الواجهة الرئيسيةترجماتشؤون دولية

كيف تطورت مشاعر الأطقم الطبية في مواجهة جائحة كورونا؟

من الخوف واليأس إلى التفاؤل

كيوبوست – ترجمات

د.دروف خولار

في يناير 2020، أعلنت منظمة الصحة العالمية حالة طوارئ الصحة العامة على النطاق الدولي إثر تفشي فيروس (كوفيد-19) في عديد من الدول. وبحلول شهر مارس، أعلنت المنظمة لائحة الإجراءات الصحية الصارمة كما يليق بـ”وباء”، حسب التصنيف الرسمي للمنظمة، لتتحول عناوين الصحافة في أرجاء الكرة الأرضية إلى أرقام المصابين والمتعافين والوفيات؛ بمَن فيهم الأطقم الطبية، كونهم فاعلين على خط المواجهة.

وعلى الرغم من أن الوباء قد سلَّط الضوء على أدوار العاملين في مجال الرعاية الصحية وكان ضرب الأواني والتصفيق من الشرفات في جميع أنحاء العالم وعلامات التقدير للعاملين في الرعاية الصحية في الخطوط الأمامية في كل مكان منذ وقت مبكر من تفشي المرض؛ فإنه ظلت هناك مشكلات حقيقية تتعلق بالضغط العصبي والحالة النفسية والذهنية التي خلفها زخم الحالات المصابة، فضلاً عن تدهور الأنظمة الصحية، وتخبط سياسات الدول في إدارة الأزمة؛ خصوصاً توفير معدات الوقاية للأطباء والتمريض. 

اقرأ أيضاً: كيف نوقف الجائحة.. مقاربة أفضل لمنظمة الصحة العالمية

فبعد فترة وجيزة من الاحتفاء والتقدير، أصبحت أخبار الإرهاق والاضطراب العقلي وفيرة. وبالنسبة إلى العديد من العاملين في مجال الرعاية الصحية، فقد تم استبدال المخاوف الأولية بشأن تقنين أجهزة التنفس الصناعي والأقنعة والقفازات، بإدراك قوي مفاده أن مكافحة فيروس كورونا ليست اضطراباً مؤقتاً؛ بل هي أسلوب جديد للحياة. وفي الولايات المتحدة لقي أكثر من 462  ألف أمريكي حتفهم بسبب الفيروس، ولا يزال الوباء يشق طريقه في جميع أنحاء البلاد.

وحتى في ظل الظروف العادية، يتعرض العاملون في مجال الرعاية الصحية إلى مخاطر عالية في ما يتصل بمشكلات الصحة العقلية؛ فالأطباء ينتحرون بمعدل الضعف مقارنة بعامة السكان، كما يعاني ربع ممرضي العناية المركزة اضطراب ما بعد الصدمة، وتظهر علامات الاكتئاب على ثلث الأطباء المقيمين. وقد أفاد أكثر من 10% من طلاب الطب المتخرجين أنهم تراودهم أفكار انتحارية.

رعب شبح الموت

كانت بيث ماكويل، طبيبة الغدد الصماء -والتي تم تغيير اسمها من أجل هذا الموضوع- عادة ما ترى المرضى في العيادة، وعندما تطوعت في بادئ الأمر في أجنحة العزل، ظلت متوترة. ومع تفاقم الوباء، زاد اطمئنانها تجاه دورها الجديد أو هكذا اعتقدت؛ حيث التفتت ماكويل إلى زميلة مبتدئة كانت تنتظرها، وقالت: “كنت أعرف أنني لا بد أن أكون شجاعة، لقد حافظت على رباطة جأشي من أجلها؛ لكني في الواقع شعرت أنني محاصرة، فلم أجرب شيئاً مثل هذا من قبل”.

يتواصل الدكتور ثوان أونج مع كبير المسؤولين الطبيين بجامعة واشنطن 2020- “أسوشييتد برس”

ولسنواتٍ عديدة، كان سريجان سين؛ أستاذ الطب النفسي في جامعة ميتشجان، يدرس رفاهة الأطباء، ويتابع الأطباء المقيمين في الصين باستخدام تطبيق يطرح عليهم أسئلة حول مزاجهم. وعادةً ما كان يتحسن مزاجهم الجماعي مع اقتراب العام الصيني الجديد، وعندما تسببت الجائحة في إلغاء الاحتفالات، قال سين: “لقد شهدنا تراجعاً مقلقاً في المزاج وزيادة في أعراض الاكتئاب”.

اقرأ أيضاً: دراسة أمريكية تؤكد أن العاملين بالتمريض أكثر عرضةً للانتحار من غيرهم

ويتسق عمل سين مع الأبحاث الحديثة الأخرى؛ فقد وجدت دراسة أُجريت مؤخراً على الممرضات والأطباء الذين يقدمون الرعاية الطبية لمرضى (كوفيد-19) في الصين، أن ما يقارب من ثلاثة أرباعهم قد عانوا ضغوطاً نفسية، وأفاد نصفهم عن أعراض اكتئاب، وعانى ثلثهم صعوبات في النوم. وقد خلصت دراسة أولية أُجريت في إيطاليا إلى أن أكثر من نصف العاملين في مجال الرعاية الصحية هناك يعانون أعراض اضطراب ما بعد الصدمة. وفي منتصف العام الماضي، ووفقاً لإحصاءات العاملين في المجتمع الطبي في نيويورك، زادت حالات الانتحار بين الأطباء السريريين، وأطباء الطوارئ.

ومن خلال ممارسته الطب النفسي، يهتم سين بالأطباء الذين يعانون مشكلات الصحة العقلية. وقد قال: “هناك زيادة في القلق تجاه المرضى، وشعور بعدم القدرة على القيام بالأمور المعتادة، ثم هناك مخاوف إضافية تجاه الأطباء أنفسهم وعائلاتهم. ولا يزال الصراع محتدماً بين شعورهم بمسؤوليتهم كأطباء، وكونهم يضعون أنفسهم وزوجاتهم وأطفالهم في خطر”.

الطاقم الطبي يشجع بعضهم البعض في مستشفى بينزهو بمقاطعة شاندونغ في شرق الصين.. يونيو 2020- وكالات

وعبر ملاحظاته السابقة، وجد سين أن انتشار وخطورة مشكلات الصحة العقلية تختلف من مكان إلى آخر. وهو يعتقد أن هذه التفاوتات تقدم لنا درساً لهذه الأزمة. يقول: “توقعت أن التوتر والقلق سيكونان أسوأ في الأماكن التي يشعر فيها الأطباء أن القيادة تهتم بالشؤون المالية أكثر مما تهتم بالسلامة، أو أنها لا تقوم باللازم في ما يتعلق بالأقنعة ومعدات الوقاية الشخصية، ففي نهاية المطاف أنت تريد أن تتأكد من أن هناك مَن يساندك”.

ومنذ بداية الجائحة، قام جوناثان كوتشاف، طبيب أمراض القلب في نيويورك، برعاية المئات من الحالات الخطيرة لمرضى كورونا. ويصف حالته العاطفية بأنها تطورت عبر 3 مراحل؛ وهي تعكس ما سمعته من أطباء آخرين، وتجربتي الشخصية كطبيب يعمل في أجنحة فيروس كورونا ووحدات العناية المركزة؛ حيث نجد المرحلة الأولى، والتي بدأت مع انفجار انتشار الفيروس بلا هوادة، كانت مشبعة بالحماس والخوف. وكانت الإثارة تتعلق بالمغامرة في أرض مجهولة، والكشف عن أسرار فيروس جديد ومحاولة إخضاعه.

وقال كوتشاف: “كنا نتعلم بسرعة؛ ولكن فقط من خلال وجودنا في مركز البؤرة، وسرعان ما أصبحنا من بين أكثر خبراء العالم في علاج هذا المرض”؛ حيث كان الخوف من فقدان مرضاه وأحبائه وحياته لم يسبق له مثيل. وتابع قائلاً: “عندما كنت أعالج مرضى (كوفيد-19) لأول مرة، كنت أعلم أنني قد أُصاب، كنت أعلم أن زوجتي قد تُصاب، وراودتني كوابيس عن خروج الخراطيم منها في وحدة العناية المركزة. وكنت خائفاً من أن يمرض والداي ويموتا، وكنت أفكر في المستشفى الذي سآخذهم إليه”. 

أثبتت الدراسات تطوير الأطقم الطبية لأعراض اكتئاب واضطراب ما بعد الصدمة بسبب ضغط العمل خلال الجائحة- مجلة “تايم”

وفي ما بعد، مرض كوتشاف وكذلك زوجته التي كانت تعالج الناس من الفيروس نفسه، وكان الخوف قد غيَّر من طريقة تفاعله مع المرضى وعائلاتهم. يقول: “كان التعامل مع أفراد عائلات المرضى عاطفياً بشكل خاص؛ فقد رأيت مخاوفي تتحول إلى حقيقة في ما كانوا يختبرونه. ويمكنني بسهولة أن أضع نفسي مكانهم”؛ فقد يشعر الطبيب ببعض الانفصال عن المرضى الذين يعانون أمراضاً مزمنة؛ مثل أمراض القلب أو داء السكري، ولكن ليس مع فيروس يهدد الجميع.

تماسك تدريجي

ومع مرور الأسابيع، شهد كوتشاف تماسكاً تدريجياً خلال المرحلة الثانية؛ حيث قال: “عندما تتعرض إلى شيء ما بشكل مستمر، يصبح أقل رعباً؛ فقد أصبح هناك نوع من التحجر والانفصال”. وقد لاحظ زملاءه الذين كانوا قد تحولوا إلى ملابس الشارع قبل وبعد المناوبات، ومغادرتهم المستشفى بالملابس الطبية؛ ونسيان بعضهم وضع واقي الأعين بينما يتجهون إلى غرف المرضى، وعودتهم مسرعين لأخذ واقيات الوجه.

اقرأ أيضاً: جائحة كورونا.. ماذا نتعلم من دروس الوحدة والألم؟

وبدأ نهجه في التعامل مع المرضى يتغير؛ فالجميع لديه المرض نفسه، والعديد منهم كانت استجابته سيئة بغض النظر عن المجهود الذي يبذله، وأصبح العلاج يتم بشكل ميكانيكي. يقول: “شعرت بالانفصال، ولست متأكداً إذا كان ذلك بسبب إفراطي العاطفي في وقت سابق وأنني كنت مستنزفاً عاطفياً، أو لأن كل يوم كان عبارة عن سلسلة لا نهاية لها من الشيء نفسه؛ لكني تحولت من رؤية كل مريض على أنه أُمي أو أبي أو زوجتي، إلى رؤيته على أنه رقم في معمل أو أعداد لجهاز تنفس اصطناعي”.

تعليق صور الطاقم الطبي على لوحة داخل مستشفى في هيوستن كتب عليها “وجوه خلف الأقنعة” احتفاء بجهودهم- “بلومبرج”

ومن الواضح أن الآخرين كانوا يشعرون بالطريقة ذاتها؛ لأن وحدة العناية المركزة التي يعمل بها كوتشاف سرعان ما وضعت خطة لإعادة الطابع الإنساني للعمل، وبدأت الوحدة تطلب من العائلات إرسال صور وأوراق ذات وجهَين، تصف حياة كل مريض واهتماماته؛ حيث كتبت بعض العائلات من منظور الشخص نفسه، وكأنه يقدم نفسه.

وسرعان ما غطت حاملات الحقن الوريدي قصاصات تصف السنوات الماضية وصوراً مغلفة للأطفال والأحفاد والإجازات والتخرج. يقول كوتشاف: “كنت أذهب لتفقد إعدادات جهاز التنفس الصناعي لمريض، وفجأة أرى وجهه المبتسم في حفل شواء، لقد بدأت أهتم بالناس مجدداً”، وهو يُسمِّي تلك بالمرحلة الثالثة الجديدة، ويأمل أن يستمر بها ذلك الطابع الإنساني. ولم يقتصر تأثير الوباء على المرضى والأطباء في الخطوط الأمامية فحسب؛ بل أيضاً على المرضى الذين أُجبروا على الاختفاء وراء الكواليس.

وبسبب مرض المناعة الذاتية الذي شُخص به في سن المراهقة، كان روميت بهاتشاريا، وهو طبيب أمراض القلب في بوسطن، يأخذ أدوية كبت المناعة خلال أغلب العقدَين الماضيين. وبحماس وتفانٍ، أصبح أول مَن يقدم المساعدة في المستشفى ويغطي أماكن زملائه، ويبقى لوقت متأخر، ويستقبل عدداً أكبر من المرضى، وعندما ضرب الوباء مدينته، أقنعه أساتذته بالابتعاد؛ نظراً للمخاطر الكبيرة على صحته.

أفراد الطاقم الطبي يلوحون لمريض خرج من مستشفى ليشنشان في ووهان.. مارس 2020- “رويترز”

يقول: “في البداية كنت رافضاً بشدة؛ ولكن بمجرد أن هدأت، رأيت أنه من الحكمة أن نخاف مما لم نفهمه.. ففي بداية الجائحة لم أستطع أن أطمئن عائلتي التي ربما كانت تدرك مدى خطورة دخولي المستشفى أكثر منِّي”.

اقرأ أيضاً: ما الأضرار النفسية للعزل الاجتماعي في زمن الكورونا؟

ومنذ ذلك الحين، ظهرت بيانات تشير إلى أن العاملين في مجال الرعاية الصحية الذين لديهم معدات وقاية شخصية مناسبة تكون احتمالات إصابتهم بالعدوى ضئيلة إلى حد معقول؛ فالمستشفيات التي تتوفر لديها الموارد الكافية استطاعت أن تحافظ على سلامة العاملين بها. يقول بهاتشاريا: “لقد تقلصت مساحة الأخطاء التي تحيط بانتشار العدوى، كما أدركت أيضاً أنه بينما أستطيع أن أتنحى جانباً لبعض الوقت، فإن فيروس كورونا سيبقى معنا لفترة طويلة، ولست مستعداً لتنحية كل ما تدربت عليه طيلة حياتي جانباً كي أتجنب خطر حدوث شيء قد يكون جزءاً من مهنتي لشهور وسنوات وربما إلى الأبد”.

جرعة لقاح أم جرعة تفاؤل؟!

وعلى غرار العديد من العاملين في مجال الرعاية الصحية، كان بهاتشاريا يتابع الأخبار وقصص الوباء على موقع “تويتر”؛ وقد كان من المحبط أن نرى مدى تعقد عمل إنقاذ الأرواح بسبب المعلومات المضللة والخطابات الرنانة والحسابات السياسية، غير أنه بنهاية عام 2020 ومع الإعلان عن تصنيع لقاحات مضادة للفيروس، بدأ الأطباء والأطقم الطبية في الشعور بالارتياح.

الممرضة ماري إلين تبكي فرحاً وهي تستعد لتكون أول شخص يتلقى لقاح فيروس كورونا في مستشفى جامعة تمبل في فيلادلفيا.. ديسمبر 2020- “واشنطن بوست”

تقول ماري بروك، التي تمارس مهنة التمريض منذ نحو 32 عاماً وقد كان عام 2020 الأصعب على الإطلاق بالنسبة إليها: “جرعة اللقاح ما هي إلا جرعة تفاؤل”؛ حيث تعمل بروك في عيادة الرعاية العاجلة في هارتفورد، كونيتيكت، وكانت تستقبل 40 إلى 50 مريضاً يومياً. يأتي معظمهم لإجراء اختبارات فيروس كورونا، وفي بعض الأيام كانت نتيجة 40% منهم إيجابية. وتضيف بروك، البالغة من العمر 52 عاماً: “أشعر بتفاؤل أكبر، وأشعر أن الأمر لم يعد تهديداً شخصياً مباشراً، وإذا ساءت الأمور مرة أخرى، فسيسعدني المساعدة. إنه نوع من التغيير في طريقة تفكيري حول مخاطري الشخصية. وآمل أن يمكنني اللقاح من تقديم رعاية أفضل لمرضاي”.

اقرأ أيضاً: المسنون أم العاملون الأساسيون.. مَن يجب أن يحصل على لقاح فيروس كورونا أولاً؟

أما ليندا غرين، والتي تعمل في الرعاية المركزة بأحد مستشفيات ولاية ميريلاند فتقول: “استمرت حياتي لأسابيع بين أسرَّة الرعاية التي تفصل بينها ستائر بلاستيكية، وقد انتشر الوباء كالنار في الهشيم، وتعمق خوفي على نفسي وعلى زوجي البالغ من العمر 84 عاماً”؛ حيث أكدت غرين أنها شعرت بحزن عميق، لأنه على الرغم من الاحتياطات؛ فإن الفيروس شق طريقه إلى السكان الذين كانوا معزولين عن الخارج.

غير أنها عبرت عن شعورها بالارتياح بعد تلقي اللقاح وقالت -وهي تبكي- إنه “يمكنها الآن أن تتصور مستقبلًا أكثر إشراقًا لنفسها ولمن تعتني بهم”، مضيفةً: “عندما نحصل على اللقاح، يمكننا العودة إلى منازلنا بأمان وتصبح لدينا عائلة مرة أخرى”، مشيرةً إلى أنها أبلغت حفيدتها البالغة من العمر 11 عاماً، والتي لم تعانقها منذ العام الماضي، أنه يمكنهما الآن التخطيط معاً لعطلة عائلية.

♦كاتب مساهم في “نيويوركر”، يهتم بالطب والرعاية الصحية والسياسات. وهو أيضاً طبيب ممارسة وأستاذ مساعد في كلية طب وايل كورنيل.

المصدر: نيويوركر و واشنطن بوست

اتبعنا على تويتر من هنا

تعليقات عبر الفيس بوك

التعليقات

مقالات ذات صلة