الواجهة الرئيسيةترجماتشؤون دولية

كيف ستؤثر قوة الصين المتزايدة على العلاقات الخليجية- الصينية؟

دفعت الأحداث العالمية الأخيرة -عن قصد أو عن غير قصد- الصين ودول الخليج إلى أحضان بعضهما بعضاً

كيوبوست- ترجمات

ندى عجور

تسببت جائحة “كوفيد-19” في حدوث موجات من الصدمات في أسواق الطاقة. ومنذ مارس 2020 دفعت عمليات الإغلاق العام حول العالم بالعاملين للعمل عن بُعد، ودفعت بالطلاب إلى التعليم الافتراضي. ووفقاً لتقديرات العام الماضي، فقد انخفض الطلب على الطاقة بنسبة 5%، وانخفضت الاستثمارات في مجال الطاقة بمعدل 18%.

ومع تخفيف القيود وبداية تعافي الاقتصاد، فإن الحياة الطبيعية التي يأمل كثيرون في عودتها لا تزال واحدة من الرفاهيات التي ليست في متناول منتجي الطاقة. وفي السباق إلى الامتثال للضغوط السياسية المتزايدة للحد من انبعاثات الكربون مع الحفاظ على مستقبل الطاقة في نفس الوقت، ربما سيصبح التحالف الصيني- الخليجي مركز الثقل الجديد لأسواق الطاقة العالمية.

اقرأ أيضاً: ملتقى أبوظبي الاستراتيجي.. مناقشات حول “الصين” و”اللحظة الخليجية”

لا شك أن الجائحة قد ألقت بظلالها القاتمة على قطاع الطاقة. وقد أعلنت وكالة الطاقة الدولية، مؤخراً، أن الطلب على الطاقة لن يعود إلى مستويات ما قبل الجائحة حتى عام 2023، وفقاً لأكثر التوقعات تفاؤلاً أو حتى عام 2025، في حال تعثر تعافي الاقتصاد العالمي. وعلى كل حال، فإن عودة الطلب على الطاقة إلى مستوى ما قبل الجائحة لا تعني بالضرورة عودة النمو إلى مستوى ما قبل الجائحة. يقدر النمو المتوقع بين عامَي 2019 و2030 بنحو 4% في حالة تأخر التعافي، مقارنةً مع نسبة 12% التي كانت متوقعة في عالم خالٍ من “كوفيد-19”.

ومع ذلك، فقد سلَّطت الجائحة الضوء أيضاً على أهمية توفر إمدادات موثوقة من الطاقة الكهربائية. تتوقع وكالة الطاقة الدولية أن يدعم قطاع الطاقة الكهربائية، الذي يفوق الطلبُ عليه الطلبَ على مصادر الطاقة الأخرى، تعافي الاقتصاد وأن يسهم بنحو 21% من استهلاك الطاقة العالمي بحلول عام 2030. ويكمن الدافع وراء هذا التوجه نحو الكهرباء في الأهداف العالمية العديدة لخفض الانبعاثات، وزيادة استخدام السيارات الكهربائية والتدفئة الكهربائية في الاقتصادات المتقدمة، وزيادة الاستهلاك في الأسواق الناشئة.

الصين ستقود العالم في تحوله بعيداً عن الوقود الأحفوري- صحيفة “التايمز”

قائد المجموعة

تقود الصين هذا النمو، ومن المتوقع أن تكون هي الدافع الرئيسي للطلب على الطاقة خلال العقد المقبل. وبعد دعوته إلى “ثورة الطاقة”، سعى الرئيس الصيني شي جين بينغ، إلى وضع الصين في موقع اللاعب الرئيسي في أسواق الطاقة العالمية. وبينما تحتل الصين مركز الصدارة بين الدول المستهلكة والمنتجة للطاقة الكهربائية التي تنتج باستخدام الفحم الحجري، فإن تعهد الرئيس شي بأن تصبح الصين دولة محايدة للكربون بحلول عام 2060 يعني أن تلبية الطلب المتزايد على الطاقة سوف يعتمد على المصادر المتجددة.

من المتوقع أن تكون حصة الصين 40% من إجمالي التوسع في مجال الطاقة المتجددة، وهي دولة رائدة في مجال الطاقة النووية وإنتاج الوقود الحيوي، وستنتج نصف الطاقة الضوئية الموزعة في العالم تقريباً. بالإضافة إلى ذلك، فمن المتوقع أيضاً أن يرتفع الطلب الصيني من نمو قطاع الكهرباء في العالم من 28% إلى 40% بحلول عام 2030. ونتيجة للشهية المتزايدة لدول شرق آسيا للطاقة النظيفة، فقد فاقت الاستثمارات العالمية في قطاع الكهرباء استثمارات النفط والغاز للمرة الأولى في التاريخ.

اقرأ أيضاً: هل تغير الاتفاقية الصينية- الإيرانية قواعد اللعبة في الشرق الأوسط؟

وبطبيعة الحال، كما في كل الأمور، سيكون هنالك رابحون وخاسرون. ومع تزايد الطلب على الكهرباء، أدى تباطؤ الطلب العالمي على النفط إلى انخفاض أسعاره. ومع توقع تراجع الطلب في ثلاثينيات القرن الحالي، تشتد حاجة دول الخليج إلى تنويع اقتصاداتها مع تحول النفط إلى عبء أكثر بعد أن كان نعمة. ومع اندفاع دول الخليج نحو الحصول على حصتها في نظام الطاقة العالمي الجديد، ربما تبدأ هذه الدول بالتطلع إلى الشرق بدلاً من الغرب في البحث عن أصدقاء يعتمد عليهم.

الصين والخليج

ليست العلاقات الصينية- الخليجية حدثاً جديداً. ونظراً لكون الصين أكبر مستورد في العالم للنفط والغاز؛ فقد هيمنت هاتان السلعتان على العلاقات التجارية الصينية- الخليجية، وكانتا أساس التحالف الخليجي الذي تقوده المملكة العربية السعودية. توفر دول مجلس التعاون الخليجي نحو 30% من مستوردات النفط الصينية، وتتصدر المملكة العربية السعودية القائمة؛ حيث تصل حصتها إلى أكثر من 16% من إجمالي واردات الصين من النفط. ولكن في عالم يتجه بعيداً عن النفط ربما تتطلع دول مجلس التعاون والصين إلى بعضهما البعض لتأمين مستقبل الطاقة فيها.

الإنفاق الحكومي في مجال الطاقة المتجددة عام 2016- جامعة فرانكفورت- برنامج الأمم المتحدة للبيئة

نمت العلاقات الصينية- الخليجية بشكل مطرد منذ إنشاء منتدى التعاون الصيني العربي عام 2004 إلى الحوار الاستراتيجي الصيني الخليجي عام 2010. لذلك لم يكن من المفاجئ أن تعطي الصين دول مجلس التعاون دور البطولة في مبادرتها التي أطلقت عليها تسمية مبادرة الحزام والطريق، والتي أعلنتها عام 2013 كمشروع للبنى التحتية العالمية التي تهدف إلى تعزيز التواصل المادي والتكامل المالي والتجارة والنمو الاقتصادي، والتي أصبحت الركيزة الأساسية للسياسة الخارجية الصينية التي ازداد نشاطها كثيراً في عهد الرئيس شي.

تحدَّث شي خلال المؤتمر الوزاري السادس لدول منتدى التعاون الصيني- العربي عام 2014، حول دول الخليج باعتبارها “شركاء تعاونيين طبيعيين في العمل المشترك” لبناء مبادرة الحزام والطريق. وهذا ما يمهد الطريق أمام سيل من الاتفاقيات والاستثمارات بمليارات الدولارات بين الصين ودول الخليج، وأمام تعزيز مبادرة الحزام والطريق في شبه الجزيرة العربية، وتعميق العلاقات الاقتصادية مع دولها.

اقرأ أيضاً: مبادرة “الحزام والطريق” الصينية.. فرص كبيرة وتهديدات حقيقية تواجهها دول الخليج

اتبعت أنشطة الاستثمارات الصينية في الخليج إطار التعاون الصيني- العربي 1+2+3، الذي يشكل التعاون في مجال الطاقة محوره الأساسي، إلى جانب الاستثمارات والبنى التحتية وتسريع الاختراقات في ثلاثة قطاعات عالية التقنية؛ هي الطيران والأقمار الصناعية، والطاقة النووية والجديدة.

ومما لا شك فيه أن مبادرة الحزام والطريق تهدف بشكلٍ رئيسي إلى تعزيز الركيزة الأساسية المتمثلة في التعاون في مجالات الطاقة. سوف تمكن هذه المبادرة التي يطلق عليها أحياناً تسمية “طريق النفط” الصينَ من إنشاء البنى التحتية الضرورية ومنشآت نقل وتكرير النفط الضرورية لضمان مستقبل الطاقة فيها، ولضمان امتلاء خزائن دول مجلس التعاون الخليجي. سوف تزداد أهمية هذه الخطط الطموحة في السنوات القادمة.

الدورة السادسة للاجتماع الوزاري لمنتدى التعاون العربي- الصيني- وكالات

وعلى الرغم من اضطرابات الاقتصاد وأسواق الطاقة التي سببتها الجائحة؛ فإن العلاقات الصينية- الخليجية لن تعاني التباطؤ، بل ربما تكون الجائحة قد مهدت الطريق لمزيدٍ من الاعتماد المتبادل بين الصين ودول الخليج. وينطبق هذا الأمر بشكل خاص على دول الخليج التي يعتمد اقتصادها بشكل كبير على انتعاش أسواق النفط العالمية. وربما تكون الصين هي الاستجابة لدعاء وزراء النفط الخليجيين؛ حيث يمكنها أن تحفز النمو من خلال توفير تدفق مضمون للعائدات النفطية، مما سيوفر الاستقرار لاقتصادات دول الخليج من دون أي شك.

بعيداً عن قطاع الطاقة، توفر المنطقتان كنزاً من الفرص الاستثمارية التي من المرجح أنها سوف تعمق العلاقات؛ لا سيما مع عمل دول مجلس التعاون على تنفيذ خططها لتنويع اقتصاداتها. إن أوجه التعاون بين الرؤى المتعددة لأجندات دول مجلس التعاون ومبادرة الحزام والطريق الصينية متعددة وكثيرة، وتعتبر إحدى نقاط التعاون الرئيسية.

اقرأ أيضاً: دخول التنين… نفوذ الصين المتزايد في الشرق الأوسط وشمال إفريقيا

وقد وصل الجانبان بالفعل إلى المراحل النهائية من إبرام اتفاقية التجارة الحرة التي طال انتظارها بين الصين ودول مجلس التعاون الخليجي؛ وهي خطوة ستدفع دون أي شك بالتعاون الاقتصادي وستفتح الأبواب أمام طيف واسع من الفرص التجارية. وقد اتخذت المملكة العربية السعودية بالفعل خطوات نشطة لتعزيز التعاون مع رؤية الحزام والطريق من خلال توقيع عدد من الاتفاقيات ومذكرات التفاهم مع الصين.

ومنذ ذلك الحين اعتبرت الرياض مبادرة الحزام والطريق “واحدة من الركائز الأساسية لرؤية 2030 السعودية”؛ ما يجعل الصين “من بين أكبر الشركاء الاقتصاديين للمملكة”.

الرئيس شي يدعو إلى التوقيع على اتفاقية تجارة حرة بين الصين ودول مجلس التعاون الخليجي- صحيفة “تشاينا دايلي”

الشركاء الأقرب

وبالتالي، فمن الواضح أن الأحداث العالمية الأخيرة دفعت بالصين ودول مجلس التعاون إلى أحضان بعضها بعضاً؛ سواء طوعاً أو كرهاً. ومن المتوقع أن تكتسب العلاقات الصينية- الخليجية زخماً إضافياً في السنوات القليلة المقبلة؛ خصوصاً في مجال التعاون في مجالات الطاقة الذي يرجح أن يستمر في قيادة هذا التحالف الاستراتيجي كقطاع يحظى بأهمية كبرى متبادلة.

وفي الوقت نفسه، تسعى الصين إلى تعزيز موقعها في الخليج، وربما تجد نفسها عالقة في وسط صراعات القوى الإقليمية التي تهدد الاستقرار، وبالتحديد التنافس السعودي- الإيراني. إلا أن الرئيس شي لم يعبر عن أية نيَّات للخلط بين الاقتصاد والسياسة، كما ظهر خلال جولته الأخيرة التي زار خلالها كلاً من المملكة العربية السعودية وإيران من بين دول أخرى في المنطقة.

اقرأ أيضًا: رؤية الصين: حملة عنيفة لخلق عالم من تصورها الخاص

ومع ذلك، فإذا كانت الصين ترغب في تعزيز موقعها في الخليج، فإن ضمان السلام الإقليمي سيصبح دون شك أولوية بالنسبة إلى بكين. وربما يكون الحياد الصيني هو الموقف المطلوب بالضبط لنزع فتيل التوترات الإقليمية، وللحفاظ على مستوى من التوافق يبقي الخلاف دون نقطة الغليان.

وعلى الرغم من ذلك؛ فإن العلاقات الصينية- الخليجية ستحتل مركز الصدارة في المستقبل القريب، وإن الصين لن تحل محل الولايات المتحدة باعتبارها القوة المهيمنة في الشرق الأوسط على المدى المنظور. إن تركيز بكين على القضايا الاقتصادية، وليس السياسية، يجعل من الصين “الصديق الأقل تعقيداً، وليس بالضرورة الصديق الأفضل”، على حد تعبير الأمير تركي بن فيصل آل سعود.

المصدر: فير أوبزيرفر

اتبعنا على تويتر من هنا

تعليقات عبر الفيس بوك

التعليقات

مقالات ذات صلة