الواجهة الرئيسيةترجماتشؤون دولية

كيف سترسم روسيا والصين وإيران مستقبل أفغانستان؟

كيوبوست– ترجمات

نيلوفر سخي♦

انطلقت مرحلة جديدة من التعاون الإقليمي بعد قرار الرئيس الأمريكي جو بايدن، سحب جميع القوات الأمريكية من أفغانستان بحلول الحادي عشر من سبتمبر 2021، ويهدف هذا التعاون إلى إحياء الجهود لخلق إجماع حول التحديات الأمنية المشتركة. يجتمع مسؤولون من إسلام آباد وبكين وموسكو وطهران أو يخططون للقاءات مع قيادة “طالبان” والحكومة الأفغانية، بالإضافة إلى مشاورات وزير الخارجية الأمريكي أنتوني بلينكن، مع القادة الأفغان والباكستانيين، ومؤتمرات مارس في موسكو ودوشانبي وطاجيكستان.

لا يمكن التوصل إلى حلٍّ دائم للحرب الأفغانية من دون إجماعٍ وطني على خارطة طريق سياسية للبلاد. ولكن هذه الجهود الإقليمية تشكل مرحلة موازية وحاسمة من عملية السلام السياسية؛ لأن الصراع في أفغانستان متعدد الأبعاد. فكل دولة في المنطقة لديها مصالح محددة تؤثر على مشاركتها في مستقبل أفغانستان، وتعكس علاقات القوى الإقليمية السياسة الواقعية القائمة.

اقرأ أيضاً: إعلان مكة للسلام في أفغانستان.. خطوة نحو إنهاء العنف

لدى كل من روسيا والصين وإيران الكثير لتكسبه (أو تخسره) من عملية السلام الأفغانية. فقد انخرطت هذه الدول في السنوات الأخيرة بشكلٍ مباشر في السياسة الأفغانية، سواء على الصعيد الرسمي من خلال العلاقات الدبلوماسية بين دولةٍ وأخرى أو بشكل غير رسمي، من خلال دعم فصائل سياسية معينة. أصبح كلٌّ من روسيا وإيران لاعبين إقليميين فاعلين في الشأن الأفغاني، منذ بداية عملية السلام الأفغانية عام 2018. بالإضافة إلى ذلك، فإن شراكات الصين مع هذه الدول سوف تحدد بشكل أكبر معالم أفغانستان في مرحلة ما بعد الانسحاب العسكري الأمريكي.

القوات الأمريكية تنفذ الجزء الأول من خطة الانسحاب من الأراضي الأفغانية.. 2020- “سي إن إن”

روسيا والصين.. حليفان وخصمان مهيمنان      

في سياقِ سياسات القوى العظمى، دأبت روسيا على توسيع نفوذها في وسط آسيا، وقد حفز القرار بانسحاب القوات الأمريكية روسيا على زيادة وجودها العسكري في المنطقة. وانخراط موسكو في عملية السلام الأفغانية، وفي المنصات الإقليمية -خصوصاً من خلال مجموعة الترويكا+ التي تضم الولايات المتحدة وروسيا والصين وباكستان- يرتبط بشكل كبير بالتهديدات التي تواجهها من انعدام الأمن والتطرف الديني وإنتاج المخدرات وتهريبها في أفغانستان. في هذه المرحلة، فإن الاهتمام الرئيسي لروسيا ودول وسط آسيا ينصب على أمنها الخاص؛ فهذه الدول تريد التأكد من أن التمرد والقلاقل السياسية في أفغانستان ما بعد الانسحاب الأمريكي لن يتجاوزا حدودها. ومن المرجح أن تجد روسيا طريقة للعمل مع “طالبان” التي يتوقع كثيرون أن تمسك بزمام السلطة (سواء بشكل رسمي أو غير ذلك) في أفغانستان الجديدة.

اقرأ أيضاً: الرئيس الأفغاني يكتب: لحظة المخاطرة والفرص في أفغانستان!

سوف يسمح الانسحاب الأمريكي، وما سيتركه من فراغ محتمل في السلطة، لروسيا بالحصول على موطئ قدم جيوسياسي في أفغانستان. ولهذا السبب بدأت بالفعل في بناء علاقات مع الفصائل السياسية الأفغانية. فروسيا تعتبر نفسها قوة إقليمية مهيمنة، وترى في الانسحاب الأمريكي فرصة لإحياء دورها وتوسيع نفوذها، من خلال بناء تحالفات في المنطقة؛ خصوصاً مع الصين.

يمكن للصين تحقيق مصلحتها الرئيسية المتمثلة في ضمان تحقيق مكاسب اقتصادية من خلال استغلال موقع أفغانستان الجغرافي كحلقة وصل إقليمية في مبادرة الحزام والطريق (الاسم الرسمي لما يعرف بمشروع طريق الحرير- المترجم) أو الممر الاقتصادي بين الصين وباكستان. بالإضافة إلى ذلك، فإن الصين كانت منذ عام 2007 تبحث عن طرق لاستخراج الثروات المعدنية الهائلة في أفغانستان؛ الأمر الذي يتطلب استقراراً أمنياً، وبنية تحتية للنقل. ولا شيء من هذا يمكن تحقيقه في غياب الاستقرار في البلاد، ولذلك فإن الصين لا تزال تقيِّم المشهد السياسي في أفغانستان، وما يمكن أن تحققه من مكاسب من أي اتفاق للسلام فيها.

مقاتلون من طالبان في أفغانستان: رويترز

وفقاً لقاعدة “عدو عدوي هو صديقي” تتوق كل من بكين وموسكو إلى تقويض دور واشنطن. والتحالف بين الصين وروسيا هو اليوم أقوى من أي وقتٍ مضى منذ أواسط خمسينيات القرن الماضي. ومن خلال شراكة استراتيجية شاملة سيعمل البلدان على توسيع نطاق نفوذهما السياسي في المنطقة عن طريق اتفاقيات ثنائية أو ثلاثية الأطراف، انطلاقاً من إدراكهما أن العلاقات الحميمة بين القوى الإقليمية لا تدوم طويلاً. في المرحلة الراهنة ستحافظ كلٌّ من بكين وموسكو على وجودهما في أفغانستان؛ للوقوف في وجه التهديدات المحتملة لأمنهما التي قد يسببها عدم الاستقرار في هذا البلد.

ومع أن أياً من البلدين لا يرغب في وجود إمارة إسلامية بجواره، فمن المحتمل أنهما سيوافقان على نظام كهذا إذا كان يخدم مصالحهما. وهذا أمر يتطلب الحفاظ على علاقة جيدة مع “طالبان”.

اقرأ أيضاً: الاتفاق بين الولايات المتحدة وطالبان لا يضمن السلامَ في أفغانستان

إيران.. اللاعب القوي

كما هي الحال بالنسبة إلى روسيا، فإيران تعتبر واحداً من أكثر اللاعبين الإقليميين نفوذاً في أفغانستان. وهي لطالما اعتبرت أفغانستان تهديداً لأمنها، وفي الوقت نفسه فرصة لتوسيع تجارتها والوصول إلى أسواق أفغانستان وآسيا الوسطى. لم تكن إيران ترغب على الإطلاق في وجود أمريكي طويل الأمد في أفغانستان، وقد استهدفت هذا الوجود بالقوة الناعمة والخشنة. وإيران تعارض اتفاق الأمن الثنائي بين أفغانستان والولايات المتحدة، وتدعم المتمردين المناهضين للولايات المتحدة. لدى إيران مصالح أمنية كبيرة في أفغانستان، وقد حاربت الدولة الإسلامية في إقليم خراسان؛ حيث أرسلت لواء “فاطميون” الذي يعتمد على مقاتلين من الأفغان الشيعة. سوف تسعى إيران إلى الحفاظ على وصولها إلى الأسواق الأفغانية، وعلى الترويج للفكر الشيعي وعلى التصدي للتهديدات العابرة للحدود؛ مثل التطرف الديني وتهريب المخدرات وحركات التمرد. وهي تميل إلى العمل بهدوء في البلاد باستخدام القوة الناعمة لتوسيع نفوذها فيها.

وعلى الرغم من رؤيتهم المشتركة للوجود العسكري الأمريكي؛ فإن روسيا لا ترغب في وجود إيران قوية في مواجهة نفوذها الإقليمي. كما أن التقارب بين إيران والولايات المتحدة يثير قلق موسكو من احتمال أن يقوِّض النفوذَ الروسي أو يهمشه.

ومع انسحاب القوات الأمريكية سوف يتعزز النفوذ الإيراني المباشر في أفغانستان، وستسعى إيران لحماية مصالحها من خلال بناء التحالفات مع القوى الإقليمية؛ خصوصاً الصين وروسيا. فالاتفاقية التي وقعتها إيران مع الصين، والتي تعِد باستثمارات تصل قيمتها إلى 400 مليار دولار، هي ثاني أكبر شراكة صينية في المنطقة، بعد تعاون الصين مع روسيا. وعلى الرغم من تنامي العلاقات الصينية- الإيرانية؛ فإن بكين سوف تحرص على ألا تؤثر هذه العلاقات على علاقاتها مع دول الخليج العربية الغنية بالنفط.

وزيرا خارجية الصين وإيران يوقعان اتفاقية تعاون رسمية في طهران.. مارس 2021- “فرانس برس”

وعلى الرغم من أن الاتفاقيات بين القوى الإقليمية قد لا يكون لها تأثير مباشر على أفغانستان في المستقبل القريب؛ فإنها سوف تؤثر على ديناميكيات القوة الأفغانية على المدى البعيد، خصوصاً بالنظر إلى أن الاتفاقية الصينية- الإيرانية تشمل تعميق التعاون العسكري، من خلال تبادل المعلومات الاستخباراتية. بالإضافة إلى ذلك فإن هذه الاتفاقية، في حال استمرارها، سوف تقوي التعاون بين الصين وإيران اللتين تعارضان من حيث المبدأ الهيمنة الأمريكية على المنطقة.

اقرأ أيضاً: بيع الفتيات مقابل الغذاء.. سوق جديدة صاعدة في أفغانستان

ماذا بعد؟

تخلق الاتفاقية الثنائية بين الصين وإيران والشراكة الصينية- الروسية الشاملة، البيئة الملائمة لشراكة ثلاثية بين هذه الدول يمكنها أن تحدد معالم الهيكلية الأمنية للمنطقة. من المحتمل ألا تقوم أي من روسيا أو الصين أو إيران بغزو أفغانستان؛ ولكنها سوف تستخدم هذا البلد كساحة معركة لمنافستها الاستراتيجية مع الولايات المتحدة. بالإضافة إلى ذلك، فإن هذه الدول تدرك أن أفغانستان سوف تواجه عدم استقرار طويل الأجل؛ لذلك فهي تخشى من أن يزعزع الانسحاب الأمريكي أمن المنطقة بشكل يعرضها إلى تهديدات عابرة للحدود.

وفي هذا السياق، فإن استمرار الشراكة الأمريكية مع أفغانستان، من خلال التنمية والعلاقات الدبلوماسية وتبادل المعلومات الاستخباراتية، وغيرها من أشكال التعاون، سوف يمنع أفغانستان من أن تصبح ملاذاً للإرهابيين، وسيسمح لواشنطن بالمحافظة على قاعدة في المنطقة لمواجهة خصومها الإقليميين. وللحفاظ على النظام الإقليمي، يجب على الدبلوماسية متعددة الأطراف أن تسير جنباً إلى جنب مع انخراط -وليس انسحاب- الولايات المتحدة من المنطقة.

بالإضافة إلى ذلك، فيجب أن تضم عملية السلام إيران وروسيا والصين؛ كي تتمكن هذه الدول من التفاوض على مصالحها مع الفصائل السياسية الأفغانية، وتقديم مواردها لتعزيز السلام والاستقرار في أفغانستان. ومن المؤكد أن هذا الأمر سوف يخدم المصالح الاقتصادية والأمنية لجميع الأطراف.

♦زميلة غير مقيمة في مركز جنوب آسيا التابع للمجلس الأطلسي، ومديرة السياسات والدبلوماسية في شركة “مكولم آند كومباني”.

المصدر: المجلس الأطلسي

اتبعنا على تويتر من هنا

تعليقات عبر الفيس بوك

التعليقات

مقالات ذات صلة