الواجهة الرئيسيةترجماتشؤون دولية

كيف تستغل تركيا قوتها الدينية الناعمة في محاولة السيطرة على العالم الإسلامي؟

تحاول تركيا أن تظهر نفسها بمظهر القائد للمسلمين حول العالم!

كيو بوست –

نشرت مجلة فورين أفيرز الأمريكية مقالًا للكاتبة “جونال تول” تشرح فيه كيف تستغل تركيا قوتها الدينية الناعمة في محاولة قيادة العالم الإسلامي وكسب قلوب المسلمين.

وترى “تول” أن الدين بمثابة أداة حاسمة في السياسة الخارجية التركية، تحديدًا بعد وصول حزب العدالة والتنمية ذي الجذور الإسلامية، ورئيسه رجب طيب إردوغان، إلى الحكم. ومما يؤكد ذلك سعي تركيا لاستقطاب المسلمين عبر العالم عبر بناء المساجد، ومحاولة استعادة التراث العثماني، وإظهار نفسها كقائد للعالم الإسلامي.

اقرأ أيضًا: كيف تستغل تركيا المساجد الأوروبية لتنفيذ نشاطات تجسسية واستخباراتية؟

وتشرح الكاتبة جونال تول -وهي مديرة مركز الدراسات التركية في معهد الشرق الأوسط- كيف يحاول المسؤولون الأتراك إعادة إحياء الحضارة الإسلامية بنسخة تركية جديدة، عن طريق دمج الإسلام السني مع القومية التركية، وإنشاء مؤسسات حكومية ومنظمات المجتمع المدني التي تقف وراء التوعية الدينية، وتعزيز اللغة والثقافة التركيتين، إلى جانب المناهج الدينية، وإقامة المشاريع في الداخل والخارج.

 

دبلوماسية المساجد

وتبين الكاتبة كيف يحاول إردوغان استعطاف قلوب المسلمين والبسطاء من خلال افتتاحه للمساجد في ألبانيا والولايات المتحدة وألمانيا وغيرها، إلى جانب مشاريع أنشطة مؤسسة “ديانت” التي تقوم بتوظيف الأئمة، وتقديم التعليم الديني للمواطنين، وتفسير الأعراف الدينية، وكتابة خطب يوم الجمعة التي تقرأ أسبوعيًا في المساجد، أي أن تركيا تتدخل حتى في مضمون خطب المساجد وتشرف عليها، وتوجه الخطباء وأئمة المساجد بما يحقق مصالحها وغاياتها. 

اقرأ أيضًا: بدعم استخباراتي تركي: “ديانت” تغسل أدمغة السوريين

 

مؤسسةديانت

حتى ثمانينيات القرن الماضي، لم تلعب “ديانت” دورًا بارزًا خارج حدود البلاد، لكن بعد الانقلاب العسكري عام 1980، وما نتج عنه من هجرة للسكان، لعبت المنظمات الإسلامية واليسارية دورًا كبيرًا في زيادة نفوذها بين الجاليات التركية في غربي أوروبا. احتاجت الحكومة العسكرية حينها إلى وسيلة لنشر أفكارها، فنقلت مؤسسة “ديانت” إلى أوروبا للترويج للنسخة العلمانية من الإسلام بين المهاجرين.

وتذكر المقالة أن الخطير في أمر هذه المنظمة قيام حزب العدالة والتنمية بتوسيع مهام “ديانت” الدولية، وجعلها أداة للأجندة السياسية والأيديولوجية للحزب. وابتداءً من عام 2010، أصبحت المؤسسة -التي كانت تتمتع ببعض الحكم الذاتي- خاضعة بشكل كامل للسيطرة الحكومية، وأصبحت المؤسسة تنشط في كثير من دول العالم، بما في ذلك تنظيم رحلات الحج، وتوظيف الدعاة وتدريسهم على نهج حزب العدالة والتنمية، إلى جانب تقديم منح دراسية للطلاب من إفريقيا والبلقان وآسيا الوسطى وأمريكا اللاتينية لدراسة الشريعة في تركيا، قبل أن يعودوا لبلدانهم لنشر أيديولوجيا العدالة والتنمية وفكره.

 

ديانتليست الوحيدة

قامت وكالة التعاون والتنسيق التركية -وهي مؤسسة حكومية أخرى- بتوسيع وجودها الدولي بشكل كبير، فكانت المسؤولة عن استعادة المواقع التراثية العثمانية في جميع أنحاء العالم، أي أنها وتحت مظلة العمل الخيري، جمعت وسيطرت على عشرات قطع الآثار في المناطق التي خضعت تاريخيًا للحكم العثماني كالبلقان، والعراق، وهنغاريا، وإثيوبيا.

اقرأ أيضًا: هل تعرف ما هي “موصياد”؟ ولماذا تشكل خطرًا كبيرًا على الدول العربية؟

في السياق ذاته، خفف حزب العدالة والتنمية -الذي وصل إلى الحكم قبل 16 عامًا- من القيود البيروقراطية على المنظمات الإنسانية غير الحكومية “ذات الأيديولوجية الإسلامية”، مما سمح لها بتلقي مزيد من التبرعات، وأتاح توسيع أعمالها في الخارج، كما أن الكثير من كبار مسؤولي العدالة والتنمية لديهم علاقات وثيقة بهذه المنظمات. وقد ساعدت هذه التسهيلات المنظمات التركية، وتحت مظلة العمل الخيري، في القيام بأنشطة سياسية واستخباراتية لصالح تركيا وحزب العدالة والتنمية، وهو ما تكشفه الكثير من التقارير الدولية في هذا الخصوص، ويؤكد عليه هذا المقال أيضًا.

 

الدبلوماسية التركية في الصومال

تشرح الكاتبة كيف أن تركيا استغلت معاناة الصوماليين وانتشار المجاعة والحروب؛ إذ قدمت الدعم للمشردين والنازحين إلى جانب بناء المساجد، وفي مقابل ذلك، حققت تركيا مصالح لها، أبرزها: أن أصبح مطار مقديشو يدار من قبل شركة تركية، كما أصبحت الخطوط الجوية التركية هي الناقل الدولي الوحيد فيها، بالإضافة إلى وجود مستشفى باسم إردوغان. كما تدير مؤسسة “ديانت” وغيرها من المنظمات غير الحكومية الإسلامية المدارس الدينية في البلاد، وهو ما يعني تسويق النسخة التركية الإسلامية وأيديولوجياتها.

ليس هذا فحسب، فقد أقامت تركيا أكبر قاعدة عسكرية خارجية لها في الصومال، وأصبح التعليم الديني التركي شائعًا في أجزاء أخرى من القارة الإفريقية، مثل التشاد وإثيوبيا وغانا والنيجر ونيجيريا.

اقرأ أيضًا: كيف تتمدد تركيا في العالم العربي؟

كما تدير تركيا منظمات دينية مثل مجموعة مدارس “إمام خطيب”، التي تستقطب طلبة مسلمين من الخارج لإخضاعهم للتأهيل العلمي الديني على النسخة التركية، قبل أن يعودوا لبلدانهم لنشر الأيديولوجيا الناعمة التركية. وقد درس أكثر من 1000 طالب من 76 دولة في هذه المدارس بين عامي 2014-2015. وبالإضافة إلى “إمام خطيب”، لعبت مؤسسة “معارف” دورًا نشطًا في تعزيز التعليم الديني على الطراز التركي في الخارج، من خلال تقديم المنح الدراسية، وبناء المدارس، وتدريب المعلمين.

 

تركيا في الشرق الأوسط

في أواخر القرن التاسع عشر، بدأت النخب العربية الواعية بإدراك مدى الدمار والتخلف الذي سببه العثمانيون لمجتمعاتهم، ومع سقوط الإمبراطورية العثمانية عقب الحرب العالمية الأولى تحررت كثير من المجتمعات العربية من قرون قاتمة همش فيها العرب من قبل العنصر التركي.

وتذكر المقالة أنه بسبب هذه المظالم التاريخية، لا تزال الدول العربية أقل تقبلًا لأنشطة تركيا الدينية من الدول الإفريقية، فالعديد من الدول العربية التي كانت تحت الحكم العثماني لا تزال ترى في تركيا قوة إمبريالية.

ويحمل سياسيون وخبراء الرئيس إردوغان وزر كثير من المجازر التي شهدتها سوريا في السنوات الثماني الماضية، كما يُتهم بأنه يحمل طموحات توسعية في المنطقة العربية، وهو ما كشفته الأزمة الخليجية الأخيرة.

وفي منتصف 2018، كتب باحث عراقي في حسابه على تويتر عن المجازر والمعاناة التي واجهها عرب الحجاز أثناء الحكم العثماني، وحظيت تلك التغريدة بانتشار واسع دفع الرئيس التركي رجب طيب إردوغان إلى الإشارة إليها في كلمة له أمام البرلمان التركي.

وتذكر المقالة أن حزب العدالة والتنمية حاول عند وصوله إلى الحكم، في 2002، تعزيز قوة تركيا الناعمة في دول الشرق الأوسط، معتمدًا بشكل أساسي على علاقته مع جماعة الإخوان المسلمين، المتقاربة أيديولوجيًا مع الحزب، كما تذكر الكاتبة.

استمرت المنظمات الدينية غير الحكومية في بناء الروابط مع الإخوان المسلمين في بداية القرن الواحد والعشرين، فقامت باستضافة المؤتمرات والمنتديات الدولية التي تناقش مستقبل العالم الإسلامي، في إسطنبول على وجه الخصوص، وجعلت المدينة مركزًا مهمًا للإخوان. كما لعبت قناة الجزيرة القطرية دورًا كبيرًا في تحسين صورة تركيا بين شعوب الدول العربية، حسب الكاتبة.

ومنذ بداية أحداث الربيع العربي تورط النظام التركي بدعمه العلني للإخوان المسلمين، مما تسبب بخلافات عميقة مع أكبر دولة عربية – مصر، بعد ثورة 2013، ما دفع السعودية والإمارات إلى اتخاذ مواقف موحدة، ووضع سياسات لإفشال مخططات الأتراك وحلفائهم في المنطقة. 

اقرأ أيضًا: هذه هي “أمجاد” الدولة العثمانية التي يريد إردوغان استعادتها!

وتذكر الكاتبة أنه في أعقاب أحداث الربيع العربي، أصبح الشرق الأوسط أكثر تشكيكًا في القيادة التركية ودورها في المنطقة، فانخراط تركيا في الأزمة السورية، حطم صورتها التي سعت جاهدة لبنائها في الدول العربية. علاوة على ذلك، فشلت جماعة الإخوان المسلمين، وصنفت من قبل العديد من الدول الإسلامية بالإرهابية.

وفي العام 2014، صنفت كل من الإمارات العربية المتحدة والمملكة العربية السعودية جماعة الإخوان المسلمين ضمن قوائم الإرهاب.

 

شرح الصورة: الصورة أعلاه من موقعة قونية التي انتصر فيها الجيش المصري بقيادة إبراهيم باشا على الجيش العثماني عام 1832 م.

المصدر: Foreign Affairs

تعليقات عبر الفيس بوك

التعليقات

مقالات ذات صلة