الواجهة الرئيسيةترجماتشؤون دولية

كيف حدَّثت روسيا آلياتها ما بين عامي 2016 و2020؟

ذهب ترامب لكن خطط الكرملين لإحراج الديمقراطية لا تذهب

كيوبوست – ترجمات

ألينا بولياكوفا♦

انتهت الانتخابات الرئاسية في الولايات المتحدة هذا العام، وفاز جو بايدن في مقابل دونالد ترامب الذي خلَّف تكالبه على السلطة العديد من الأسئلة بشأن قضايا جوهرية في تاريخ الولايات المتحدة؛ من بينها التساؤل عما إذا كانت أمريكا قد نجحت بالفعل في تجاوز حملة التدخلات الرهيبة في سياستها الداخلية من قِبل روسيا خلال انتخابات عام 2016؟ وإلى أي مدى تمتد هذه التدخلات إلى انتخابات 2020؟!

وكانت موسكو قد نجحت في اقتناص فرصة لامعة كلفتها مبالغ مالية تقدر بنحو 1.25 مليون دولار في الشهر الواحد تم إنفاقها على وكالة أبحاث الإنترنت التي انطلقت من مقرها بمدينة سان بطرسبرج على هيئة لجان إلكترونية مهمتها نشر المعلومات الكاذبة أثناء الانتخابات الرئاسية الأمريكية. ولم تكن تلك المبالغ سوى مقابل زهيد للفوائد التي جنتها روسيا؛ وعلى رأسها التدخل في السياسة الداخلية للولايات المتحدة من خلال مساندتها للرئيس الأمريكي السابق دونالد ترامب، الأمر الذي نتج عنه هزيمة مهينة لهيلاري كلينتون.

اقرأ أيضاً: حرب استعراض القوة بين أمريكا وروسيا

لكن تلك الحملة التي شنتها موسكو قد أصابت أهدافاً أخرى عظيمة الأهمية كإظهار الديمقراطية الأمريكية في صورة مزرية باعتبارها عاطلة عن العمل وينقصها الاستعداد والتخطيط الكافيين، فضلاً عن عجز النظام الديمقراطي الأمريكي عن إدراك الخطط المنظمة التي تنفذها روسيا، وهكذا بدت أمريكا كثمرة سهلة القطف في يد بوتين. وربما تغير الوضع بعد مرور 4 أعوام؛ فمخططات موسكو لم تعد تمضي قدماً كما كانت تفعل بسبب تفشي وباء كورونا وما تلاه من تدهور أسعار النفط في إضعاف شوكة موسكو، ما أدى إلى تقهقر مستوى بوتين في مجال السياسة الخارجية؛ وهي الحلبة التي اعتاد أن يحرز فيها نجاحات واعدة في السنوات السابقة، مثل غزو القرم عام 2014، وسنوات التدخل الطويل في سوريا؛ وهي الأمور التي مكنته من تثبيت دعائم نظامه في بلاده.

الرئيس ترامب والرئيس الروسي فلاديمير بوتين في اجتماعهما الفردي في هلسنكي.. فنلندا 2019- “لوس أنجلوس تايمز”

وهنالك ما يمكن أن نسميه بالاتفاق الضمني المستتر خلف سياسات روسيا؛ فالاستراتيجية الوحيدة التي يمكن لموسكو من خلالها استعادة نجاحاتها على مستوى السيطرة الخارجية تتطلب بعض التضحيات الاقتصادية، التي سيتكبدها المواطنون الروس بلا شك، وهم يشعرون الآن أن مستوياتهم المعيشية مهددة بشكل خطير؛ وهو الأمر الذي بدأ في الظهور حتى من قبل تفشي الوباء، إذ يشعرون بأن اقتصاد بلادهم دخل إلى مرحلة من التدهور طويل الأمد، وهو الأمر الذي يدفعهم لمطالبة حكومتهم بالتركيز على المشكلات الداخلية.

صناعة كاملة لترويج المعلومات الزائفة حول العالم

وربما لا يزال النظام الروسي يمنح الأولوية لرغبته في استمرار السيطرة على أصوات الناخبين الأمريكيين حتى على حساب الشؤون الداخلية لبلاده، وهو ما يتجلى الآن في صناعة كاملة تضم عدداً كبيراً من المحللين الذين يجلسون أمام الشاشات في منازلهم، ومن هناك يديرون عمليات ترويج المعلومات الزائفة حول العالم، بينما تقوم مواقع التواصل الاجتماعي بوضع محاذير أكثر صرامة بخصوص الحسابات غير الموثوقة وبرامج الروبوت. كما أن لديهم رغبة شديدة في الإمساك بأية أدلة تدين موسكو أو أي من الحكومات الأخرى المشتبه تورطها في الأمر.

اقرأ أيضاً: من قاعة الحدث.. مذكرات من البيت الأبيض

وعلى الجانب الآخر، هناك المستشار القانوني الخاص بالحكومة الأمريكية، روبرت مولر، الذي أجرى تحقيقاً حول الأمر، وتوصل بناءً على ذلك إلى بعض النتائج المدهشة؛ فلم يكتفِ بالإشارة إلى تورط الكرملين في الأمر، بل أشار إلى موظفي وكالة أبحاث الإنترنت بأسمائهم، فضلاً عن ذكره أسماء منسقي العمليات من وكالة الاستخبارات العسكرية الروسية الذين ثبت قيامهم بتنظيم هجمات إلكترونية استهدفت كلاً من هيلاري كلينتون والحزب الديقراطي الأمريكي.

قال “فيسبوك” و”تويتر إنهما أوقفا حملة تضليل روسية خلال الشهر الحالي.. نوفمبر 2020- “نيويورك تايمز”

وكلما تعرضت الولايات المتحدة إلى الانقسام الداخلي؛ ازداد الوضع سوءاً بالنسبة إلى البيت الأبيض. ففي تلك الحالة سينشغل المسؤولون هناك عن الوقوف ضد تدخلات روسيا في سوريا وأوكرانيا وفي كل مكان آخر، وإذا ما فكرنا إزاء مخاوف الكرملين من تداعيات تدخلاته في الشأن الأمريكي؛ فإن ردود فعل الولايات المتحدة عقب تدخلات عام 2016 بدت أقل من اللازم، وهو الأمر الذي خفف من مخاوف روسيا.

وعلى الرغم من فقدان ردود الفعل تلك للقوة الكافية؛ فإنها كشفت الغطاء عن مقدار التدخلات الروسية، فقد كشفت التحقيقات التي أجراها المستشار القانوني الخاص بالحكومة الأمريكية عن 13 لائحة اتهام فقط؛ معظمها من المسؤولين الصغار بوكالة أبحاث الإنترنت ووكالة الاستخبارات العسكرية الروسية.

اقرأ أيضاً: عودة الجاسوسية الروسية.. أهلًا بكم في الحرب الباردة الجديدة

وكان الكونغرس الأمريكي قد اتخذ قراراته بشأن تطبيق عقوبات موجهة ضد مسؤولين روس وكيانات روسية، ذلك على المستوى الفردي؛ لكن تلك العقوبات ما زالت بعيدة عما يمكن أن نسميه بالمعايير الصارمة. منها على سبيل المثال، فرض عقوبات واسعة على المؤسسات المالية وقطاعات الأعمال الروسية أو حتى حرمان المؤسسات المالية الروسية من خدمة التداولات البنكية الدولية.

وعلى الضفة الأخرى، نجد موقف الرئيس الأمريكي السابق ترامب، شديد الحساسية تجاه الحديث عن التدخلات الروسية في الانتخابات الرئاسية؛ الأمر الذي دفعه في كثير من الأحيان إلى اتخاذ الجانب المضاد للتوجه العام في الاستخبارات الأمريكية، فضلاً عن قيامه بمساندة بوتين في إنكاراته المتتالية لتلك التدخلات.

رجل الأعمال الروسي ويفغيني بريغوزين المقرب من بوتين في موسكو.. مارس 2017- “فورين بوليسي”

ويبدو أن الحكومة الروسية قد تجرأت على الكثير، نستطيع أن نفهم ذلك بالنظر إلى خطواتها الخفية شديدة الجرأة خلال السنوات الماضية، ففي عام 2018 كانت وكالة الاستخبارات العسكرية الروسية قد نجحت في قتل العميل المزدوج سيرجي سكريبال، بالمملكة المتحدة باستخدام السم، وفي وقت مبكر من العام الجاري ظهرت بعض التقارير التي تفيد تورط موسكو في أمر آخر؛ حيث خططت روسيا عام 2019 للإنفاق على المقاتلين الأفغان المنضمين إلى حركة طالبان بغرض دعم هجمات الحركة على القوات الأمريكية في أفغانستان.

ولعل مروجي الأخبار الكاذبة من الروس قد غيروا تكتيكاتهم؛ فقد بدؤوا في ضبط حساباتهم على مواقع التواصل الاجتماعي لتتوافق مع سياسة الحكومة الروسية في نشر الأكاذيب، يتجلى ذلك في عدد من الموضوعات؛ بدءاً من اغتيال سكريبال، مروراً بحركة الاستقلال بكاتالونيا، ووصولاً إلى تداعيات “كورونا”.

تسونامي أكاذيب روسية

وتكمن المشكلة الكبرى في هذا السياق في أن روسيا لم تعد مصدر الخطر الوحيد؛ فافتقاد الولايات المتحدة ردود فعل عنيفة أو حتى بعيدة الأمد قد ضاعف من خطورة الأمر، كما أن ترك روسيا لحال سبيلها دون عقاب رادع قد جعل الباب مفتوحاً أمام الآخرين ليحذوا حذوها، وبالنسبة إلى القادمين الجدد إلى مجال نشر الشائعات والأخبار الكاذبة فهم يجدون في الهجمة التي شنها الكرملين على الولايات المتحدة عام 2016 كتاب إرشادات وافٍ، والطريق مفتوح أمامهم الآن لتتبع خطى الكرملين إلى النهاية.

شاهد: فيديوغراف.. الدور الروسي في فساد المصارف الأمريكية

وتتجلى الخطوة الأولى في بناء قاعدة من المتابعين، وفي وقت مبكر من عام 2014 كانت وكالة أبحاث الإنترنت الروسية قد نجحت في تحقيق هذا الغرض؛ حيث أنشأت عدداً من الحسابات الزائفة على مواقع التواصل الاجتماعي بشخصيات تزعم انتماءها إلى المجتمع الأمريكي، ومن ثم بدأت تلك الحسابات في بث محتوى إلكتروني لا يشترط فيه أن يكون سياسياً أو مثيراً للجدل، لكن يشترط فيه أن يكون جاذباً للجمهور.

نموذج لمنشور على “فيسبوك” من قِبل شخص يروج لموقع ويب مرتبط بوكالة المخابرات العسكرية الروسية- “نيويورك تايمز”

نجد على سبيل المثال أحد الحسابات على موقع “إنستغرام” يُدعى (جيش المسيح- @army-of-jesus) الذي كان يتولى نشر صور ذات علاقة بمسلسل (عرض الدُمى) ومسلسل الرسوم المتحركة (سيمسونز)، وما بين عامَي 2015 و2017 كانت وكالة أبحاث الإنترنت قد أنفقت نحو 100.000 دولار أمريكي لتنشيط صفحاتها الزائفة على مواقع التواصل؛ وهي المبالغ التي أنفِقت على الإعلانات مدفوعة الأجر لتلك الصفحات.

اقرأ أيضاً: كيف تتعرف على الحسابات المزيّفة على فيسبوك؟

وتأتي الخطوة الثانية بمجرد أن يكتسب أي حساب إلكتروني تابع لوكالة أبحاث الإنترنت عدداً من المتابعين فإنه يبدأ في تغيير مساره. وفي تلك المرحلة تبدأ الحسابات وبشكل متزايد في نشر محتوى تحريضي ومثير لإشاعة الأحقاد في ما يتعلق بمسائل العرق والدين والمهاجرين. ونذكر من بينها مجموعة على موقع التواصل الاجتماعي “فيسبوك” موجهة ضد المهاجرين تُدعى (Secure Borders)؛ أي الحدود الآمنة، فضلاً عن حساب مزدوج على “فيسبوك” و”تويتر” يُدعىBlacktivist) )، وتتجلى مهمة الحسابين في إظهار الدعم لحركة (حياة السود مهمة) الأمريكية.

أما الخطوة الثالثة فتتجلى في تحويل التحريضات إلى أفعال على أرض الواقع من خلال قيام الحسابات التابعة لوكالة أبحاث الإنترنت بمراسلة أصحاب الحسابات الحقيقية من المتابعين؛ ومن ثمَّ دعوتهم إلى الخروج في مسيرات، ما قد يتطور عنه في بعض الأحيان تحفيز المشاركين المنتمين إلى اتجاهات مختلفة بعضهم ضد بعض، كما ذُكر في تحقيق المستشار القانوني الخاص بالحكومة الأمريكية أن حساباً تابعاً لوكالة أبحاث الإنترنت على موقع “إنستغرام” يُدعى(Stand for Freedom) كان قد حاول تنظيم مسيرة مساندة للكونفيدرالية في هيوستون خلال عام 2015؛ وهو ما يعني أن الوكالة كانت قد بدأت عملها في وقتٍ مبكر من تاريخ حلول الانتخابات الرئاسية السابقة.

نموذج آخر لحساب شخصي على “فيسبوك” يطلق منشورات محرضة ضد الولايات المتحدة وموالية لروسيا- “نيويورك تايمز”

وقد أصبح بإمكان وكالة أبحاث الإنترنت الوصول إلى ملايين المتابعين؛ فطبقاً لتقارير الشركة نجد أن هنالك نحو 126 مليون متابع على موقع “فيسبوك” وحده، و1.4 مليون متابع على موقع “تويتر”. كما قامت وكالة الاستخبارات العسكرية الروسية بنشر الآلاف من رسائل البريد الإلكتروني المسربة من حملة هيلاري كلينتون خلال انتخابات عام 2016؛ حيث تصدرت تلك الصور قوائم الأخبار لشهور متتالية، ما أسهم في تلطيخ صورة الحزب الديمقراطي وحملة كلينتون الانتخابية.

اقرأ أيضاً: التطورات العسكرية في الشمال السوري وانهيار التفاهمات الروسية- التركية

وكان هنالك على الجانب حملة إيرانية نشطت خلال شهر يناير 2019، ركزت على الأزمة الفلسطينية- الإسرائيلية والحرب في سوريا واليمن، كما كثفت جهودها على استهداف المتابعين لموقعَي “فيسبوك” و”تويتر” بعشرات البلدان؛ من بينها فرنسا وألمانيا والهند والولايات المتحدة، ولمعرفة مدى تأثير تلك الحملة يمكننا أن نطالع حساباً واحداً على “فيسبوك” نجح في اجتذاب نحو مليونَي متابع. ومن الجدير بالذكر أن موقع “فيسبوك” كان قد اتخذ قراره بإلغاء بعض الحسابات الإيرانية التي شك في كونها تستهدف التأثير على الانتخابات الأمريكية.

لقد تم استنساخ التجربة الروسية في إشاعة المعلومات الكاذبة من قِبل عدد من البلدان، والمثير أن تلك النسخ أخذت في التطور شيئاً فشيئاً بفضل الابتكارات الروسية، وبعد أن طورت شركة “فيسبوك” من التقنيات المتعلقة بتتبع الحسابات المزيفة، كانت روسيا قد بدأت في اتباع الحلول البديلة؛ حيث لجأت إلى تنظيم حملاتها الإلكترونية بعيداً عن استخدام الحسابات المزيفة.

نموذج لحساب على “تويتر” ينشر “تسريبات” مضللة وتم الكشف عنه من جهات التحقيق- “نيويورك تايمز”

ولعل إنشاء مواقع جديدة للتواصل الاجتماعي ومراكز إعلامية متخفية تبدو كأفكار جيدة وأكثر قابلية للتطوير مقارنة بمحاولة جذب الجمهور لحسابات التواصل الاجتماعي الخاصة بالأفراد. وباتباع تلك الآلية الجديدة كانت روسيا قد أحرزت خطوات ناجحة في بعض البلدان الإفريقية، وتمكنت نتيجة لذلك من اجتذاب أعداد أكبر من المتابعين. وقد ساعدت تلك الطريقة روسيا على تخطي عقبة ضبط الحسابات الأجنبية، وهي آلية الضبط التي بإمكانها التمييز بين الحسابات المحلية من الأجنبية من خلال إظهار موقعها، وفي خلال مدة لا تتجاوز الأعوام الأربعة كان الحد الفاصل بين الحسابات المحلية والأجنبية قد تلاشى.

اقرأ أيضاً: صحافة دولية: كيف تجاوزت حملات التضليل الإعلامية الإيرانية الخطوط الحمراء؟

على الجانب الآخر، كان بإمكان روسيا إقناع بعض المستخدمين الأمريكيين لتأجير حساباتهم الخاصة على مواقع التوصل الاجتماعي، وأصبح بإمكانها استغلال مواقع بيع المهارات على الإنترنت. فهناك اقتصاد كامل يقوم على تلك المواقع، ومن خلالها يمكن إقناع الكثيرين بترويج المعلومات الكاذبة بأنفسهم، وهو ما يجعل من بعض الأمريكيين يعملون -من دون قصد- كمعاول هدم في أيدي السياسة الروسية؛ فبإمكان الوكالات الروسية التخفي تحت أسماء بعض الشركات الوهمية واكتساب الشرعية من خلالها، ثم تتمكن من دفع الأجور للمواطنين الأمريكيين بالدولار الأمريكي نظير الخدمات التي تبدو مشروعة للوهلة الأولى، فضلاً عن إمكانية الوصول إلى المستخدمين عبر منصات تشفير الرسائل كتطبيق “واتس آب”؛ وهو الأمر الذي حدث في إفريقيا وأمكن تمريره من خلال عمل طبقات إضافية من التشفير.

مثال على منشور تحريضي لإشعال أزمة اللاجئين لموقع الأخبار المزيف “بيس داتا” حيث استأجرت وكالة أبحاث الإنترنت التابعة للمجموعة الروسية أمريكيين للكتابة عبره- “نيويورك تايمز”

ولا يبدو أن الولايات لديها الاستعدادات الكافية لتخطي تلك السيناريوهات المرعبة، وهي لم تفعل ما يكفي لتقي نفسها من أية هجمات جديدة؛ فمنذ عام 2016 لم يحدث أن أجرى الكونغرس الأمريكي أي تشريعات كافية لمعاقبة مروجي الأخبار الكاذبة، وذلك باستثناء بعض العقوبات التي استهدفت أفرداً من المسؤولين الروس أو بعض الكيانات الروسية، كما أن الكونغرس لم يقدم على إجبار شركات التواصل الاجتماعي على اتخاذ إجراءات بديلة للتصدي لهذا الأمر.

قطع خطوط الإمداد

وفي الحقيقة، لا يستطيع أحد تحديد أي من المسؤولين الأمريكيين يمكن أن يكون متورطاً في الوضع، ولدينا بعض الجهات المنوط بها تولي زمام الأمور كمركز المشاركة العالمي على سبيل المثال؛ لكنه يبدو مكتوف الأيدي حيال ما حدث، فكونه جزءاً من وزارة الخارجية يجعله غير قادر قانونياً على فرض إجراءات داخلية، وهو ما دفع مجموعة من الوكالات الحكومية لنشر دليل إرشادي يوضح كيف يمكن للحكومة الفيدرالية تحذير المواطنين الأمريكيين من التورط في قضايا التدخلات الخارجية، وعلى ما يبدو أن تلك الجهود تفقد الكثير من تأثيرها نتيجة فوضى التخصصات.

تم نشر تقرير المستشار الخاص روبرت مولر في أبريل 2019- موقع “بوليتيكو”

وكانت وكالة الأمن السيبراني والبنية التحتية قد أصدرت منشوراً مسلياً حول هذا الأمر؛ عرضت فيه كيف يمكن بسهولة تهيئة مجتمع مستخدمي الإنترنت للتعامل مع ذلك النوع من القضايا متوسطة الإزعاج، حيث لا يتخطى الأمر البساطة التي نضع بها قطعة من الأناناس على فطيرة بيتزا! ومن الجدير بالذكر أن الوكالة الأم التي يعمل مصدّرو المنشور تحت لوائها هي وكالة الأمن الوطني، ومن بين مهامها العمل على تأمين طريقة سير العملية الانتخابية؛ بما فيها تطوير واستبدال الأجهزة المستخدمة في عملية التصويت، فضلاً عن توفير الحماية لعملية تخزين البيانات الخاصة بالناخبين.

اقرأ أيضاً: ملفات سرية: كيف تدور معارك ترامب مع وكالات الاستخبارات الأمريكية؟

وهناك قضايا لا تقل أهمية عن سابقاتها؛ منها حماية خصوصية المستخدمين، ومن المعلوم لدينا أن الشركات المسؤولة عن مواقع التواصل الاجتماعي تمتنع عن مشاركة البيانات مع أية جهة خارجة عنها، وهو ما يجعل تحذير الجماهير من خطورة الوضع أمراً صعباً على كل من الحكومة والمجموعات المستقلة، كما أن التعديل الأول للدستور يكفل حماية واسعة لحرية التعبير عن الرأي، وهو ما يزيد الأمور تعقيداً بالنظر إلى ما تخطط له الشركات من قبيل التدخل في المنطقة الرمادية الخاصة بإدارة المحتوى، وهي المنطقة التي يصعب فيها الفصل في مدى أحقية تلك الشركات للقيام بالأمر.

وكان عددٌ من المجموعات البحثية والمؤسسات الاستشارية والمؤسسات غير الهادفة للربح قد التقطت طرف الخيط، ومن ثمَّ تبنَّت فضح حملات المعلومات الزائفة فضلاً عن تقديم النصائح حول ضرورة تنظيم حملات توعية سياسية، فضلاً عن قيامها بتطوير أدوات فعالة من شأنها التصدي للمخاطر المستقبلية التي من بينها خطر التزييف العميق. وعلى الرغم من كل تلك الجهود؛ فإن الكشف عن الحملات الزائفة لا يعد حلاً كافياً للتصدي للخصوم الخارجيين بالنظر إلى قدرتهم على تطوير تكتيكاتهم بشكل سريع.

ضباط الشرطة خارج محل إقامة الجاسوس الروسي السابق سيرجي سكريبال بعد يومين من تعرضه وابنته إلى التسمم بغاز الأعصاب في إنجلترا.. مارس 2018- “فرانس برس”

الأمر نفسه قد يحدث ما دام المراقبون الروس يتمكنون من تحديد الطرق التي يمكن من خلالها تعقب حملات المعلومات الزائفة، وبمجرد أن تصبح تلك الطرق معروفة للجميع؛ ستحاول روسيا تبني طرق جديدة للمراوغة، ومن ثمَّ تنخرط الحكومات والمجموعات البحثية في ما يشبه لعبة الغميضة مع حملات تزييف المعلومات، وفي كل مرة تنجح فيها تلك المؤسسات لتعقب حملة ما يكون الطرف الآخر قد طور من نفسه؛ وهو ما يعني غياب أية استراتيجية وقائية لمنع ظهور تلك الحملات من جديد.

وتبدو الولايات المتحدة متأخرة في اتخاذ الإجراءات اللازمة؛ لكنها ليست متأخرة للغاية، وأهم ما في الأمر هو وضع روسيا تحت بؤرة الاهتمام باعتبارها الطرف المدبر والمبتكِر لحملات المعلومات الزائفة. وعلى واشنطن أن تنتبه كذلك إلى الطريقة التي يعمل بها الكرملين، وهي طريقة يتم فيها حساب القرارات بحذر؛ ففي الوقت الذي يبدو فيه بوتن مستعداً لخوض المجازفات في سياساته الخارجية نجد أن هناك سقفاً لتلك المجازفات، فهناك حد أقصى للأعباء التي يمكن أن يتحملها جراء ذلك.

شاهد: فيديوغراف.. قوى العالم الجديد تعيد صياغة قوانين اللعبة السياسية

وكخطوة أولى، على الحكومة الأمريكية الجديدة أن تضم الأفراد والكيانات الذين ثبتت علاقتهم بحملات المعلومات الزائفة على قائمة العقوبات، وهنالك عددٌ من القرارات التنفيذية فضلاً عن الإجراءات العقابية التي أقرها الكونغرس عام 2017 لمواجهة أعداء أمريكا، ومن خلالها يمكن للحكومة أن تحصل على سلطة كافية لاتخاذ إجراءات أكثر صرامة في هذا الشأن. وهناك أمر آخر يتعلق بمدى قابلية الولايات المتحدة لتغيير سياستها العقابية في المستقبل، وهو الأمر الذي حاولت فعله مع الاتفاق النووي الإيراني البائد؛ فأمر من هذا القبيل لا بد أن يظهر في نظام موسع يضمن تحري السلوك الحسن خلال تنفيذ العقوبات.

سفير روسيا لدى الأمم المتحدة فاسيلي نيبينزيا في اجتماع لمجلس الأمن الدولي أعلنت خلاله بريطانيا آخر نتائج تحقيقها في تحقيق سكريبال.. نيويورك- سبتمبر 2018- “واشنطن بوست”

وتتجلى الخطوة الثانية في ضرورة سعي كل من وزارة الخارجية والوكالة الأمريكية للتنمية الدولية لاتخاذ بعض الإجراءات؛ على رأسها زيادة التمويل الخاص بالمجموعات البحثية المستقلة والصحفيين الاستقصائيين الذين يعملون على كشف مستويات تفشي الفساد الروسي حول العالم. وهناك التحقيق المعروف بأوراق بنما على سبيل المثال، ذلك الذي تم الكشف فيه عن تفشي الفساد في الدوائر المقربة لبوتين، وما زال مجهولاً حتى الآن كيف تنفق الحكومة على حملات المعلومات الزائفة، وعلى أغلب الظن ستكون وكالة أبحاث الإنترنت قد تم إنشاؤها بأموال قادمة من مصادر غير مشروعة.

ويعد التعرف على تلك الشبكة المعقدة التي تحكم عمليات التمويل غير المشروعة ضرورياً للغاية؛ فمن شأنه أن يساعد على قطع خطوط الإمداد لتلك العمليات المشبوهة، ساعتها يمكن اتخاذ إجراءات عقابية بعد تحديد الحملات والأفراد والكيانات المتورطة في عمليات التمويل غير الشرعية لحملات الأخبار الكاذبة والحملات السيبرانية، والمشكلة الوحيدة هنا تتعلق بارتفاع تكاليف تلك التحقيقات واتسامها ببعض الخطورة.

اقرأ أيضاً: روسيا إحدى الدول الثلاث الأقوى عالميًّا.. أين تكمن نقاط ضعفها؟

ثم يأتي التزام الإدارة الأمريكية بالخطاب الواضح مع مواطنيها ليفوق كل الأمور الأخرى أهمية، وعلى خطابها أن يتضمن شرحاً وافياً لما هي المعلومات الكاذبة التي يتم نشرها تحت رعاية دول أجنبية ولماذا ينبغي عليهم توخي الحذر حيال ذلك. وكان القسم المسؤول عن الشؤون الخارجية بالاتحاد الأوروبي قد طور ما يعرف بآلية رد الفعل السريع، وذلك بغرض مشاركة المعلومات الخاصة بحملات المعلومات الزائفة بين الدول الأعضاء في الاتحاد، وبالطبع يمكن للولايات المتحدة أن تستفيد من الخبرات التي سبقها شركاؤها إليها.

♦الرئيس والمدير التنفيذي لمركز تحليل السياسة الأوروبية، وأستاذ مساعد للدراسات الأوروبية في كلية الدراسات الدولية المتقدمة بجامعة جونز هوبكنز.

المصدر: فورين أفيرز

اتبعنا على تويتر من هنا

تعليقات عبر الفيس بوك

التعليقات

مقالات ذات صلة