الواجهة الرئيسيةشؤون دولية

كيف تستغل الدول المانحة حاجات الفقراء اقتصاديًا وسياسيًا؟

ابتزاز سياسي واقتصادي صامت بالمال والدواء

كيو بوست – أنس أبو عريش

يمكن القول إن دبلوماسية من نوع ما تقوم على استغلال حاجات الدول الفقيرة قد نشأت خلال سنوات التسعينيات وبدايات الألفية الجديدة.

فقد شهدت تلك الفترة تحولًا كبيرًا في طبيعة العلاقات بين الدول المانحة والدول المتلقية للمساعدات؛ فبعد أن تصاعدت أعداد الدول الممزقة بفعل الحروب والأمراض، برزت الحاجة الكبيرة لاستغلال ضعف تلك الدول من مقدمي التبرعات والمساعدات الإنسانية. وكان من بين العوامل الأساسية لبروز هذا التحول تفشي أمراض بشكل واسع، مثل إنفلونزا الطيور، وإنفلونزا الخنازير، وفيروسي الإيبولا في إفريقيا وزيكا في أمريكا الجنوبية.

اقرأ أيضًا: دراسة تكشف: ما هي المبالغ التي جناها العالم من الأزمة السورية؟

 

دبلوماسية الحاجة

قد لا يكون مصطلح “دبلوماسية الحاجة” رائجًا في مجالات العلوم السياسية أو العلاقات الدولية، لكنه يعبر عن رغبة حقيقية في الاستفادة من عوز دول معينة، لصالح الدولة المعطية.

ونشر كيوبوست مؤخرًا تقريرًا يتحدث عن الأرباح التي جنتها أوروبا والولايات المتحدة الأمريكية من مبيعات السلاح إلى منطقة الشرق الأوسط، بالاستفادة من الأزمة السورية المشتعلة منذ عام 2011. وقدر التقرير أرباح مبيعات السلاح بقرابة 20 مليار يورو، إذا ما طرحنا المجموع الكلي لما دفعته أوروبا والولايات المتحدة مجتمعة على اللاجئين السوريين الذين استضافتهم منذ اندلاع الأزمة حتى يومنا هذا.

في المحصلة، لقد استفادت معظم دول العالم المصنعة للسلاح من اندلاع الأزمة السورية؛ فقد روجت لمنتجاتها العسكرية، ونقلتها إلى أرض المعركة، مستفيدة من حاجة الأطراف كافة إلى السلاح، بينما كانت تلك الدول تنادي بإيقاف الحرب في المنابر الدولية، والمؤتمرات العالمية.

اقرأ أيضًا: بعد استغلال ورقة اللاجئين السوريين داخليًا وخارجيًا: تركيا تتخلّص منهم

 

إفريقيا والابتزاز الصامت

من ناحية أخرى، تقدم الدول المانحة ملايين الدولارات لمواجهة الأمراض المتفشية في إفريقيا، ولمواجهة المجاعة هناك، فيما يستفيد المانحون من الموارد الطبيعية التي تتمتع بها القارة السمراء. في المحصلة، إن مجمل ما تقدمه أوروبا لإفريقيا قد لا يتعدى نصف ما يحصل عليه الأوروبيون من استغلال الثروات الطبيعية فيها.

ووفقًا لدراسة نشرت عام 2010 من قبل معهد ماكينزي، فإن 10% من احتياطي النفط العالمي يتواجد في إفريقيا، إضافة إلى 40% من احتياطي الذهب، و80% من الكروم، و90% من البلاتين. كل هذه الثروات الطبيعية تتواجد في إفريقيا لكنها لا تستفيد منها فعليًا، بسبب استغلال شركات عالمية، ودول كبرى لخيراتها؛ فلو قدر لها أن تفعل ذلك لما تفشت الأمراض في القارة السمراء، ولما احتاجت لمنح خارجية من الدول الأخرى.

ووفقًا لكثير من الباحثين، لم تكن إفريقيا قارة تحظى بأي اهتمام قبل مئات السنوات، وكان ينظر إليها على أنها مصدر رئيس للعبيد فقط، فيما لم تنظر معظم القوى العالمية في ذلك الوقت إلى القارة بعين الجشع كما يحدث اليوم.

اليوم، تنظر القوى الدولية إلى القارة على أنها منبع الموارد الطبيعية والثروات الهائلة. ولذلك سعت معظم الدول التي تقدم مساعدات إلى إفريقيا إلى استغلال الحاجة الماسة للأفارقة، وتطبيق أجنداتها الخاصة البعيدة عن حاجاتهم الأساسية. وهكذا استغلت تلك القوى القارة ونهبت خيراتها، وأعادت تصنيعها، ثم سوقتها في العالم، بما في ذلك إفريقيا، على أنها منتجات حصرية، دون أن تعترف حتى أن أساس تلك الصناعات إفريقي بالكامل. كما عملت على تحديد الأسعار وفق حاجاتها، وليس وفق حاجات الدول الإفريقية التي استغلت ثرواتها أسوأ استغلال.

اقرأ أيضًا: كيف تصعد النخب السياسية على سلم عواطف الناس؟

 

في السياسة أيضًا

لا يقتصر الأمر على استغلال الحاجات الاقتصادية للدول الفقيرة، بل يتعداه إلى استغلال سياسي. ومفاد ذلك أن الدول المانحة لها الحق في إجبار الدول الفقيرة على اتخاذ سياسات معينة وفقًا لمصالح الأولى. وكثيرًا ما نسمع الرئيس الأمريكي دونالد ترامب يهدد دولًا فقيرة بقطع المساعدات في حال خالف سياسيوها قرارات إدارته.

وبالفعل قطع ترامب مساعدات كانت تقدمها دولته إلى دول أخرى، بحجة أن تلك الدول تخالف سياسات إدارته، خصوصًا من خلال التصويت على قرارات لا تعجب الولايات المتحدة في الأمم المتحدة.

وقال ترامب بعد إعلانه اعتراف إدارته بالقدس عاصمة لإسرائيل، في ديسمبر/كانون الأول، إنه سيقطع المساعدات المالية عن الدول التي ستصوت لصالح مشروع القرار المعارض لاعتراف ترامب، مضيفًا: “إنهم يتلقون مئات الملايين من الدولارات، ثم يصوتون ضدنا. حسنًا، سنقوم بمراقبة تلك الأصوات، فليصوتوا ضدنا، ونحن سنوفر الكثير، هذا لا يهمنا”.

تعليقات عبر الفيس بوك

التعليقات

مقالات ذات صلة