الواجهة الرئيسيةترجماتشؤون دولية

كيف تغذِّي فوارق التكنولوجيا شكلاً جديداً من الشعبوية حول العالم؟

كيوبوست – ترجمات 

كايل هايبرت♦

قال موقع مركز دراسات الحوكمة الدولية إن الأزمات الجيوسياسية، والفوضى المناخية التي تلوح في الأفق، والتوسع المستمر لرأسمالية المراقبة، هي التي تدفع تطوير تقنيات الذكاء الاصطناعي، وأشباه الموصلات، والطاقة الخضراء، والبيانات الضخمة، والروبوتات المتقدمة، والواقع الافتراضي والمُعزز، وتكنولوجيا النانو، والحوسبة الكمية، وإنترنت الأشياء، وغيرها.

وكل من هذه الأدوات تحمل إمكاناتٍ هائلة لتحسين الحياة والمساعدة في حلِّ أكبر مشكلات العالم. إلا أن التغيير التكنولوجي ينتج دائماً رابحين وخاسرين، من خلال خلق تركيزات جديدة من السلطة وأشكال جديدة من عدم المساواة.

 شاهد: فيديوغراف: الذكاء الاصطناعي.. سلاح ذو حدين

جاء ذلك في الورقة البحثية التي كتبها الباحث المحلل كايل هايبرت، الذي ضرب مثلاً بالدراسة التي أجراها المكتب الوطني الأمريكي للبحوث الاقتصادية، ووجدت أن ما بين 50 إلى 70% من الأجور المفقودة في أمريكا من عام 1980 إلى عام 2016 قد نشأت بسبب التشغيل الآلي الذي حل محل العمالة البشرية.

ومع ذلك، فقد جلب التشغيل الآلي مِهناً جديدة أيضاً، ويتضح ذلك من خلال غياب البطالة الجماعية في الولايات المتحدة خلال الفترة نفسها. وقد أثارت ظروف مماثلة في جميع أنحاء العالم الديمقراطي عواقب سياسية وخيمة على مدى العقد الماضي.

تقول الإحصاءات إنه من 50 إلى 70% من الأجور المفقودة في أمريكا قد نشأت بسبب التشغيل الآلي الذي حل محل العمالة البشرية

وبحسب هايبرت، فإن السكان الساخطين الذين وقعوا على الجانب الخطأ من التحولات الاقتصادية، وعُزلوا بسبب التغيرات الاجتماعية المصاحبة التي حفزتها العولمة، قد انحازوا إلى الشعبويين الذين يطرحون حلولاً مبسطة لمشاكل مُعقدة.

ومع تسارع ما يسمَّى بالثورة الصناعية الرابعة في السنوات المقبلة، وفي ظلِّ تقلب الكيفية التي تعمل بها الاقتصادات والمجتمعات رأساً على عقب، فقد يؤدي شكل جديد من أشكال الشعبوية المتجذرة بسب عدم المساواة التي تغذيها التكنولوجيا إلى تحلل الدول الديمقراطية في نهاية المطاف.

اقرأ أيضاً: توني بلير يحذر من الشعبوية وتجاهل الحلفاء والجنون السياسي!

ولتجنب هذه النتيجة، يتعين على الحكومات أن تكون جادة في تسخير التكنولوجيات الجديدة لجعل العملية الديمقراطية أكثر مرونة واستجابة لإحباطات الناخبين. ووفقاً لأحد التقديرات، فإن الأشهر القليلة الأولى من جائحة كورونا عام 2020 قد سرَّعت من وتيرة تبني التكنولوجيا الرقمية بما يقدر بأربع سنوات في العمليات التجارية وسلاسل التوريد، وسبع سنوات من الاستثمار في المنتجات الرقمية.

سرعت جائحة كورونا من وتيرة تبني التكنولوجيا الرقمية بما يقدَّر بأربع سنوات في العمليات التجارية وسلاسل التوريد

كما أكد هايبرت أن أكبر 6 شركات تكنولوجيا في العالم: أبل، ومايكروسوفت، وألفابيت (الشركة الأم لغوغل)، وأمازون، وتسلا، وميتا، قد حققو مكاسب اعتباراً من أوائل أكتوبر، بلغت نحو 8 تريليونات دولار -أي ما يعادل نحو نصف الناتج المحلي الإجمالي للصين، ثاني أكبر اقتصاد في العالم– فيما يبلغ مجموع موظفيهم 2.25 مليون شخص فقط، وهو أقل كثيراً من عدد موظفي الحكومة الفيدرالية الأمريكية.

اقرأ أيضاً: كيف ننقذ الديمقراطية من التكنولوجيا؟

من جانبٍ آخر، توقَّع تحليلٌ نشره المنتدى الاقتصادي العالمي في أكتوبر 2020 أنه بحلول عام 2025، قد يؤدِّي “التحول في تقسيم العمل بين البشر والآلات” إلى القضاء على 85 مليون وظيفة، مع خلق 97 مليون وظيفة جديدة أيضاً.

وستشهد هذه الوظائف تقسيم العمل بالتساوي بين البشر والآلات والخُوارزميات؛ حيث ستتعامل الآلات مع مزيدٍ من المهام، في حين يمكن للخوارزميات تبسيط وزيادة المدخلات البشرية وعمليات صنع القرار.

تعكس الفوارق التكنولوجية في جودة التعليم كيف سيكون مستقبل الطبقات الاجتماعية في مختلف دول العالم

وهناك قطاع آخر مهيأ للتعطل بسبب التشغيل الآلي، وهو قطاع النقل، الذي يمثل نحو 29 عاملاً لكل 1000 شخص في الاتحاد الأوروبي. ويمكن أن يتضرر النقل بالشاحنات بشكلٍ خاص، مما يؤثر على أكثر من 2.2 مليون سائق في الولايات المتحدة، ومئات الآلاف من العمال في كندا.

في الوقت نفسه، ستمكّن التكنولوجيا الحيوية الاستهلاكية المتعلمين والأثرياء من أن يعيشوا حياة أطول وأكثر صحة، والتي من شأنها أن تطيل حياتهم المهنية، ما قد يؤدي إلى تضييق الفرص أمام الشباب والخريجين الجدد. كما سيؤدي الاعتماد على أدوات الشرطة التنبؤية والسابقة للجريمة إلى تفاقم التمييز والوصم الموجودين بالفعل في المجتمعات المحرومة.

اقرأ أيضاً: عمالقة التكنولوجيا حققوا أرباحاً بالمليارات من الحرب على الإرهاب

ويُواجه العديد من المفكرين بالفعل أسئلة حول متى وكيف -وليس ما إذا- يمكن منح الآلات الذكية ما يعادل حقوق الإنسان. وفي كتابه «تاريخ موجز للغد»، يستنبط المؤرخ الإسرائيلي يوفال نوح هراري ما هو أبعد، حيث يفترض أنه إذا كان التقدم التكنولوجي في هذا القرن -والحماس شبه الديني الذي يرتبط بهذه المكاسب- يعني أن المواطنين في الديمقراطيات الليبرالية يتنازلون في النهاية عن قدرٍ كبير من فائدتهم العسكرية والاقتصادية للروبوتات والخوارزميات، فإن النظام السياسي “سيتوقف عن إيلاء قيمة كبيرة لهم”.

بحلول عام 2035، سيصبح الواقع الافتراضي والمحاكاة المتقدمة متاحين على نطاقٍ واسع لكل من المؤسسات والأفراد

وأشار هايبرت إلى أن التداعيات المطولة وغير المتكافئة للأزمة المالية عام 2008 قد دفعت بالفعل القادة الشعبويين ذوي الأيديولوجيات الصفرية إلى مستوياتٍ مختلفة من المناصب في الدول الديمقراطية في مختلف أنحاء العالم. وفي كل مكان، تتألف قاعدة دعمهم من ناخبين يطالبون بالانتقام من مجموعة غير محددة من “النخب” التي يُنظر إليها على أنها تتشبث بشكلٍ غير عادل بقمة السلم الاجتماعي والاقتصادي.

اقرأ أيضاً: الذكاء الاصطناعي ومعنى الحياة.. تحذير من عصر ما بعد الإنسانية

ومؤخراً، حذَّر تقرير صادر عن برنامج الأمم المتحدة الإنمائي “في سابقة مذهلة”، إن الأزمات العالمية المتتالية قد أثرت على متوسط العمر المتوقع، ومستويات التعليم، ونوعية الحياة في جميع أنحاء العالم، لدرجة أن مؤشر التنمية البشرية قد انحدر على مدى عامين متتاليين، وهو تغيير يعادل “محو مكاسب السنوات الخمس السابقة”.

وفي عام 2022، بدأ إرث عمليات الإغلاق الوبائي، وتفويضات اللقاحات، إلى جانب أزمة الطاقة العالمية، والتضخم الحاد الذي يستنزف القوة الشرائية للأفراد، في بثِّ حياة جديدة في الحركات الشعبوية.

والآن تظهر أنواع مختلفة من الشعبويين الذين يركزون على التكنولوجيا لتسخير دوامة عدم المساواة والغضب، والتقدم التكنولوجي، كطريقٍ إلى السلطة.

تظاهرة تدعو لمقاطعة شركة “أمازون” بسبب انتهاكات حقوق العمال خلال جائحة كورونا

ومن أجل تسخير فوائد التكنولوجيا الجديدة والتخفيف من بعض أضرارها، يتعين على الحكومات نفسها أن تستفيد على نحوٍ أفضل من التكنولوجيا لتعزيز العملية الديمقراطية. كما ينبغي عليها أن تكون أكثر صدقاً ومباشرة بشأن التعامل مع المخاطر المترتبة على الاختلال التكنولوجي المرتقب، وحدود التعامل معه. فيما يتعين على الناخبين أن يدركوا أن هناك مقايضات متأصلة في الحلول المنقوصة الآخذة في الظهور.

اقرأ أيضاً: حملة الشركات الصغيرة لمكافحة الاحتكار تستهدف شركة “أمازون”

ويرى هايبرت أن أحد هذه الحلول يتمثل في فرض ضرائب أعلى على الشركات التي تتبنى تكنولوجيات تتسبب في جعل العمالة البشرية زائدة عن الحاجة، حتى برغم أن هذا من شأنه أن يعيق نمو الإنتاجية المرغوبة، من خلال خلق حاجز إضافي أمام الاستثمار الرأسمالي.

ففي مقابلةٍ أُجريت معه مؤخراً، قال روب رايش، المدير المساعد لمعهد الذكاء الاصطناعي المرتكز على الإنسان بجامعة ستانفورد، إن “نافذة السياسة مفتوحة الآن لمدة عشرة أو عشرين عاماً حيث سيكون لدينا العديد من السبل المختلفة لمحاولة احتواء العواقب الاجتماعية غير المرغوب فيها لهذا العصر التكنولوجي الكبير. والسؤال هو ما إذا كان صانعو السياسة لدينا على قدر هذه المهمة!”.

♦باحث ومحلل، شغل منصب نائب رئيس تحرير مجلة “أفريكا كونفلكت ميرور”

المصدر: مركز دراسات الحوكمة الدولية  

اتبعنا على تويتر من هنا

 

تعليقات عبر الفيس بوك

التعليقات

مقالات ذات صلة