضد الجميع؛ فبحسب دراسة أصدرها “المنتدى الإستراتيجي العربي” في يوليو 2017، عن تكلفة الربيع العربي خلال السنوات الخمس السابقة، كانت نتائجها على العرب بمثابة كارثة:

-دمار كامل في البنية التحتية لأربع دول عربية: ليبيا واليمن والعراق وسورية.

-14 مليون لاجىء.

-8 ملايين نازح.

-1.4 مليون قتيل وجريح.

-30 مليون عاطل عن العمل.

-900 مليار دولار بنية تحتية.

-640 مليار دولار الخسائر السنوية في الناتج المحلي العربي.

-50 مليار دولار تكلفة اللاجئين سنويًا.

-ترليون و200 مليار دولار كلفة الفساد في المنطقة العربية.

-47 مليون عربي لا يعرفون القراءة والكتابة.

-4.5 مليون طفل لم يلتحقوا بالمدارس.

-70 مليون عربي يعيشون تحت الفقر المدقع.

-%60 زيادة في معدلات الفقر في العامين الأخيرين.

-خمس دول عربية في قائمة الدول الأكثر فسادًا في العالم.

-%90 من لاجئي العالم عرب.

-%80 من وفيات الحروب عالميًا عرب!

والأهم من كل تلك النتائج، أن إسرائيل عاشت أزهى عصورها في مرحلة الربيع العربي، مع الاقتتال العربي الداخلي، والحروب الأهلية التي استنزفت مقومات الدول، وحولت ثلاث دول على الأقل لا تقيم مع إسرائيل علاقات أو اتفاقيات سلام، إلى دول فاشلة، كما وتحول اثنان من أكبر الجيوش العربية المحاذية لفلسطين إلى جيوش منهكة بالكامل.

 

عوامل ضعف القرار العربي الرسمي

حمد ونجاد

بالإضافة إلى تأثير الأزمة على المواطن العربي مباشرة، أصبح النظام العربي عاجزًا هو الآخر، نتيجة لحالة التشرذم التي مزّقت المنطقة، وتبنّي أنظمة عربية لفئات متطرفة وتوظيفها ضد دولهم الأم؛ ففي حالتي مصر وسوريا اللتين تضررتا من الإرهاب والتخريب، والاستهداف السياسي والاقتصادي لهما، تقف الدولتان منذ سبع سنوات في موقف الدفاع عن النفس، لمحاولة إعادة البناء وتثبيت استقرار الوضع الداخلي، ومنع إرهاصات التقسيم التي كان من بوادرها الإرهاب الديني، ومحاولة الإرهابيين الاستحواذ على مناطق جغرافية وعزلها عن الدولة المركزية، خاصة مع ارتهان قوى المعارضة المتطرفة في البلدين إلى دول مثل قطر وتركيا، استخدمتهما كسيف مسلّط على رقاب الدول العربية، لتنصيب من يدين لها بالولاء، مما استدعى وقوف الجيوش في الدول المستهدفة في وجه النفوذ الخارجي، وقمع الأدوات الأجنبية التي تلبسّت بغطاء الدين والديمقراطية في سبيل الوصول إلى الحكم.

أما الأنظمة في دول الخليج العربي، فقد انشغلت بالصراع فيما بينها، إعلاميًا وعلى الأرض، وتقف هي الأخرى في موقف الدفاع عن النفس، ضد قوى إقليمية كإيران التي تسعى إلى النفاذ إلى داخل الجزيرة العربية، عبر إمداد الميلشيات المسلحة على حدودها، وإقامة قواعد عسكرية في الخليج، كما فعلت تركيا.

وكان فشل مخرجات القمة الخليجية الأخيرة في الكويت، وانخفاض مستوى التمثيل فيها، انعكاسًا لحالة الفرقة، وعدم وجود بوادر للصلح فيما بينها، مما استبعد وجود قرار خليجي موحد أو تنسيق لقرار يخص عروبة القدس.

حالة التناحر الاستثنائية التي تعيشها الأنظمة، وانشغال بعض الدول بمشاكلها الداخلية والخارجية، لإجهاض الارتدادات السلبية لكارثة الربيع العربي عليها، كان هو الأساس في ضعف القرارات الرسمية العربية. وعلى الرغم من محاولة الجهات التي أشعلت الربيع العربي -وعلى رأسها حركة الإخوان المسلمين- تحميل تلك الأنظمة مسؤولية قرار ترامب بخصوص القدس، إلا أن تطرّف وإرهاب تلك الجهات وولاءها للخارج، كان هو الممهد لحالة الضعف العربي التي تعاني منه الأوطان رسميًا وشعبيًا.

 

ربّ ضارة نافعة

بعد ازدياد الصراعات وحالات الشقاق في المنطقة العربية، واستفادة الدول الكبرى من تلك الصراعات، ولعبها على المتناقضات لتنفيذ أجنداتها لصالح إسرائيل، قد تصبح قضية القدس أهم عوامل الصلح بين تلك الأنظمة، بما تمثله القدس من رمزية دينية يجمع على قدسيتها العرب من كافة أديانهم وطوائفهم، فتختصر سنوات من الصراعات الباردة والساخنة. ولكن ذلك، يحتاج أولًا إلى قرار من الدول التي دعمت التطرّف منذ البداية، وأطلقت على الإرهابيين ألقاب المعارضة السلمية! وفتحت لهم قصورها وأسست لهم منابر إعلامية لاستنزاف بلدانهم. فالخطوة الأمريكية الأخيرة، إن مرّت قبل لم الشمل العربي، فقد تتبعها خطوات تمس وجود الدول القريبة والبعيدة، وربما تعيد إلى السطح الحديث عن “خريطة الدم” وإسرائيل الكبرى وسايكس بيكو ثانية؛ وليس ذلك ببعيد.

وأقرب الحلول لفك التناحر العربي-العربي، هو العودة إلى ما قبل أحداث الربيع العربي، وعزل المتطرفين وتجفيف منابعهم، ففي أدنى التوقعات، قد يجمع النظام العربي الرسمي على قرار موحد يرفعونه في وجه الولايات المتحدة وإسرائيل، مثلما قدّموا من قبل “المبادرة العربية” وتمسكوا ببنودها إلى حين، وتلك الخطوة حتى لو كانت سياسية، إلّا أنها قد تمنع الشر الكبير، وتحوّل وجهة الصراعات من داخل الوطن العربي إلى الخارج.

 

تعليقات عبر الفيس بوك

التعليقات

مقالات ذات صلة