الواجهة الرئيسيةترجماتثقافة ومعرفة

كيف تكون رواقياً؟

كيوبوست- ترجمات

إليف باتومان♦ 

وُلد الفيلسوف الرواقي إبيكتيتوس عبداً نحو عام 55 بعد الميلاد، في بلدة هيرابوليس اليونانية- الرومانية -باموكالي الحالية- في تركيا. وقد تعرَّفت على تعاليمه لأول مرة في عام 2011، بعد فترة وجيزة من انتقالي من سان فرانسيسكو إلى إسطنبول.

آنذاك، كنت أعيش وحدي داخل حرم جامعي في غابة، وأخوض علاقة مضطربة عن بُعد؛ حيث أمضيت أحياناً أياماً دون التحدث إلى أي شخص؛ باستثناء رأس صديقي الذي يطل عبر برنامج سكايب. كنت أيضاً محبطة بسبب السياسة التركية التي جعلت العلمانيين والمتدينين يشعرون وكأنهم ضحايا. فإذا كنتِ امرأة وبغض النظر عما ترتدينه، سواء أكان مفتوح الصدر أم حجاباً، فإن شخصاً ما سينظر إليكِ نظرة قذرة.

اقرأ أيضاً: من منظور الفلسفة وعلم النفس.. ما الفرق بين التسامح والتناسي؟

ومع قراءةِ السطر الأول من دليل إبيكتيتوس للنصائح الأخلاقية، والذي يقول إن “بعض الأمور تقع تحت نطاق سيطرتنا، والبعض الآخر ليس كذلك”، جعلني ذلك أشعر أن ثقلاً قد رُفع عن صدري. وبالنسبة إلى إبيكتيتوس، فإن الشيء الوحيد الذي يمكننا السيطرة عليه بشكل كامل هو “حكمنا على ما هو الخير”. وطبقاً لهذا الحكم، يظل هذا هو الشيء الوحيد الذي يجب أن نقلق بشأنه.

فإذا كنا نرغب في المال أو الصحة أو الجنس أو الشهرة، سنكون حتماً غير سعداء. وإذا كنا نرغب حقاً في تجنب الفقر والمرض والوحدة أو أن نكون مغمورين، فسوف نعيش في قلق وإحباط دائمَين. وبطبيعة الحال، فإن الخوف والرغبة أمران لا مفر منهما. حيث يشعر الجميع بتلك الومضات من الرهبة أو الترقب. لكن أن تكون رواقياً يعني التحقق من تلك الومضات، والسؤال عما إذا كانت بسبب أمورٍ خارجة عن سيطرتك أم لا، وإذا كانت كذلك، فكن مستعداً برد الفعل “إذَن لا يهمني”.

غلاف كتاب «الدليل» للفيلسوف الرواقي إبيكتيتوس

وبينما تدور معظم نصائح إبيكتيتوس حول عدم الغضب من العبيد، اعتقدت في بداية قراءتي أنه يمكنني تخطي تلك الأجزاء؛ لكن سرعان ما أدركت أن لديَّ الأفكار اللاعقلانية وغير المنطقية ذاتها في تعاملي مع أصحاب الأعمال الصغيرة ومقدمي الخدمات؛ فعندما كذب عليَّ سائق التاكسي بشأن الطريق الذي سنسلكه، أو عندما غشَّني صاحب المتجر، شعرت أن هذا خطأي؛ بسبب تحدثي التركية بلكنة غريبة، أو لكوني جزءاً من طبقة النخبة.

اقرأ أيضاً: لماذا تثير فلسفة هيغل جدلاً في ألمانيا بعد مرور 250 عاماً على وفاته؟

وعندما أكملت قراءة إبيكتيتوس، أدركت أن معظم الألم في حياتي لم يكن ناتجاً عن أي حرمان أو إهانات فعلية؛ بل من عار التفكير في أنه كان من الممكن تجنبها. ألم يكن خطأي أنني عشت في هذه العزلة؟ وهذا المعنى الذي استمر في مراوغتي؛ أن حياتي العاطفية كانت فوضى؟ وعندما قرأت أنه لا ينبغي لأحد أن يشعر بالخجل لكونه وحيداً أو في حشد من الناس، أدركت أنني غالباً ما كنت أشعر بالخجل من هذين الأمرَين. ونصيحة إبيكتيتوس هي: عندما تكون وحيداً، سَمِّ تلك الحالة “السلام والحرية”، واعتبر نفسك مساوياً للآلهة، وعندما تكون في حشد، فكّر في نفسك كضيف في حفلة ضخمة، واحتفل بأفضل ما في استطاعتك.

اقرأ أيضاً: كيف نظر الفلاسفة القدماء إلى معنى الحياة والهدف منها؟

وفي خمسينيات القرن الماضي، ابتكر المعالج النفسي الأمريكي ألبرت إليس، شكلاً مبكراً من العلاج السلوكي المعرفي؛ يعتمد بشكل كبير على ادعاء إبيكتيتوس بأن “الأحداث ليست هي التي تزعج الناس؛ بل أحكامهم هي ما يقلقهم”. حيث يقول إبيكتيتوس إنه إذا مارست الفلسفة الرواقية لفترة كافية، فإنك تتوقف عن الوقوع في الخطأ بشأن ما الخير وما الشر حتى في أحلامك.

حاصلة على دكتوراه في الأدب المقارن من جامعة ستانفورد

المصدر: نيويوركر

اتبعنا على تويتر من هنا

 

تعليقات عبر الفيس بوك

التعليقات