الواجهة الرئيسيةترجماتثقافة ومعرفةمجتمع

كيف تميز بين من يتلاعب بك ومن يحاول إقناعك؟

كيف نتلاعب بالآخرين؟ وكيف نقنعهم؟

ترجمة كيو بوست –

المصدر: مجلة “أيون” الثقافية، بقلم أستاذ علم الفلسفة في جامعة سنترال متشجن الأمريكية، روبرت نوغل.

عندما نصف فردًا بصفة  الـ”متلاعب”، فهذا يعني “انتقاد”؛ أي انتقاد شخصية ذاك الفرد. وعندما نقول “جرى التلاعب بنا”، فهذا يعني “شكوى”؛ أي شكوى إزاء  تعرضنا لمعاملة سيئة.

يعتبر التلاعب مراوغة في أحسن الأحوال، وغير أخلاقي في أسوأ الأحوال، وينطوي على عمل فاسق صريح. ولكن، لماذا يضطر الناس إلى التلاعب؟ وما الخطأ في التلاعب؟ البشر يؤثرون على بعضهم البعض في جميع الأوقات، فما الذي يجعل التلاعب غير أخلاقي؟

اقرأ أيضًا: بين الوسطية والتطرف: الحرب الفكرية الإماراتية بذخيرة رقمية

نحن نخضع باستمرار لمحاولات التلاعب، ولا يمكن أن تخلو العلاقات الاجتماعية من هذه الظاهرة المقيتة. من أسوأ أوجه التلاعب ما نسميه في علم النفس “التلاعب في العقول” (gaslighting)، الذي يتضمن التلاعب من خلال وسائل نفسية تشكك في سلامة عقل الشخص المخاطب، وتشجعه على الشك في أحكامه وآرائه، وبالتالي حثه على تبني مشورة المتكلم. ومن وسائل التلاعب الأخرى، جعل المخاطب يشعر بالذنب الشديد بشأن إخفاقه في فعل ما يريده المتكلم. من شأن الهجوم الشفوي على المخاطب، الذي ينطوي على أساليب جمالية وفاتنة، أن تدفعه إلى الاهتمام كثيرًا برغبات المتكلم، وكذلك الحرص على أخذ موافقته في المسائل التي يحددها بشكل مراوغ، لا سيما عندما تمارس بإلحاح من قبل الأقران والأصحاب.

ربما تكون الإعلانات (Advertising) من أقبح وجوه التلاعب عندما تشجع الجمهور على تكوين معتقدات غير صحيحة، تمامًا مثلما يطلبون منا الاعتقاد بأن الدجاج المقلي غذاء صحي، أو أن سيجارة الـ”مارلبورو” تمنح المدخنين الحيوية والنشاط.

يمكن لوسائل الخداع والتحايل الأخرى التلاعب بالضحايا من خلال “التضليل الممزوج باللعب على العواطف” مثل الجشع والخوف والتعاطف، وهذا ينطوي على أكاذيب صريحة مثل أرقام الهواتف ورابط مواقع الإنترنت وغيرها من المعلومات المغلوطة بشكل متعمد. ثم هنالك تلاعب مباشر أكثر صراحة، ينطوي على حث المخاطب بشكل مباشر على الشك والريب في إخلاص شخص ما، من أجل إثارة عدم الاستقرار والغيرة في داخله، وبالتالي إقناعه بالانقلاب عليه. جميع الأمثلة السابقة على التلاعب تشترك بالشعور ذاته من الفجور وغياب الأخلاق.

اقرأ أيضًا: دراسة جديدة: هل نميل للزحف نحو اليمين كلما تقدمنا بالسن؟

ربما يكون التلاعب خطأ لأنه يضر بالشخص الذي يتعرض لعملية التلاعب، ويؤذيه بشكل مباشر في غالب الأحيان. فعلى سبيل المثل، إذا نجحت إعلانات السجائر الخاضعة لعملية التلاعب، فستؤدي للمرض والموت. كما أن “التصيد الاحتيالي” وأساليب الخداع الأخرى تسهل سرقة هوية الشخص المخاطب، وهذا شكل من أشكال الاحتيال. علاوة على ذلك، من شأن تكتيكات التلاعب الاجتماعي أن تعزز العلاقات المسيئة غير الصحية. كما يمكن للتلاعب السياسي أن يثير الانقسامات ويضعف الديمقراطية.

ومع ذلك، ربما لا يكون التلاعب ضارًا في بعض الحالات، لا سيما عندما ينطوي على استخدام “الكذبة البيضاء”. لنفكر في المثال التالي: قطعت الفتاة (إيمي) علاقاتها بشريكها المؤذي – المخلص، ولكن في لحظة من الضعف، قررت العودة إليه. في هذه الأثناء، استخدم أصدقاؤها أساليب نفسية لحثها على الاعتقاد أن شريكها السابق لم يكن مخلصًا لها، وتمكنوا من إقناعها بعدم العودة إليه، بنية حمايتها من إيذاء ذاك الشخص ليس أكثر. لقد كان التلاعب في هذا السياق “تلاعبًا حميدًا”. وبرغم ذلك، يرى البعض أن استخدام أسلوب المراوغة أمر غير أخلاقي على الإطلاق، حتى لو لم يؤدِ إلى نتائج مؤذية.

وعند التفكير في مثال الفتاة (إيمي)، نجد أن أصدقاءها كذبوا عليها في جزئية “الإخلاص”، وهنا يكمن التلاعب غير الأخلاقي. يرى الفيلسوف الألماني “إيمانويل كانت” أن التلاعب خاطئ لأنه “ينطوي على تكتيكات غير أخلاقية بطبيعتها لعلاج البشر الآخرين، لا سيما أن الأخلاق تتطلب منا التعامل مع بعضنا البعض ككائنات عقلانية، وليس كمجرد أشياء”. وحسب الفيلسوف الألماني، فإن الطريقة الصحيحة للتأثير على سلوك الكائنات العقلانية الأخرى هي “الإقناع العقلاني”.

اقرأ أيضًا: ما الفرق بين الأصولية، والراديكالية، والتطرف، والإرهاب، والفِكر الجهادي؟

ينطوي الإقناع العقلاني على التأثير على سلوكيات وانطباعات الآخرين بما يطابق الحقيقة والواقع. ومن الأمثلة على ذلك، المراوغة من أجل إقناع شخص ما بالخوف مما هو خطير فعلًا، أو حثه على  الشعور بالذنب مما هو غير أخلاقي بالفعل.

 

المصدر: مجلة “أيون” الثقافية

تعليقات عبر الفيس بوك

التعليقات

مقالات ذات صلة