الواجهة الرئيسيةترجماتشؤون دولية

كيف تستطيع أوروبا والولايات المتحدة أن تجددا تحالفهما؟

ما زال العالم بحاجة إلى غرب موحد

كيوبوست – ترجمات

ديفيد مكين وبارت زوزيك♦

في الرابع عشر من أغسطس 1941، التقى الرئيس الأمريكي فرانكلين روزفلت، ورئيس الوزراء البريطاني ونستون تشرشل، سراً، على متن سفينة قبالة سواحل نيوفاوندلاند. إلى جانب البحث في استراتيجية الحرب، وضع الزعيمان رؤيتهما المشتركة لعالم ما بعد الحرب في بيان مشترك، عُرف لاحقاً بـ”ميثاق الأطلسي”. ولم يعزز البيان، الذي حدد المبادئ المشتركة، التحالف عبر الأطلسي فحسب؛ بل أسس لنظام عالمي جديد استمر أكثر من سبعين عاماً.

هذا التحالف أصبح اليوم في أدنى مستوياته؛ فالرئيس الأمريكي ترامب هدد علناً بالخروج من حلف شمال الأطلسي، وأشار إلى أوروبا على أنها “خصم”. وعلى الضفة الأخرى للأطلسي، تحدَّث بعض المسؤولين الأوروبيين في مقابلات معنا عن العودة إلى الأعراف التاريخية، وأشاروا إلى أن الولايات المتحدة تعود إلى انعزاليتها التي كانت عليها قبل عام 1941، وأن العقود الثمانية الأخيرة من التعاون عبر الأطلسي كانت هي الاستثناء من القاعدة.

اقرأ أيضاً: استراتيجية ترامب التجارية: كيف تخسر الأصدقاء؟

لكن الاستثناء هو ترامب نفسه. صحيح أن التحالف قد فتر نوعاً ما في ظل الإدارات الأمريكية السابقة؛ لكن ترامب شكل تهديداً صريحاً للشراكة التي أرساها روزفلت وتشرشل، وأثار حفيظة الزعماء الأوروبيين، وهزّ الثقة المتبادلة، وألقى بظلال الشك على قيمة الشراكة نفسها.

إلا أن هذه الشراكة لم تصل إلى نقطة اللا عودة؛ فقد بدأ قادة الولايات المتحدة وأوروبا بالنظر إلى مرحلة ما بعد ترامب، وإلى البحث في إمكانات جديدة للتحالف. ففي خطابها عن حالة الاتحاد، شدَّدت رئيسة المفوضية الأوروبية أورسولا فون دير لاين، على أن الأوروبيين “سوف يتمسكون بالتحالف عبر الأطلسي”، ويتطلعون إلى “أجندة جديدة عبر الأطلسي”.

لا تزال أوروبا والولايات المتحدة بحاجة إلى بعضهما بعضاً، والعالم يحتاج إلى غرب قوي حيوي؛ للحفاظ على النظام العالمي. ومع أن دولاً صناعية ديمقراطية أخرى؛ مثل أستراليا والهند واليابان وكوريا الجنوبية تشكِّل جزءاً لا يتجزأ من الجهود في معالجة صعود الصين ومواجهة كوريا الشمالية؛ فإن التحالف عبر الأطلسي يبقى حجر الأساس لأي نظام ليبرالي قادر على خدمة المصلحة العالمية. ويجب على قادة الولايات المتحدة وأوروبا إعادة تنشيط الشراكة من خلال ميثاق أطلسي جديد للقرن الحادي والعشرين لا يكون قادراً على معالجة أزمات اليوم فحسب؛ بل أزمات الغد أيضاً.

اقرأ أيضاً: ميزان القوى العسكرية بين كوريا الشمالية وكوريا الجنوبية

في الحضيض

أثناء الحرب الباردة وبعدها مباشرة كانت الشراكة عبر الأطلسي في ذروتها؛ ولكن أهمية الناتو بدأت تخبو بعد مطلع الألفية، وبدا أن الشراكة نفسها قد وقعت ضحية نجاحها مع إهمال طرفَيها جهود تعزيزها. فخلال العقدَين الماضيَين لم يكن الناتو وسيلة التدخل إلا في أفغانستان عام 2001 وفي ليبيا عام 2011، وكان بعيداً عن أية عمليات رئيسية أخرى للسياسة الخارجية الأمريكية.

وقد عانتِ العلاقة عبر الأطلسي بعض التوترات خلال رئاسة جورج بوش الابن، ومع أن الرئيس أوباما أدرك أهمية هذه العلاقة؛ إلا أنه لم يضعها على قائمة أولوياته، والمشروع الثنائي الوحيد عبر الأطلسي -شراكة التجارة والاستثمار عبر الأطلسي- كان مصيره الفشل.

الرئيس الأمريكي السابق باراك أوباما في القمة الأمريكية- الأوروبية في بروكسل.. مارس 2014- وكالات

وعلى النقيض من الإهمال غير المقصود الذي عاناه التحالف خلال الإدارات الأمريكية السابقة؛ فقد تعامل ترامب معه بعدوانية معلنة. لا يحظى ترامب بأي إعجاب أو احترام أو حتى رهبة في أوروبا، وإنما يثير الاشمئزاز فقط. فخلال السنوات الأربع الماضية، دأب ترامب على ازدراء الاتحاد الأوروبي، ووصف حلف الناتو بأنه “قد عفَّى عليه الزمن”، بينما دعم علناً قادة غير ديمقراطيين؛ كان الرئيس الروسي بوتين من أبرزهم.

اقرأ أيضاً: من قاعة الحدث.. مذكرات من البيت الأبيض

ونتيجة لعدوانية ترامب، بدأ القادة الأوروبيون ينظرون إلى الولايات المتحدة على أنها قوة عظمى أخرى؛ مثل الصين أو روسيا، يجب على أوروبا أن توازن مصالحها معها. وقد تجلى ذلك بوضوح في الاستراتيجية الجديدة التي أطلقها وزير الخارجية الألماني عام 2018 تجاه العلاقة مع الولايات المتحدة؛ حيث دعا إلى إعادة تنظيم العلاقة الأوروبية- الأمريكية، وتعزيز استقلالية الاستراتيجية الأوروبية.

تحالف متجدد

على الرغم من التباعد الظاهر بين الولايات المتحدة وأوروبا؛ فإن العديد من صناع السياسات في القارتَين يقدرون عالياً العلاقة عبر الأطلسي ويرغبون في تعزيزها. وقد أخبرنا نائب وزير الخارجية الأمريكي جون نيغروبونتي، أنه “من المهم جداً للإدارة القادمة أن تركز على أوروبا”؛ ولكن كما قال وولفغانغ إيشينغر؛ السفير الألماني السابق لدى واشنطن، فإن “هذه العلاقة تحتاج إلى قدر من العناية والاهتمام أكثر من السابق بكثير”.

اقرأ أيضاً: عقيدة سيناترا.. ما الذي سيفعله الاتحاد الأوروبي مع الصين؟

وهذه العناية قد تتطلب إعادة النظر في الهياكل المؤسساتية التي يعمل من خلالها التحالف؛ فالقضايا التي تشغل بال الولايات المتحدة حالياً لا تتناسب تماماً مع مظلة حلف شمال الأطلسي. وكذلك الأمر بالنسبة إلى الشراكة الأمريكية- الأوروبية التي لا تخرج بأكثر من وعود مبهمة بالعمل معاً على عكس مجموعة العشرين، والمحور الآسيوي.

المقر الرئيسي لحلف شمال الأطلسي “الناتو” في بروكسل- وكالات

ولكن إذا كانت الولايات المتحدة عاجزة عن حلِّ مشكلات سياستها الخارجية من خلال التعاون الأوروبي، فإنها على الأرجح لن تقدر على حلها بمفردها. وبالمثل، تعتمد أوروبا على الدعم والضمانات الأمنية الأمريكية. وعلى الرغم من دعوة المستشارة الألمانية أنجيلا ميركل، والرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون، أوروبا إلى بناء استقلاليتها الاستراتيجية؛ فإنه يبقى من غير المرجح أن تكون أوروبا قادرة على ردع روسيا أو مواجهة الإرهاب وحدها في المستقبل القريب، وسيبقى الناتو عاملاً أساسياً لأمنها. وكذلك لن تستطيع أوروبا تحقيق الاستقرار في الشرق الأوسط دون التنسيق مع الولايات المتحدة. لذلك، ولأسبابٍ كثيرة أخرى، يتوافق القادة الأوروبيون على أن الولايات المتحدة يمكنها أن تبقى شريكاً أساسياً ما دام لا يتعين عليهم التعامل مع ترامب.

ميثاق أطلسي جديد

على مدى أكثر من سبعين عاماً كان التحالف عبر الأطلسي هو المحرك للنظام العالمي، ودعم التحالف التجارة الدولية الحرة والتنمية الاقتصادية وحقوق الإنسان، وكان الغرب من أكبر المستفيدين منه، إلا أن أجزاء أخرى من العالم قد ازدهرت خلال هذه الفترة. ولكن في السنوات الأخيرة، بدأت تتجلى صورة عالم جديد؛ فالصين تفرض إرادتها، وروسيا تتدخل في شؤون الدول الأخرى وتعتدي على جيرانها، بينما اجتاح العالم وباء قاتل.. كل ذلك وإدارة ترامب تترفع عن العمل مع أوروبا في استجابة عالمية. باختصار، لقد جعل هذا التباعد الولايات المتحدة أضعف، وجعل من العالم مكاناً أكثر خطورة.

اقرأ أيضاً: كيف تتفكك القوة الأمريكية وتنتهي هيمنة القطب الأوحد بلا عودة؟

لقد أصبح من الضروري إعادة تنشيط التحالف عبر الأطلسي الذي وضع يوماً ما رؤية أنشأت منظمات؛ مثل الأمم المتحدة، وحلف الناتو، والاتحاد الأوروبي، من أجل وضع نسخة القرن الحادي والعشرين من الميثاق الأطلسي، ولإنشاء مؤسسات جديدة لمواجهة التحديات الراهنة.

اقرأ أيضاً: بعد أزمة كورونا.. هل يتنبه حلف الأطلسي للتهديد الصيني؟

ومن بين هذه المؤسسات سيكون “مجلس عبر الأطلسي” الذي يسهِّل التعاون على مستوى رؤساء الدول والوزراء والمديرين، وإقامة الحوارات حول الموضوعات ذات الاهتمام المشترك، كما سيشرف على لقاءات القمة الأمريكية- الأوروبية. كما يمكن للمجلس رسم سياساتٍ مشتركة لمعالجة القضايا العامة؛ كالتغيرات المناخية على سبيل المثال، ويمكن للولايات المتحدة وأوروبا من خلاله تنسيق استراتيجية مشتركة حول القضايا المشتركة؛ مثل الصين وروسيا وقضايا التنمية والفضاء الإلكتروني.

في النهايةِ، يمكن للمؤسسات الجديدة أن تساعد في استعادة روح التعاون التي ميزت يوماً ما العلاقة عبر المتوسط. ففي وقتٍ من الأوقات اعتمدتِ الولايات المتحدة وأوروبا كل منهما على الآخر بشكل يكاد يكون غريزياً. والآن يجب عليهما العمل معاً لاستعادة تلك الذاكرة القوية. فليست الولايات المتحدة وأوروبا فقط بحاجة إلى تجديد الشراكة عبر الأطلسي؛ بل النظام الليبرالي بأسره أيضاً.

ديفيد مكين، شغل منصب مدير تخطيط السياسات لوزير الخارجية الأمريكي 

بارت زوزيك، أستاذ مساعد في معهد العلوم السياسية بباريس

المصدر: فورين أفيرز

اتبعنا على تويتر من هنا

تعليقات عبر الفيس بوك

التعليقات

مقالات ذات صلة