الواجهة الرئيسيةترجماتشؤون دولية

كيف دفعت واشنطن بالعراق بين ذراعَي إيران؟

إن أجمل انتقام يمكن لإيران أن تتخيله بعد اغتيال الجنرال قاسم سليماني سيكون إكمال الهدف الذي لم تنجزه في حياتها وهو "طرد القوات الأمريكية من العراق"

كيوبوست- ترجمات

لم تكن طهران أقرب إلى هذا الهدف أكثر منه الآن، خصوصًا بعد أن أقر البرلمان العراقي قرارًا يوم الأحد 5 يناير الجاري، يطلب فيه من السلطة التنفيذية تنظيم مغادرة القوات الأجنبية من البلاد.. هذا النص الذي يبدو رمزيًّا، يترك الاحتمالات مفتوحةً بشأن طرق هذا الانسحاب -كامل أو جزئي أو فوري أو متقطع بمرور الوقت- لكنه في الوقت نفسه يدل على حالة عدم الارتياح العميق التي وصلت إليها العلاقة بين واشنطن وبغداد.

من خلال انتهاك السيادة العراقية، للقضاء على الجنرال سليماني ومساعده في العراق أبي مهدي المهندس، أحيت واشنطن شياطين مناهضة لأمريكا، لم تكن متشبعة بمثل هذه الرغبة في الانتقام ضدها منذ الاحتلال الأمريكي عام 2003- 2011.

القوات الأمريكية في العراق- “أ ف ب”

لقد وفَّرت واشنطن لإيران وحلفائها العراقيين من الأحزاب الدينية الشيعية والميليشيات المسلحة التي اهتز استقرارها منذ شهر أكتوبر الماضي بفعل الاحتجاجات، فرصةً لإسكات المنتقدين، ولوضع حد للصراع على السلطة بين الراعين الرئيسيين المتنافسين على النفوذ في العراق منذ سقوط الديكتاتور صدام حسين، لقد أوضحت طهران نقطة حاسمة لواشنطن مفادها أن رحيل القوات الأمريكية سيجعل من الإيرانيين سيد العراق الوحيد. 

اقرأ أيضًا:مصدر عراقي لـ”كيوبوست”: “حزب الله” اللبناني يتدخل في العراق لإنقاذ مصالحه الاقتصادية

مأزق حقيقي

قبل ستة أشهر فقط، لم يتخيل أحد أن الولايات المتحدة قد تضطر إلى مغادرة العراق وتسليمه إلى إيران؛ خصوصًا بعد فقد أكثر من 4000 جندي أمريكي هناك، واستثمار 1000 مليار دولار منذ عام 2003.

وبالنظر إلى رغبة واشنطن المتواصلة في مواجهة النفوذ الإيراني في المنطقة، يتساءل كثيرون عما إذا كان الرئيس الأمريكي دونالد ترامب، نفسه، يريد الإبقاء على القوات الأمريكية هناك، وهو الذي لا يخفي رغبته في الانسحاب من المنطقة بين الحين والآخر.

اقرأ أيضًا: تظاهرات العراق.. ساحات حرب على الفساد والتبعية الإيرانية

المأزق الذي يبدو أن واشنطن تجد نفسها فيه اليوم ليس الحقيقة الوحيدة التي على الرئيس ترامب مواجهتها؛ إنها النتيجة الحتمية لتقلبات السياسة الأمريكية منذ عام 2003 واستراتيجية التأثير التي فرضتها الجمهورية الإسلامية بصبر واضح.

إبان الاجتياح الأمريكي للعراق، فتح الرئيس الأمريكي الأسبق جورج بوش، أبواب هذا البلد على نطاق واسع للجار الشيعي من خلال الإطاحة بصدام حسين، وتفكيك مؤسساته وإنشاء نظام سياسي طائفي استفادت منه الأحزاب الدينية الشيعية القريبة من إيران، وأسهم الرئيس باراك أوباما أيضًا في تعزيز القبضة الإيرانية في العراق عندما قرر سحب الوحدات الأمريكية في أواخر عام 2011 إبان فترة تولِّي رئيس الوزراء الشيعي نوري المالكي.

أدَّى توسُّع تنظيم الدولة الإسلامية في عام 2014، والذي كانت تغذيه السياسات الطائفية لنوري المالكي، إلى عودة القوات الأجنبية؛ خصوصًا الأمريكية، بدعوة من بغداد، وبين عام 2014 ونهاية عام 2017 أدَّت هذه الحرب إلى تعاون نادر وغير مباشر بين واشنطن وطهران، من خلال شخصية حيدر العبادي، خليفة المالكي؛ لكن قرار الرئيس ترامب في مايو 2018 بالانسحاب أحادي الجانب من الصفقة النووية الإيرانية وإعادة فرض العقوبات على طهران كان بمثابة نهاية لهذا التعاون.

عادل عبدالمهدي مع وزير الخارجية الأمريكية- “رويترز”

ساحة قتال بديلة

ما بين الإرادة الأمريكية في ممارسة “أقصى قدر من الضغط” على إيران، وإرادة طهران في القيام بـ”أقصى مقاومة لهذا الضغط”، لا يمكن للعراق تجنُّب أن يصبح ساحة قتال بين كفيلَيه المتنافسَين.

في الحقيقة، لقد بذلت سلطات بغداد جهودًا للقيام بذلك؛ ولكن بدلًا من مساعدتها على تخليص أنفسها من الوصاية الإيرانية المرهقة، تجاهلها ترامب وجعل من العراق أداة للسياسة الإيرانية.

إن اختيار ترامب إعلان الانسحاب من الصفقة النووية عام 2015 قبل أربعة أيام فقط من أول انتخابات برلمانية في العراق بعد القضاء على “داعش”، والتي كانت ستحدد التوازن بين المعسكر الوطني والمعسكر الموالي لإيران، كان أحد أبرز تلك الإخفاقات.

اقرأ أيضًا: محاولات السيطرة الإيرانية على العراق قد تشمل فرق الاغتيالات!

بعد الانتخابات صعَّدت طهران من نفوذها؛ لضمان تعيين رئيس وزراء لا يهدد مصالحها الحيوية في العراق. وعلى الرغم من أن تعيينه قد تم بالتوافق مع واشنطن في أكتوبر 2018؛ فإن عادل عبدالمهدي الشيعي المستقل، لم يجد أية مصلحة في نظر الإدارة الأمريكية، التي اعتبرته ضعيفًا وقريبًا جدًّا من طهران.

في بغداد، اعتبر الاجتماع الفاشل بين ترامب وعبدالمهدي في قاعدة عين الأسد الجوية، في 26 ديسمبر 2018، خلال الزيارة المفاجئة للرئيس الأمريكي، بمثابة إشارة خاطفة إلى تدهور العلاقات الثنائية؛ حتى إن الدعوة التي طال انتظارها من عبدالمهدي لزيارة واشنطن، والتي كان يمكن أن تبدد هذا الانزعاج، لم تأتِ قط.

مع تصاعد التوتر بين الولايات المتحدة وإيران، ضاعف الرئيس ترامب التصريحات الهجومية، وكرر أنه يريد الاحتفاظ بالنفط العراقي لسداد المليارات المستثمرة في هذا البلد منذ عام 2003، وبرر الاحتفاظ بقواته لغرض وحيد هو مواجهة إيران.

اقرأ أيضًا: صراع شيعي – شيعي حول التأثير الإيراني داخل العراق

وبدلًا من دعم حركة الاحتجاج الواسعة التي هزَّت بغداد والجنوب الشيعي منذ أكتوبر 2019 وإدانة خنق الأحزاب الدينية الشيعية وإيران لهذا البلد وشعبه، ظلت واشنطن غائبة.

حتى جاء الأسوأ من ذلك، فالتصعيد مع إيران على الأراضي العراقية منذ نهاية ديسمبر، واغتيال سليماني، أوقف آمال التغيير الهائلة التي كان العراق ينتظرها؛ بل يشعر العراقيون مرة أخرى اليوم أنهم مجرد بيادق في المعركة بين الخصمَين اللدودَين.

المصدر: لوموند

اتبعنا على تويتر من هنا

تعليقات عبر الفيس بوك

التعليقات

مقالات ذات صلة