الواجهة الرئيسيةشؤون دولية

كيف تسهم تقنيات الطائرات المسيرة في مكافحة الإرهاب؟

تتمتع الطائرات المسيرة والمعروفة أيضاً بالطائرات دون طيار أو "الدرون" بعدد من المزايا السياسية والعسكرية والتقنية التي زادت من كفاءة الولايات المتحدة في مكافحة التمرد والإرهاب حول العالم

كيوبوست

قبل ما يقرب من عقدَين من الزمن، انطلقت طائرة مسيَّرة أمريكية من جيبوتي عبر خليج عدن إلى محافظة مأرب اليمنية، في أول مهمة معلنة لها باليمن. كانت تلك المهمة في نوفمبر من عام 2002، وكان الهدف هو قتل أحد زعماء تنظيم القاعدة، ويُدعى قائد بن سالم الحارثي، بواسطة صاروخ هيلفاير “Hellfire” الموجَّه بدقة لتدمير الأهداف عالية القيمة.

كان الحارثي يختبئ بين القبائل في صحاري مأرب الشاسعة وسهولها الوعرة قبل أن يُصيبه صاروخ “هيلفاير” في مقتل بصحبة مرافقيه؛ وبينهم مواطن أمريكي، أثناء تجولهم بسيارة. وقد كان الحارثي متهماً بتورطه في تفجير المدمَّرة الأمريكية “يو إس إس كول” (USS Cole) في ميناء عدن، جنوب اليمن، في عام 2000.

جانب من المدمرة الأمريكية “يو إس إس كول” بعد الهجوم عليها

بقي الحارثي فارّاً لشهورٍ قبل مقتله، مستفيداً من قدرة البلاد على توفير ملاذات آمنة؛ بسبب التضاريس الصعبة، والعلاقات القبلية المتشابكة والمعقدة، والحكومة المتراخية مع الإرهابيين؛ إذ تُشكِّل تلك الخصائص تحديات جسيمة لأية قوة تسعى للقبض على المتمردين والإرهابيين من خلال مداهمة برية. في الواقع، حاولت القوات اليمنية الخاصة، والمدربة على أيدي قوات أمريكية، مداهمة الحارثي بالفعل قبل هجمة الطائرة المسيرة بفترة وجيزة؛ لكن المداهمة الفاشلة أدَّت إلى مقتل 18 جندياً يمنياً وستة من رجال القبائل، بينما تمكَّن الحارثي من الفرار.

اقرأ أيضاً: اليمن.. كيف يساعد الإرهابيون الساسة على البقاء في الحكم؟

مزايا وتقنيات

تتمتع الطائرات المسيرة، والمعروفة أيضاً بالطائرات غير المأهولة أو الطائرة دون طيار أو الدرون، بعددٍ من المزايا السياسية والعسكرية والتقنية التي زادت من كفاءة الولايات المتحدة في مكافحة التمرد والإرهاب حول العالم. ومن بين أهم تلك المزايا، هو عدم تعريض الأفراد العسكريين إلى الخطر، وعدم ترك أي أثر لأفراد أمريكيين في الخارج؛ حيث قد يمكن أن يُنظر إليهم كمحتلين متجبِّرين؛ وهو ما قد يؤدي إلى تعاطف السكان المحليين مع الجماعات المتمردة أو الإرهابية بدلاً من دعم قوات مكافحة التمرد أو الإرهاب.

ومن الناحيةِ التقنية، تتسم الصواريخ التي تحملها الطائرات المسيرة بدقة عالية قادرة على ضرب الأهداف الثابتة والمتحركة؛ كالأفراد والسيارات وحتى أجزاء معينة من المباني، كغرفة محددة مثلاً دون الإضرار بالأجسام المجاورة أو المدنيين.

تحضير صاروخ “هيلفاير” على طائرة مسيَّرة

كما تمتلك تلك الطائرات القدرة على جمع المعلومات الاستخبارية بشكل فوري ولفترة طويلة قبل تنفيذ العملية بواسطة الكاميرات والمتحسسات؛ مما يعطي خطة الضربة المرونة والدقة. وعلى سبيل المثال، تستطيع الطائرة المسيَّرة أمريكية الصنع “بريديتور بي” (Predator B)، التحليق لأكثر من 30 ساعة، كما تستطيع الطائرة المسيَّرة إسرائيلية الصنع “أيتان” (IAI Eitan)، التحليق لـ36 ساعة؛ تتيح هذه الخصائص لمشغِّلي الطائرة في محطة التحكم مراقبة منطقة الهدف بدقة، وتمييز المقاتلين عن غير المقاتلين، وحتى إلغاء المهمة أو تأجيلها؛ لتجنب وقوع ضحايا من المدنيين أو المنشآت والأعيان المدنية.

ويعتبر كلٌّ من الولايات المتحدة وإسرائيل أكبر مُصنِّعي الطائرات المسيَّرة، وهناك محاولات لدول أخرى؛ مثل إيران وباكستان والهند وروسيا والصين، لكنها أقل كفاءة وشيوعاً. ويعتبر كل من الإمارات والمغرب وتركيا من بين المستخدمين للطائرات الأمريكية دون طيار. كما تستخدم السعودية طائرات صينية مسيَّرة نوع “تشنغدو وينق لونق” (CAIG Wing Loong)، وتتعاون الرياض مع بكين لتصنيع هذا النوع من الطائرات في السعودية وتسويقها إقليمياً.

اقرأ أيضاً: خبراء يناقشون الأعطال المتزايدة للدرونز التركية في ليبيا

إن التقنيات الفريدة التي تتمتع بها الطائرات المسيَّرة تجعل منها آلة قتل وجمع معلومات قليلة التكلفة ومنخفضة المخاطر، كما أنها أداة فعالة لإرباك المتمردين والإرهابيين، وجعلهم في حالة توجُّس وقلق دائمين؛ حيث تزرع الشك بين الأعضاء وتُشغِلهم بالبحث عن الجواسيس الذين يُسهِّلون تعقب الأهداف.

وفي قصة مقتل قائد الحارثي، مثلاً، تمكَّنت وكالة الأمن القومي الأمريكي من تحديد موقعه بعد اعتراض مكالمة له من خلال هاتفه المحمول الذي يتم تعقبه. وقد تم اعتراض المكالمة من إحدى القواعد العسكرية في الكويت، كما تم الاستماع إليها وتأكيد هوية المتحدث بشكل مباشر بواسطة محللي وكالة الأمن القومي في الولايات المتحدة. وحسب بعض التقارير، فإن المسؤولين الأمريكيين قد دفعوا الأموال لرجال القبائل المحليين مقابل معلومات ساعدتهم في تحديد مكان قائد الحارثي.

طائرة مسيَّرة أمريكية الصنع نوع “بريديتور بي” (Predator B) والمعروفة أيضاً باسم “MQ9”

إن مثل هذه التقنيات والقدرات الاستخبارية يُجبر الإرهابيين على الاعتماد على وسائل الاتصال التي لا يمكن اعتراضها بسهولة؛ ولكنها أقل كفاءة وموثوقية، أو اللجوء إلى استخدام أجهزة تشويش إشارات الهاتف النقَّال وإشارات نظام تحديد المواقع العالمية (GPS)، كما تدفعهم إلى تغيير أماكنهم والبقاء في حالة حركة مستمرة وبأعدادٍ قليلة؛ وهو ما يُقلل من كفاءة التواصل بينهم، وبالتالي ضعف القيادة والتخطيط، بل والأسوأ من كل ذلك، فقدان الثقة في ما بينهم.

اقرأ أيضاً: الطائرات بدون طيار الإيرانية: سلاح الحوثيين الجديد ضد السعودية

ويمكن رؤية التأثير المدمِّر للشك في إصدار تنظيم القاعدة العديد من الفيديوهات الدعائية (البروباغندا) حول محاربة الجواسيس؛ منها الفيديو الذي تم نشره مطلع العام الجاري بعد مقتل زعيم تنظيم القاعدة في جزيرة العرب، قاسم الريمي، في غارة جوية بطائرة مسيَّرة. وقد حمل الفيديو عنوان “هدم الجاسوسية”، وفيه تم استعراض اعترافات وأسماء جواسيس، إضافة إلى لقطات تنفيذ حكم الإعدام ضد بعضهم.

ومع تزايد إثبات فاعلية الطائرات المسيَّرة، تصاعد اعتماد الولايات المتحدة عليها بشكل كبير في عدة نزاعات مسلحة وضد الجماعات الإرهابية والمتمردة في أفغانستان والعراق وباكستان واليمن والصومال وليبيا، وقد تمكنت من التخلص بواسطتها من الكثير من المطلوبين من زعماء “القاعدة”؛ كأنور العولقي وناصر الوحيشي، ومن سِواهم من غير زعماء تنظيم القاعدة؛ مثل القائد العسكري الإيراني قاسم سليماني. وفي أحدث جولاتها، تقوم القيادة العسكرية الأمريكية في إفريقيا بالضغط للحصول على سلطات جديدة لتنفيذ ضربات مسلحة بطائرات مسيرة تستهدف مقاتلي حركة الشباب المُرتبطين بالقاعدة في أجزاء من شرق كينيا.

اقرأ أيضاً: مقتل سليماني سيقود إلى مزيد من الإرهاب في الشرق الأوسط وما وراءه

وعلى الرغمِ من كل المزايا والمنافع التي تتمتع بها هذه التقنية؛ فإنها لا تزال محل انتقاد، ومن بين ما تشمله مجموعة الانتقادات الجدلية هو ضرورية استخدام نهج يجمع بين إضعاف الجماعات الإرهابية والمتطرفة من خلال القوة العسكرية، كالطائرات المسيَّرة، وتجفيف مصادر دعمها الملموس، وإجراء تحسينات في البنية التحتية للمناطق التي يتم تحريرها وضمان توفير الخدمات الأساسية بها، وغيرها من الممارسات التي من شأنها تعزيز الحكم الرشيد وكسب دعم السكان المحليين، وإبعاد الشباب والمتعاطفين عن الانضمام إلى الجماعات المتطرفة؛ حيث يُعد الفساد والشباب والإحباط مزيجاً مدمِّراً لاستقرار المجتمعات.

اتبعنا على تويتر من هنا

تعليقات عبر الفيس بوك

التعليقات

مقالات ذات صلة