الواجهة الرئيسيةترجماتشؤون دولية

كيف ستضر بنا جميعاً حرب اللقاحات؟

قد يبدو الاستحواذ على إمدادات اللقاحات وتخزينها وحتى الاستئثار بصنعها أمراً منطقياً بالنسبة إلى الدول في الحالات الطارئة.. ولكن الضرر الذي لحق بالثقة سيكون هائلاً

كيوبوست- ترجمات

سايمون ويلسون

ما الذي حدث؟

يبدو أن التهديد بحرب لقاحاتٍ شاملة بين بريطانيا والاتحاد الأوروبي قد بدأ بالانحسار هذا الأسبوع؛ حيث حاول رئيس الوزراء البريطاني بوريس جونسون، والزعيمة الألمانية أنجيلا ميركل، تهدئة التوترات واستعادة “التكامل الدولي”؛ ولكن شبح “اللقاح الوطني” لا يزال يلاحق أوروبا، بعد أن هددت أورسولا فون دير لاين، الأسبوع الماضي، بفرض ضوابط طارئة في الاتحاد الأوروبي على إنتاج اللقاح وتوزيعه لمواجهة ما وصفته بأزمة القرن.

واقترحت رئيسة المفوضية الأوروبية وقف الصادرات إلى الدول التي لا تتعامل بالمثل، وتمنع تدفق الجرعات إلى الاتحاد الأوروبي؛ بل إنها اقترحت تفعيل المادة 122 من ميثاق الاتحاد التي تجيز اتخاذ تدابير استثنائية طارئة (في أوقات الحرب أو الطوارئ المدنية) للتحكم في توزيع المواد الأساسية. ورد وزير الخارجية البريطاني دومينيك راب، بإدانة سياسة السير على حافة الهاوية. ولكن القصة لم تكتمل بعد، وقد صرح الاتحاد الأوروبي، هذا الأسبوع، بأن الخيارات كلها لا تزال على الطاولة.

اقرأ أيضًا: فيديوغراف.. تدشين أول خط تصنيع وإنتاج لقاح “كوفيد-19” في الإمارات

هل يتعلق الأمر بأوروبا وحدها؟

بالطبع لا؛ فهي قضية عالمية.. ففي الولايات المتحدة، يجب على الشركات صانعة اللقاحات أن تلتزم بتوريد كميات عقودها المحلية أولاً وقبل البدء في التصدير، وحتى الأسبوع الماضي كان هنالك حظر أمريكي شامل على تصدير جميع لقاحات “كوفيد-19″، وكذلك على المعدات والتجهيزات والمواد الأولية اللازمة لتصنيع هذه اللقاحات.

يقول جيرمي وارنر، في صحيفة “دايلي تيليغراف”: “وافقت الحكومة على مضض على البدء بتصدير بعض الدفعات إلى كندا التي طلبت بشكل مسبق عدداً أكبر من اللقاحات لكل فرد من أية دولة أخرى في العالم؛ ولكنها تواجه صعوبات في الحصول على طلبياتها”. والهند أيضاً تعمل على تقليص صادراتها المتعاقد عليها مع المملكة المتحدة في مواجهة عودة الارتفاع في أعداد المصابين فيها. يضيف وارنر: “الجائحة هي كارثة عالمية، واللقاح هو نتاج سلاسل التوريد العالمية الشاملة والمتكاملة تماماً”، ويرى أنه من المثير للسخرية أن نرى دول العالم تتدافع في سياسة “أنا ومن بعدي الطوفان”.

حرب اللقاحات التي يشنها الاتحاد الأوروبي سخيفة وخطيرة وستؤدي إلى نتائج عكسية في محاربة “كوفيد-19”- “ذا إندبندنت”

سلاسل التوريد.. كم هي دولية؟

تعتمد بريطانيا على صادرات لقاح “كوفيد-19” من الاتحاد الأوروبي، التي بلغت عشرة ملايين جرعة بين نهاية يناير ومنتصف مارس؛ ولكن ضمن الاتحاد الأوروبي هنالك أكثر من 30 مصنعاً من السويد إلى إسبانيا تسهم في إنتاج اللقاحات. وتمتلك شركة “أسترازينيكا” وحدها منشآت تصنيع في 25 موقعاً في 15 دولة. وشركة “موديرنا” الأمريكية، تصنع مكونات لقاحها في سويسرا، وتقوم بتعبئة الجرعات في إسبانيا، وتشحنها من هناك إلى جميع المشترين خارج الولايات المتحدة. وشركة “فايزر” أيضاً، لديها منشآت تصنيع غير أمريكية موجودة في الاتحاد الأوروبي؛ ولكن أحد المكونات الرئيسي للقاح “فايزر” يأتي من مصنع “كرودا إنترناشيونال” الموجود في ساوث يوركشاير.

اقرأ أيضاً: لقاح أكسفورد يبصر النور.. وبريطانيا تبدأ اليوم حملة التلقيح الوطني

كل ذلك يفسر المخاوف المتزايدة من الانزلاق نحو الحمائية، ورفض التميز النسبي باعتباره المبدأ الحاكم للتجارة الدولية. غالباً ما يُقال إنه ليس هنالك رابحون في الحرب التجارية؛ ولكن روس كلارك من صحيفة “سبيكتيتر”، يقول: “ولكن في هذه الحالة سيكون هنالك رابح واحد بلا شك، وهو الفيروس المسبب لمرض (كوفيد-19)”.

هنالك رابح واحد في حرب اللقاحات هو فيروس “كوفيد-19”- “موني ويك”

ماذا يعني التميز النسبي؟

التميز النسبي هو قدرة بلد ما (أو شركة أو قطاع اقتصادي آخر) على إنتاج بضائع أو خدمات معينة بتكاليف أقل من شركائه التجاريين الآخرين. قبل قرنين من الزمن، طرح الاقتصادي ديفيد ريكاردو، التميز النسبي؛ لإظهار كيف تستفيد جميع الدول إذا ما ركزت كل منها على ما تتميز به نسبياً، شريطة وجود تجارة حرة بين هذه الدول.

ومع أن فكرة التميز النسبي هو إحدى اللبنات الأساسية في الاقتصاد الحديث، فإنها غير بديهية ومن الصعب فهمها. وفي ما يتعلق بمسألة “كوفيد-19″، فإن بناء قدرات عالمية على إنتاج اللقاح هو أمر منطقي؛ لذلك يفترض المرء أن جميع الدول يجب أن تحاول صنع اللقاح من أجل حماية مصالحها الوطنية؛ ولكن النظرية الاقتصادية تشير إلى أن ذلك الأمر لن يكون فعالاً وستكون له نتائج عكسية.

اقرأ أيضاً: المسنون أم العاملون الأساسيون.. مَن يجب أن يحصل على لقاح فيروس كورونا أولاً؟

هل تريد الدول أن تصنع لقاحاتها منفردة على أية حال؟

هذا محتمل جداً. وكما يرى جايمس فورسيث من صحيفة “التايمز”؛ فالدرس الذي أخذته بريطانيا من هذه الأزمة هو أهمية الإنتاج المحلي؛ ففي الأزمات “إذا لم تكن متأكداً من أن ديمقراطيات السوق الحرة سوف تُحترم، يجب عليك أن تتأكد من أن الإمدادات الطبية الأساسية يتم تصنيعها محلياً”. ويقول فيليب ستيفنز، في صحيفة “فاينانشال تايمز”: “إن الضرر الذي أحدثه فيروس كورونا قد ركز التفكير على الصدمات غير المتوقعة، ونقاط الضعف الوطنية التي خلقتها سلاسل التوريد الدولية المعقدة”.

وبينما كانت الحكومات أكثر تعاوناً، وكان انسياب البضائع عبر الحدود في الوقت المناسب يعِد بزيادة الازدهار، أصبح الحديث اليوم يدور حول “المرونة” و”السيادة”. وبذلك يكون الفيروس قد سرَّع اتجاهاً قائماً، على الأقل منذ الأزمة المالية الأخيرة عام 2008. من المفهوم أن الجائحة عالمية؛ ولكن السياسات محلية، وصعود الشعبوية قد ترك الحكومات في حالة دفاعية، ولكن دفع العالم باتجاه الحمائية والتوجه نحو الاكتفاء الذاتي هو مأزق في غاية الخطورة. ليس هنالك من حلول وطنية محلية لمشكلة الفيروس، والدول التي تجتاز خط النهاية في سباق اللقاحات لن تنجو من العواقب الاقتصادية؛ لعجزها عن توفير اللقاح للدول النامية.

دول نامية تبحث عن بدائل بعد أن حظرت الهند تصدير لقاح “كوفيد-19”- “وول ستريت جورنال”

ما العواقب؟

حاول الكثير من الاقتصاديين التخمين، وتوقعت إحدى الدراسات الحديثة المثيرة للاهتمام، أجرتها غرفة التجارة الدولية، أن “الاقتصاد العالمي سيخسر ما يصل إلى 9.2 تريليون دولار (كان الناتج المحلي الإجمالي العالمي لعام 2019، 88 تريليوناً) إذا ما فشلت الحكومات في ضمان حصول الاقتصادات النامية على لقاح (كوفيد-19)، وأن نصف تلك الخسائر سيكون من نصيب الاقتصادات المتقدمة”. وكذلك أظهرت تقارير من مؤسسة “راند يوروب” ومجموعة “يوراسيا” نتائج مشابهة. بالطبع هذه الأرقام تخمينية، ولكنها تشير إلى حجم القضية.

يرى ويليام هيغ، في صحيفة “دايلي تيليغراف”، أن أكبر أضرار هذه الجائحة سيكون على بيئة النظام العالمي القائم على التعاون والثقة الأساسيين للازدهار والتقدم. ويقول: “إذا لم نتمكن من تجاوز إغراءات وطنية اللقاحات، فسوف ندفع ثمناً باهظاً لعقود قادمة”.

المصدر: موني ويك

اتبعنا على تويتر من هنا

 

تعليقات عبر الفيس بوك

التعليقات

مقالات ذات صلة