الواجهة الرئيسيةترجماتشؤون دولية

كيف تكشف الأزمة الأوكرانية عن “العنصرية اليومية” في أوروبا وخارجها؟

كيوبوست- ترجمات

بينا فرنانديز♦

قالت بينا فرنانديز؛ أستاذة العلوم الاجتماعية والسياسية في جامعة ميلبورن، أن الصراع المحتدم في أوكرانيا يسلط الضوءَ من جديد على قضية العنصرية ليس فقط في أوكرانيا، ولكن في أوروبا بصفة عامة. مشيرة إلى ثلاثة أبعاد محددة، وذات صلة بالعنصرية، تتجلى في هذا الصراع المعقد.

اقرأ أيضاً: روما القديمة وأزمة المهاجرين المتجددة!

فقد ظهرت على مدار الأيام السابقة تقارير مروعة عن التمييز الذي يواجهه الأفارقة والآسيويون والشرق أوسطيون (معظمهم من الطلاب الدوليين في أوكرانيا)، الذين كانوا من بين أكثر من مليون شخص يلتمسون اللجوء في البلدان المجاورة، مثل بولندا والمجر ورومانيا وسلوفاكيا ومولدوفا.

التمييز في تسهيلات الفرار من الحرب

وأشارت فرنانديز إلى أن البعد الأول يتمثل في منع الأفارقة والآسيويين قسراً من ركوب القطارات والحافلات التي تغادر المدن الأوكرانية، فيما أُعطيت الأولوية للأوكرانيين البيض.

السكان المحليون يتقدمون لركوب قطار إجلاء متجه إلى غرب أوكرانيا، كييف، 2022- وكالات

ووجد أولئك الذين وصلوا أخيراً إلى الحدود البولندية (بعضهم سيراً على الأقدام) أن الأوكرانيين البيض قد مُنحوا مرة أخرى أولوية الدخول. إضافة إلى تعرض بعض المواطنين الأفارقة والآسيويين والشرق أوسطيين للإيذاء اللفظي والجسدي عند وصولهم.

كما أمضى العديد من المواطنين الأفارقة والآسيويين والشرق أوسطيين من يومين إلى ثلاثة أيام عند نقاط التفتيش الحدودية، وأفادوا عن نقص الغذاء والماء والسكن أو الدعم الأساسي في ظروف الشتاء القارس، بينما كانوا ينتظرون العبور.

اقرأ أيضاً: الروايات المتطرفة والروايات المضادة: مناقشة مع دكتور ويليام ألشورن

وقد أدان بيانٌ صادر عن الاتحاد الإفريقي التقارير المتعلقة بمعاملة الأفارقة ووصفها بأنها “عنصرية مروعة وانتهاك للقانون الدولي”، وأشار نصاً: “يحق لجميع البشر عبور الحدود الدولية أثناء النزاعات، وبناءً على ذلك، يجب أن يتمتعوا بنفس الحقوق في العبور إلى بر الأمان من النزاع في أوكرانيا، بغض النظر عن جنسيتهم أو هويتهم العرقية”.

التوصيفات العنصرية لوسائل الإعلام

وحول البعد الثاني في تجليات العنصرية خلال الأزمة الأوكرانية، قالت فرنانديز إن ما يثير القلق حقاً هو التوصيفات العنصرية بشكلٍ لا يصدق لوسائل الإعلام الرئيسة عن اللاجئين الأوكرانيين، مقارنة بتوصيفات اللاجئين من سوريا أو العراق أو أفغانستان أو إفريقيا.

لاجئون من إفريقيا والشرق الأوسط والهند -معظمهم من الطلاب- عند نقطة عبور المشاة شرق بولندا، 2022- (سي إن إن)

وفيما يلي مجموعة مختارة من التعليقات العنصرية التي نشرتها المنافذ الإخبارية الكبرى:

  • “هذه ليست العراق أو أفغانستان.. هذه مدينة متحضرة نسبياً، وأوروبية نسبياً”- تشارلي داغاتا، شبكة (سي بي إس)

  • “لم تعد الحرب شيئاً يتعرض له السكان الفقراء والبعيدون”- دانييل حنين، صحيفة (التليغراف)

  • “ما يلفت الانتباه عند النظر إليهم، هو ملبسهم. هؤلاء أناس متحضرون من الطبقة المتوسطة. ومن الواضح أن هؤلاء ليسوا لاجئين يحاولون الهروب من الشرق الأوسط أو شمال إفريقيا. إنهم يبدون مثل أيّة عائلة أوروبية تعيش بجوارها”- بيتر دوبي، (الجزيرة الإنجليزية)

اقرأ أيضاً: الإسلام والمسلمون في أوكرانيا

وهي أوصاف لللاجئين الأوكرانيين تضعهم على نحو مجحف في موقع أكثر “تحضراً” و”تميزاً” عن اللاجئين من الشرق الأوسط أو الدول الإفريقية أو الآسيوية.

قال هؤلاء الأفارقة الذين يعيشون في أوكرانيا لصحيفة “الإندبندنت” إنه تم التخلي عنهم خلال الأزمة المتفاقمة- فرانس برس

ووفقاً لفرنانديز، فإن هذا يعني ضمناً أن أرواح الأوكرانيين تستحق الإنقاذ، في حين أن أرواح الملايين الآخرين الذين يلتمسون اللجوء يمكن التخلص منها لأنهم ليسوا “أنيقي الملبس”، أو من “الطبقة المتوسطة”، أو “لا يشبهوننا”، أو يعيشون في أماكن نائية يفترض أنها أقل “تحضراً”.

التعبئة الأوكرانية المؤمنة بتفوق العرق الأبيض

أما البعد الثالث والأكثر خطورة للعنصرية فيتمثل في تعبئة “حركة آزوف” الفاشية الجديدة المتعصبة للبيض في أوكرانيا منذ عام 2014. حيث بدأت الحركة ككتيبةٍ متطوعة ثم تم دمجها رسمياً في الحرس الوطني الأوكراني في نوفمبر 2014.

اقرأ أيضاً: روسيا تلعب بالنار في البلقان كيف تهدد لعبة بوتين أوروبا؟

وتقول أستاذة العلوم الاجتماعية والسياسية إنه خلال الأزمة الحالية، تقوم كتيبة آزوف بتدريب المدنيين الأوكرانيين على القتال على طريقة حرب العصابات ضد الجيش الروسي. ومن المهم ملاحظة وجود مجموعات قومية بيضاء مماثلة في جميع أنحاء أوروبا وأمريكا الشمالية. لذلك فإن ادعاء بوتين “تطهير” أوكرانيا من النازية يُعَد سبباً واهياً لغزو أوكرانيا.

لاجئون يفرون سيراً على الأقدام من غرب أوكرانيا إلى الحدود البولندية- ذا كونفرزيشن

وفي حين تنفي كتيبة “آزوف” رسمياً الالتزام بأيديولوجيات تفوق العرق الأبيض، كانت دورية “آزوف” المسماة بالميليشيا الوطنية مسؤولة عن الهجمات على الغجر في أوكرانيا عام 2018.

كما تلعب الحركة دوراً محورياً في الشبكة العالمية للتطرف اليميني والقومي الأبيض؛ حيث “شاركت في تدريب منظمات التفوق الأبيض التي تتخذ من الولايات المتحدة مقرا لها” (وفقاً لإفادة خطية من مكتب التحقيقات الفيدرالي عام 2018).

اقرأ أيضاً: عندما يخترق اليمين المتطرف أجهزة تطبيق القانون!

وتشير الأبحاث إلى أن العنصرية وكراهية الأجانب تختلف باختلاف العلاقة بين السياسات الحكومية العدائية ومشاعر السكان المعادية للمهاجرين. وباختصار، فإن مشكلة العنصرية ليست مشكلة أوكرانيا أو أوروبا الشرقية فحسب، بل إنها مشكلة أوروبية عامة، وفقاً لفرنانديز التي أشارت إلى أنه ينبغي لأي باحث أن يأخذ في الاعتبار التاريخ المعقد للهجرة من بلدان أوروبا الشرقية، وعبرها.

أطفال في إجازة يتلقون تدريبات عسكرية في قاعدة لكتيبة آزوف في كييف، 2015- فرانس برس

وكما تظهر التغطية الإخبارية العالمية للاجئين الأوكرانيين، فإن العنصرية اليومية -أو ما تطلق عليه الكاتبة ميليسا لوكاشينكو وصف “وحشية البيض العادية”- لا تقتصر على أوروبا الشرقية فقط. بل إن الأبعاد الثلاثة للعنصرية التي نوقشت هنا، هي مظهر من مظاهر العنصرية والإمبريالية التي تتسم بطابع مؤسسي عالمي ومنهجي.

اقرأ أيضاً: الوساطة الهجينة والأدوات الجديدة لحل النزاعات في نظام دولي غير مستقر

وختمت أستاذة العلوم الاجتماعية بقولها إن الإقرار بهذه العنصرية والإمبريالية المؤسسية يبدأ بالاعتراف أولاً بأزمة أوكرانيا باعتبارها صراعاً على السلطة بين الولايات المتحدة/ حلف شمال الأطلسي وروسيا، مدعوماً بمصالح الشركات، وأنه لطالما تنبأ المراقبون الاستراتيجيون للسياسة العالمية بهذه الأزمة.

عناصر من كتيبة آزوف يحملون قنابل مضيئة خلال مظاهرة في كييف، 2016- فرانس برس

وأكدت أنه من شأن الاعتراف بالسياق الأوسع للعنصرية المؤسسية أن يتيح لنا ربط المعاملة العنصرية الحالية للمهاجرين الأفارقة والآسيويين في أزمة أوكرانيا بسياسات الحدود الأوروبية القاتلة على مدى العقود الماضية، حيث أدت هذه السياسات إلى زيادة أعداد المهاجرين، ومعظمهم من إفريقيا والشرق الأوسط، الذين تفيد التقارير بأنهم في عداد المفقودين في البحر الأبيض المتوسط منذ عام 2014.

اقرأ أيضاً: ميريزكو لـ”كيوبوست”: أوكرانيا تعوِّل على الدور الإماراتي في مجلس الأمن لعودة السلام

وبالتالي، يتعين علينا أن ندرك أنه من غير المرجح أن تُتخذ أيّة خطوات لتفكيك العنصرية المؤسسية طواعية. وكما يجادل أستاذ علم الاجتماع جوزيف بوروتس، فإن العنصر المحدد “للبيض” هو “الطلب، بل المطالبة، بامتياز عالمي غير مشروط” يعاد تشكيله على الدوام.

♦ أستاذة دراسات التنمية في كلية العلوم الاجتماعية والسياسية، جامعة ميلبورن.

المصدر: ذا كونفرزيشن

اتبعنا على تويتر من هنا

تعليقات عبر الفيس بوك

التعليقات

مقالات ذات صلة