الواجهة الرئيسيةترجماتثقافة ومعرفة

كيف جعل وباء الطاعون من نيوتن أكثر إنتاجاً للأفكار؟

كيوبوست – ترجمات

توماس ليفينسون♦

في 25 يوليو عام 1665، تم العثور على طفل عمره 5 سنوات ميتاً في منزله. وبعد قيام الموظفين الرسميين بفحص جثة الطفل، جون مورلي، تفاجأوا بوجود بقع سوداء على صدره؛ وهي العلامة المرضية التي تؤكد الإصابة بمرض الطاعون الدبلي. وهكذا أصبح مورلي الذي كان يعيش بإبرشية هولي ترينيتي بمدينة كامبريدج بإنجلترا، هو حالة الطاعون الأولى بمدينته خلال ذلك العام؛ وهو ما يعني أن الوباء الذي بدأ في مدينة لندن، في ربيع العام نفسه، كان قد وصل إلى كامبريدج.

وبمجرد ذيوع الخبر، بدأ سكان المدينة في التسابق لعزل أنفسهم بالمناطق الريفية، وكان من بين هؤلاء طالب حديث السن بكلية الثالوث المقدس يُدعى إسحاق نيوتن، وفي منزله الكائن بمزرعة تُدعى “وولتشروب” على بُعد 60 ميلاً شمال الكلية، بدأتِ القصة؛ ففي ذلك المكان البعيد بما فيه الكفاية عن المدينة الموبوءة، عاش نيوتن في عزلةٍ تامة، وفي تلك العزلة بدأ في ابتكار علم التفاضل والتكامل، وعلم الحركة واكتشاف الجاذبية.. وغيرها؛ حيث وفَّر الطاعون الظروف المناسبة لميلاد العلم الحديث، أو على الأقل، ذلك ما يخبرنا به التاريخ.

اقرأ أيضاً: كيف أسهمت جائحةالموت الأسودفي نقل أوروبا إلى عصر النهضة؟

الآن، ومع انتشار وباء (كوفيد-19) وفرض حالة العزل؛ ينبغي علينا النظر إلى المعجزة التي اضطلع بها نيوتن كمثال يُحتذى به، وربما توحي لنا تلك الفقرة المفيدة التي يتم تداولها في عدد من المقالات بجريدة “واشنطن بوست”: “إذا كنت مضطراً للدراسة من المنزل على مدار الأسابيع المقبلة، فربما عليك أن تتذكر قصة نيوتن”.

نموذج من وثائق مدونة نيوتن التي نشرتها جامعة كامبريدج.. وتضم ملاحظاته العلمية خلال عزلة الوباء

وربما تكون وسائل التواصل الاجتماعي هي الأكثر استخداماً بين الناس خلال فترة العزل، وقد يبدو ذلك كأمر طبيعي؛ لكن الممكن هو أن تعكف على كتابة روايتك أو فيلمك، وإذا لم تكن هذه الأمور من بين اهتماماتك فعلى الأقل بإمكانك إعادة التركيز على حياتك الخاصة وتأمل هدفك من الحياة، ماذا لو لم تتمكن من ذلك؟ أخشى أن تكون على وشك الرسوب في اختبار الوباء؛ لقد تمكن نيوتن من تغيير العالم، ألا يجب علينا العمل على تنظيم حيواتنا الخاصة؟!

اقرأ أيضاً: أفضل طريقة لحب جارك الآن هو البقاء في المنزل!

إن القصة الشهيرة الخاصة بسقوط التفاحة ليست إلا مجرد جزء من المشكلة. في الحقيقة، كانت هنالك شجرة بالفعل تقع في الممر المواجه للباب الأمامي لمنزل نيوتن، وما زال بإمكاننا أن نزور ذلك البستان الصغير الموجود هناك حتى الآن، وقد حكى نيوتن تفاصيل القصة في أواخر حياته؛ ذلك حينما كان يتأمل شجرة التفاح الخاصة به في إحدى الليالي، ثم أدرك أن هنالك علاقة بين حركة القمر في مداره الثابت حول الأرض، وبين ثمرة التفاح المعلقة على الغصن، فكلاهما يخضع للقوة الطبيعية ذاتها.

نموذج من وثائق مدونة نيوتن التي نشرتها جامعة كامبريدج.. وتضم ملاحظاته العلمية خلال عزلة الوباء

ومن السهل حين نطالع ذكريات نيوتن العجوز أن نكوِّن فكرة متعجلة عن طبيعة الريف الهادئة، وكيف تسببت تلك الطبيعة في ميلاد مساحات شاسعة من المعرفة البشرية (الجديدة)؛ إنها القصة الشائعة التي تشبه حكايات الجنيات في التراث الشعبي، وتخبرنا تلك القصة بأن العبقرية لا تحتاج في الغالب إلى عملٍ مضنٍ وممل ووقت متواصل من الانتباه والتفكير، فالعباقرة يصلون إلى أفكارهم في لحظات مضيئة من الإلهام، وإذا تتبعنا تلك الفكرة فإننا سنجد أن الإلهام لا يحدث إلا في حالة توفر الظروف الملائمة له؛ منها أن يجد المرء نفسه مجبراً على العزلة لوقت طويل أثناء انتشار وباء ما.

اقرأ أيضاً: ما الفرق بين العبقرية والذكاء؟

الحقيقة أنه خلال العامين اللذين قضاهما نيوتن في مزرعته، كان قد تمكَّن من التوصل إلى عددٍ لا يُصدق من النتائج الاستثنائية؛ لقد نجح في فتح مناطق جديدة شديدة الأهمية في عالم الرياضيات، منها علم التفاضل والتكامل والرياضيات المرتبطة بمفهوم التغير، فضلاً عن الهندسة التحليلية، وهكذا تمكن من إنشاء علم جديد سيُعرف في ما بعد بالفيزياء النيوتنية؛ حيث استخدام اكتشافاته في مجال الرياضيات لتحليل حركة الأجسام في المكان والزمان.

وقام نيوتن بإجراء التجارب لقياس قوة الجاذبية، ومن هنا بدأ في تشكيل أشهر أفكاره المتمثلة في قانون الجذب العام؛ وهي النظرية التي نجحت في ربط حركة كل الجسيمات الموجودة في الكون بحركة تلك التفاحة الشهيرة أثناء سقوطها من فرع الشجرة. كما لجأ كذلك إلى تعليق إبرة بعينه حتى يتمكن من الحصول على إجابة لسؤال آخر؛ وهو السؤال المتعلق بكيفية عمل الضوء مع عدسة العين، حيث تمكَّن من تحقيق كل تلك الإنجازات في الوقت الذي أُجبر فيه على العزلة في مكان ناءٍ وقذر من منطقة لينكولنشاير.

ومن الممكن أن تدفعنا تلك التأملات في فضل العزلة إلى الوصول إلى بعض النتائج السطحية؛ ففكرة أن الطاعون قد منح نيوتن فرصة تحرير عقله والتوصل إلى حل أصعب مشكلات العلوم في ذلك الوقت قد تبدو خاطئة إذا تعاملنا معها على نحو غير دقيق، ونجد لدى كاتب السيرة الذاتية لنيوتن “ريتشارد ويستفول” ما يجعلنا حذرين.

اقرأ أيضاً: 5 طرق لمساعدة مجتمعك في مكافحة كورونا دون الإخلال بالعزل الاجتماعي

ففي كتابه الذي يتميز بالدقة الشديدة «لا وقت لديه للراحة»، يذكر أن نيوتن قد بدأ التفكير في أصعب أسئلة العلم خلال فترة دراسته بكلية الثالوث المقدس، وبينما كان يستعد لاجتياز اختبارات الكلية قبل عام من تفشي الطاعون، قام بعمل قائمة بخط يده، والتي كانت تتضمن المشكلات العلمية التي يطمح إلى حلها، وبالتبعية أشار ويستفول إلى تلك الوثيقة.

وثائق مدونة نيوتن التي نشرتها جامعة كامبريدج.. وتضم ملاحظاته العلمية خلال عزلة الوباء

كما يشير ويستفول إلى بعض تلك المشكلات التي تضمنتها الوثيقة؛ منها المادة والمكان والزمان والحركة، مروراً بالنظام الكوني، وصولاً إلى الضوء والألوان والرؤية، كما استطالت القائمة لتتضمن عدة أسئلة عكف نيوتن على حلها طيلة السنوات العشرين التالية لتلك اللحظة. حيث شغلت تلك الأفكار مخيلة نيوتن الشاب خلال عام 1664، أي قبل عام كامل من تفشي وباء الطاعون، وخلال هذا العام كان قد اكتشف في نفسه ميلاً أصيلاً إلى الرياضيات، وبدأ يفكر بعمق مستكشفاً موهبته الاستثنائية في الاستنباط؛ تلك التي ازدهرت بعد ذلك خلال عامَي العزلة في المزرعة.

اقرأ أيضاً: ما القواسم المشتركة بين الإبداع والاعتلالات النفسية؟

ولم يتوقف نيوتن عن أداء عمله حينما بدَت بوادر انتهاء الوباء عام 1666، وحينما عاد إلى قاعات الدرس على الجهة اليمنى من بوابة كلية الثالوث المقدس، بدأ في استكمال مشواره؛ حيث بدأ في أداء التجارب على المنشورات الزجاجية، ما مكنه في النهاية من اكتشاف أن ضوء الشمس الأبيض يتكون من ألوان الطيف السبعة.

وقد واصل تتبع أفكاره الثورية في مجال الهندسة، وكان بإمكانه تطوير نظريته في الجاذبية التي عمل على تشذيبها وجعلها أكثر اتساقاً على مدار سنوات قبل أن يدرك مفهوم الجاذبية بالكامل في ثمانينيات القرن السابع عشر. وحين نتأمل الأشياء التي دعمت نيوتن خلال عمله الملحمي، والتي جعلته يصل إلى نتائج عبقرية، نجد أنه استمر في أداء عمله قبل وأثناء وبعد العزلة الإجبارية؛ حتى إن شيئاً مؤثراً كانسحابه من المدينة إلى الريف لا يبدو عظيم الأهمية مقارنةً بشيء آخر هو العمل المتواصل، الأمر الذي يؤكده نيوتن نفسه حين سُئل عن الطريقة التي توصل بها إلى فكرة الجاذبية، قائلاً: “بالتفكير المتواصل في الجاذبية”.

عمل فني يوضح إسحاق نيوتن خلال إجراء تجربة تشتيت الضوء بمنشور زجاجي- موقع “بيوجرافي نيوز”

لقد كان التركيز على العمل هو المحرك الأساسي لإنجازات نيوتن؛ حيث واصل عمله وهو طالب في كامبريدج، وظل على مثابرته أثناء عزلته في وولتشروب، ولم يتوقف عن العمل بعد عودته إلى الكلية. وكتب بعد ذلك متحدثاً عن سنوات الطاعون: “لقد كنت في ربيع حياتي في ذلك الوقت عاكفاً على الاختراع، وعقلي كان مليئاً بالرياضيات والفلسفة أكثر من أي وقت مضى”.

واستمرت تلك الفترة المزدهرة طيلة خمسة أعوام على الأقل، استطاع خلالها نيوتن أن ينجز ما لم يكن قادراً عليه من قبل، ليس لمجرد أنه عثر على نفسه في سنوات العزلة؛ لكن لكونه أحد العظماء القلائل من الرياضيين والفلاسفة على مدار العصور. ولم يكن لديه شيء ليفعله بالوقت على مدار سنوات عديدة سوى التفكير والاستنتاج وإجراء الحسابات، وهكذا تصرف أغلب الوقت.

اقرأ أيضاً: 6 آثار يتركها استخدام وسائل التواصل الاجتماعي على عقلك

وعلى العكس مما قد يوحي به تاريخ نيوتن لنا بشكل ظاهري، قد تجد نفسك محاطاً بالعزلة وتبدأ في الحديث إلى ذاتك عن السير على خطى نيوتن. وفي الحقيقة، لن يثمر تأمل حياة نيوتن وطموحاته ومحاولة محاكاتهما عن الكثير؛ لا لكون نيوتن يمثل نموذجاً مستحيلاً لا يمكن محاكاته (على الرغم من أنه يبدو كذلك)، لكن لأن الدرس الحقيقي الذي يمكن أن نتعلمه من تلك القصة التاريخية هو العودة إلى ذاتك؛ أي مساءلة نفسك عما يكون شغفك الحقيقي قبل أن تبدأ تلك الفوضى في الظهور. بعد ذلك، لن يتبقى أمامك سوى العمل على هذا الشغف وشحذه بكل الطاقة الممكنة.

♦أستاذ الكتابة العلمية بمعهد إم آي تي.

المصدر: نيويوركر

اتبعنا على تويتر من هنا

تعليقات عبر الفيس بوك

التعليقات

مقالات ذات صلة