الواجهة الرئيسيةترجماتشؤون دولية

كيف ثار يهود وعرب إسرائيل ضد بعضهم؟

 كيوبوست- ترجمات

داليا شيندلين♦

لم تعد الهجمات الصاروخية التي لا تنتهي تشكل صدمة؛ بل الانقسام الذي ظهر في البلدات الإسرائيلية، والعنف الذي رافقه هما ما أرعبا البلاد.لقد كان أسبوع المذابح في كل من إسرائيل وفلسطين؛ حيث قصفت الغارات الجوية الإسرائيلية غزة، وأطلقت “حماس” وابلاً شبه مستمر من الصواريخ على إسرائيل. وقد قُتل أكثر من 140 شخصاً؛ لكن ما أذهل الإسرائيليين -وأرعبهم- هو مشاهد العنف المتبادل بين المواطنين اليهود والفلسطينيين في مختلف مدن الدولة.شهدت إسرائيل في ما مضى الكثير من المظاهرات والصدامات العنيفة مع قوى الأمن؛ خصوصاً في أوقات الحرب، حيث يرتفع منسوب التوتر؛ ففي عام 2000 قتلت الشرطة الإسرائيلية 13 مواطناً من عرب إسرائيل خلال تظاهرهم في بداية الانتفاضة الثانية، وهو الجرح الذي لم يلتئم بعد. لكن إسرائيل لم تشهد شيئاً مماثلاً منذ تأسيسها؛ فقد شنت موجات من البشر هجمات على الممتلكات والناس والرموز، وكانت هناك تحركات لمدنيين ضد مدنيين في ما بين المواطنين الإسرائيليين. بدأت أعمال العنف يوم الثلاثاء، وامتدت إلى بلدات في أنحاء البلاد ولم تنتهِ بعد.

اقرأ أيضاً: قصة حي الشيخ جراح في القدس.. شرارة الحرب

 لم تكن تل أبيب بقعة ساخنة يوم الجمعة الماضي؛ فلم تحدث فيها أعمال شغب، وكذلك لم تتعرض إلى المزيد من الهجمات الصاروخية التي عادت بقوة يوم السبت. فجأة شعرت المدينة بهدوء حذر في يوم ربيعي. عرف الإسرائيليون، خلال الأسبوع الماضي، بوجود خطر الصراع العرقي كامناً تحت غطاء لامع براق؛ ولكنهم علموا ذلك بعد أن طفا هذا الصراع على السطح.

مواجهات عنيفة بين اليهود والفلسطينيين في تل أبيب- وكالات

يرى البعض أن أعمال التخريب متوازية؛ فالحشود اليهودية والعربية تطارد بعضها بعضاً. ويسعى الإعلاميون في استوديوهات التلفزة إلى تحديد أي من المجموعات قامت بأعمال تخريب أكثر من الأخرى، اليهود أم العرب؛ لكن البحث في مَن قام بأكثر أو محاولة القياس لا قيمة له. ما يهم هو معرفة كيف حدث أن المواطنين انتفضوا بعضهم ضد البعض الآخر. بالنسبة إلى اليهود والعرب، فإن الأسباب تختلف اختلافاً كبيراً. اندفع الكثير من المواطنين الفلسطينيين في إسرائيل للتظاهر في الأسابيع الأخيرة الماضية؛ بسبب أحداث القدس التي أطلقت شرارة التصعيد الإسرائيلي- الفلسطيني مؤخراً. كان هؤلاء المتظاهرون يعبرون عن تاريخ طويل من فقدان الأمل؛ هؤلاء المواطنون غالباً ما يشبِّهون أنفسهم بالأمريكيين الأفارقة، فهم أيضاً جرى إهمالهم وتهميشهم في الدولة منذ تأسيسها، وتشترك المجموعتان أيضاً بالتاريخ الطويل من التهميش السياسي والاجتماعي والاقتصادي المستمر حتى الساعة. أدت هذه الظروف التي يعيشها الفلسطينيون في إسرائيل إلى حدوث مشكلات خطيرة من العنف المسلح والعصابات، بينما لم تعمل الدولة على معالجة الأمر.

اقرأ أيضاً: الأزمات الداخلية في السلطة الفلسطينية وإسرائيل تنعكس على المواجهات العسكرية

 لم يتوفر ما يكفي من الرقابة الشرطية في المجتمعات الفلسطينية في داخل إسرائيل، وكان يتم الضرب بيدٍ من حديد في حال حصول جريمة ما أو اندلاع تظاهرات. وقد ضربت أزمة “كوفيد-19” الاقتصاد والقطاع الصحي لهذه المجتمعات بقوة، فانتشرت حرب العصابات وازدهرت، ووصلت الإصابات إلى ذروتها.

لكن تدهور الوضع السياسي للفلسطينيين في إسرائيل يتعلق بشكلٍ كبير بالمشكلات الاجتماعية والاقتصادية؛ فعلى مدى العقد الماضي، أصدرت إسرائيل قوانين استهدفت حقوق المواطنين الفلسطينيين، وبلغت ذروتها في قانون “الدولة القومية” لعام 2018 الذي أعطى اليهود مكانة أعلى في إسرائيل. وتجاوز الخطاب المعادي للعرب، للسياسيين اليمينيين، الحدَّ المقبول ووصل إلى درجة التحريض.

وفي عمليةٍ طال أمدها، استهدفتِ الدولة المواطنين العرب من خلال بيوتهم؛ حيث أدت إجراءات تقنين التخطيط في المناطق العربية إلى صعوباتٍ كبيرة في حصول المواطنين العرب على تصاريح بناء، ثم أصدرت أوامر بهدم البيوت التي بُنيت من دون تصاريح؛ حيث كانت 97% من أوامر الهدم في المناطق العربية، في الفترة الممتدة بين عامَي 2012 و2014.

مقتل مواطن عربي في أعمال مواجهات في مدينة اللد.. واعتقال مشتبه به يهودي- “تايمز أوف إسرائيل”

 قرى بأكملها سويت بالأرض. قضى قانون مثير للجدل، صدر عام 2017، بتشديد العقوبة على البناء غير القانوني، ويرى كثيرون في هذا الوضع امتداداً للاحتلال الإسرائيلي. ومؤخراً، عندما لاح بالأفق أن إخلاء العائلات الفلسطينية من منازلها في القدس الشرقية بات وشيكاً، انطلقت شرارة احتجاجات في شتى بقاع إسرائيل، وعندما قُتل رجل عربي في اللد برصاص اليهود، يوم الثلاثاء، إثر بدء الهجمات الصاروخية، انحسرت المظاهرات وحل محلها أعمال شغب استهدفت الناس والمعابد اليهودية، ومسرحاً ومطعماً في مدينة عكا الشمالية كانا يرمزان إلى التعايش.

اقرأ أيضاً: ردود فعل واسعة بعد اتهام إسرائيل بالفصل العنصري والاضطهاد

ومن المفارقات أن حكومة بنيامين نتنياهو ضخت الأموال في المناطق العربية؛ لتحسين البنية التحتية والخدمات الاجتماعية. لكن المال ليس كافياً لرأب صدع سببته عقود من معاناة الكثيرين من قمع شرعيتهم كفلسطينيين في إسرائيل. المتظاهرون تمردوا على الضعف؛ بينما المشاغبون اليهود يعيشون في واقعٍ مختلف. يتربع اليهود على رأس الهرم الاجتماعي والسياسي والاقتصادي في إسرائيل.

العصابات التي لا تزال تجوب البلدات الإسرائيلية وتصرخ “الموت للعرب” لديها قوة هائلة وتسعى للمزيد؛ الحزب الذي يمثل أفكارهم يُسمى “القوة اليهودية”، والقوة متاحة لهم في كل مكان. تظهر التقارير مثيري شغب يهوداً في اللد جنباً إلى جنب مع رجال الشرطة، وهم يرمون الأحجار، ولم يتم إلقاء القبض على أي منهم، كما انضم إلى أحداث الشغب في اللد يهود متطرفون من مستوطنات الضفة الغربية. 

اقرأ أيضاً: “الفلسطينية”- إدوارد سعيد (1-3)

هنا أيضاً توجد توجهات خطيرة؛ فقد قامت أحزاب اليمين في إسرائيل بحملاتٍ من أجل هيمنة يهودية أكبر بكثير في إسرائيل؛ قاد الجناح اليميني القومي وشرع عملية التحريض على كراهية العرب واليساريين والمهاجرين ووسائل الإعلام. واحدة من أهم حملات اليمين، وإن لم تشتهر كثيراً، هي الاعتداء المستمر على شرعية القانون نفسه. وعلى مدى عقد من الزمن تقريباً كان القادة من أعلى المستويات يعملون على إضعاف عمل القضاء؛ بما في ذلك المحكمة العليا والمدعي العام وحتى تنفيذ القوانين. إن حدوث توترات مع المحكمة العليا له جذور تاريخية عميقة في إسرائيل؛ ولكن يبدو أن الحملة المستمرة ضد القضاء قد تتسبب في خسارة ذهنية الامتثال للقوانين.

كتب أحد منظمي لجان الحماية الشعبية اليهودية، على تطبيق المراسلة المشفر “تيليغرام”، إلى أحد صحفيي جريدة “هآرتس” الإسرائيلية، قائلاً: “أنا لا تعنيني قوانين الدولة، أنا أمتثل لقوانين التوراة التي وضعت منذ 2000 عام. سأشرح لك شيئاً: إن العرب في إسرائيل يستولون على الدولة؛ لقد رفعوا رؤوسهم أكثر مما يجب”. وضعت مجموعة “Telegram” الخاصة به خططاً لا نستطيع نشرها هنا لفظاعتها.

إصابة العشرات من الفلسطينيين في مواجهات مع الشرطة الإسرائيلية بينما كان المتطرفون اليهود يصرخون “الموت للعرب”- “سي إن إن”

ليس هنالك من سببٍ أو ظرف يبرر عنف لجان الحماية الشعبية؛ إن كل الهجمات على المدنيين تعتبر جريمة، إن تدنيس المعابد اليهودية أو المساجد هو أمر شنيع؛ الجناة مسؤولون شخصياً ويجب محاسبتهم.يبدو أن الأفق قاتم؛ خصوصاً مع استمرار انطلاق صفارات الإنذار. لقد سُئلت عما إذا كان يمكن لليهود والعرب أن يعيشوا معاً مرة أخرى؟ نعم نستطيع؛ لكن الخطوة الأولى هي مواجهة الأسباب، والخطوة التالية المثالية هي مثلما قال الشاعر أودين: “علينا أن نحب بعضنا بعضاً أو نموت”. 

♦خبيرة في استراتيجيات السياسة والرأي العام، وزميلة في مؤسسة سينشوري.

 المصدر: الغارديان  

اتبعنا على تويتر من هنا

تعليقات عبر الفيس بوك

التعليقات

مقالات ذات صلة