الواجهة الرئيسيةشؤون دولية

كيف تزداد جماعات اليمين المتطرف شيوعاً وخطورة؟

حسب مؤشر الإرهاب العالمي ازداد نشاط اليمين المتطرف بشكل لافت خلال السنوات الخمس الماضية في أمريكا الشمالية وغرب أوروبا بنسبة 320 في المئة

كيوبوست – منير بن وبر

قدَّمت وزارة الأمن الداخلي الأمريكية، في سبتمبر الماضي، مجموعة مِنح بقيمة 10 ملايين دولار إلى 29 منظمة تعمل في مجال مكافحة التطرف. سيتم توزيع الجزء الأكبر من التمويل الممنوح على داعمي المبادرات الرامية إلى مكافحة عنف تفوُّق العرق الأبيض، والجماعات اليمينية المتطرفة. وتمثِّل هذه المنح استجابة مباشرة للتهديدات المتزايدة لهذا النوع من الإرهاب والتطرف في الولايات المتحدة وأوروبا. فرغم انخفاض عدد ضحايا الإرهاب خلال السنوات الأربع الأخيرة؛ فإن الفكر والنشاط الإرهابي والمتطرف قد ازدادت انتشاراً.

وحسب مؤشر الإرهاب العالمي، ازداد نشاط اليمين المتطرف بشكلٍ لافت خلال السنوات الخمس الماضية في أمريكا الشمالية وغرب أوروبا، حتى بلغت نسبة زيادة الهجمات الإرهابية لليمين المتطرف في هذه المناطق 320 في المئة. ووفقاً لرئيس المخابرات الحربية البريطانية (MI5)؛ كين ماكالوم، فإن 30 في المئة من المؤامرات الإرهابية التي تم إحباطها في المملكة المتحدة مؤخراً كانت من قِبل متطرفين يمينيين، كما أن “التهديد الأوروبي من أقصى اليمين يتزايد”، حسب ماكالوم.

اقرأ أيضاً: الهجوم الإرهابي في هاناو يُشعل النقاشَ مجددًا حول مخاطر أيديولوجيا اليمين المتطرف

وفي الولايات المتحدة، قال القائم بأعمال وزير الأمن الداخلي، تشاد وولف، إن أولئك الذين يتعصَّبون لتفوُّق البِيض يمثِّلون “التهديد الأكثر استمراراً وفتكاً”. سبق أن عبر مدير مكتب التحقيقات الفيدرالي، كريستوفر راي، عن مخاوف مماثلة؛ حيث أشار إلى أن “أكثر المتطرفين المحليين فتكاً منذ عام 2001” هم أولئك الذين لديهم دوافع عنصرية وعِرقية، وأضاف أن “المُتعصبين للبِيض” يكوِّنون الحصة الكبرى من هؤلاء المتطرفين. ووفقاً لمركز دراسة الكراهية والتطرف في جامعة ولاية كاليفورنيا؛ سان برناردينو، كان المتعصبون للبِيض مسؤولين عن جرائم القتل المتطرفة الأكثر إلهاماً أيديولوجياً في السنوات الأخيرة، متجاوزين عمليات قتل السلفيين والجهاديين في الولايات المتحدة.

الشرطة الفرنسية في موقع مهاجمة قس يوناني – وكالات

استهداف اليهود والمسلمين

عادةً ما يتم تعريف التطرف اليميني كفكر يناهض الديمقراطية والمساواة، وغالباً ما يرتبط بمعاداة السامية (خصوصاً اليهود)، والعنصرية، وكراهية الأجانب، والقومية الإقصائية، والاستبداد، ونظريات المؤامرة.

أكثر نظريات المؤامرة شيوعاً لدى اليمينيين المتطرفين تفترض أن اليهود والمسلمين هم الأعداء الأساسيين. وتتم تغذية الفكر اليميني المتطرف في كثير من الأحيان من قِبل السياسيين الذين يتعدُّون حدود الخطاب السياسي المقبول؛ فعلى سبيل المثال في عام 2017، قال رئيس الوزراء المجري فيكتور أوربان، المعروف بتشدده، إن “الهوية المسيحية” للاتحاد الأوروبي مهدَّدة بسبب المهاجرين المسلمين، كما حذَّر من مستقبل يُهيمن فيه الإسلام على القارة الأوروبية.

اقرأ أيضاً: مذبحة نيوزيلندا“.. اليمين المتطرف يخضب صعوده بدماء المصلّين

وفي العام الماضي، ألقى عضو مجلس الشيوخ الأسترالي اليميني المتطرف؛ فريزر أنينج، باللوم على هجرة المسلمين في هجوم نيوزيلندا الشهير، الذي أدَّى إلى مقتل نحو خمسين مسلماً بدافع سيادة البِيض وكراهية الإسلام. وحسب أنينج، فإن “السبب الحقيقي” وراء الهجوم هو “برنامج الهجرة الذي سمح للمتعصبين المسلمين بالهجرة إلى نيوزيلندا”، وعبَّر عن مخاوفه من “تزايد الوجود الإسلامي” في أستراليا ونيوزيلندا.

جانب من إسعاف ضحايا هجوم نيوزيلندا- “AP”

وفي تقريرٍ لها على دور السياسيين في تمكين اليمين المتطرف، قالت هيئة التحرير بصحيفة “فاينانشيال تايمز”: “يجب على السياسيين الذين يُتاجرون في الإسلام فوبيا والتعصُّب، ضمنياً أو صريحاً، تجاوز مجرد تقديم التعازي والتوقف عن قيادة المتطرفين”.

وكالمسلمين، فإن اليهود هم محط ازدراء لدى جماعات وأفراد اليمين المتطرف؛ ففي أكتوبر الماضي، على سبيل المثال، اعترف ريتشارد هولزر، وهو أحد النازيين الجدد، بأنه مذنبٌ في الاتهامات الفيدرالية بجرائم “الكراهية والمتفجرات”؛ حيث اتُّهم في العام الماضي بالتآمر لتفجير كنيس يهودي تاريخي في كولورادو، بالولايات المتحدة. وقد كان هولزر يسعى إلى “إزالة هذا المكان (الكنيس اليهودي) من الخريطة”، حسب تعبيره، قبل أن يُحبِط عملاءُ مكتب التحقيقات الفيدرالي الخطة في نوفمبر 2019. وحسب مكتب المدعي العام، فإن هولزر سبق أن أخبر أحد العملاء السريين بأنه “يريد القيام بشيء من شأنه إرسال رسالة إلى الجالية اليهودية مفادها أنهم غير مُرحَّب بهم في بويبلو (إحدى مقاطعات كولورادو)”، كما أعلن أنه “يريد بدء حرب مقدسة عنصرية”.

الاستهداف الانتقائي

رحَّلت السلطات الأوكرانية في أكتوبر الماضي أمريكيَّين ينتميان إلى مجموعة نازية أمريكية متطرفة جديدة تُدعى “أتوم وافن” (Atomwaffen). وحسب مسؤولي الأمن الأوكراني، فإن المتطرفَين حاولا إنشاء فرع محلِّي في أوكرانيا، والانضمام إلى وحدة عسكرية يمينية متطرفة لاكتساب الخبرة القتالية. وقد أفادت إدارة أمن الدولة أن الأمريكيَّين “أنتجا شريط فيديو (انتشر عبر وسائل التواصل الاجتماعي) يروِّج للنازية الجديدة ويحث المواطنين على ارتكاب جرائم خطيرة بشكل خاص؛ بما في ذلك القتل والهجمات الإرهابية” في أوكرانيا.

اقرأ أيضاً: كيف تستغل الجماعات الإرهابية واليمين المتطرف أزمةكورونا؟

لا تمثِّل قصة ترحيل الأمريكيَّين المتطرفَين سوى قمة الجبل الممكن ملاحظته لإرهاب اليمين المتطرف العابر للحدود، والذي يستغل الإنترنت ووسائل التواصل الاجتماعي، جنباً إلى جنب مع الاستقطاب الانتقائي للأطفال والشباب؛ بل وحتى جذب العسكريين ذوي الخبرة، وهو مؤشر خطير على أن إرهاب اليمين المتطرف والنازيين الجدد ومُبجِّلي البيض يمكن أن يكون الأكثر دموية وتدميراً للمجتمعات الغربية خلال السنوات المقبلة.

وقد كشف الخبراء عن أن النازيين الجدد يستخدمون الإنترنت ووسائل التواصل الاجتماعي للاستقطاب والترويج ونشر خطاب الكراهية. يقدِّم موقع “ستورم فرونت” (stormfront.org)، على سبيل المثال لا الحصر، مجموعة من الخطب اللاذعة ضد المثليين والمهاجرين واليهود والسود. ويتم استخدام “يوتيوب”، حسب الخبراء، لتجنيد الأطفال الذين لا تتجاوز أعمارهم 12 عاماً من خلال بث لقاءات مع مراهقين يعتبرون نجوماً صاعدين لليمين المتطرف، كما يستخدمون منصات ألعاب الكمبيوتر لاستهداف الشباب.

اقرأ أيضاً: التكنولوجيا سلاح اليمين المتطرف في ألمانيا

تُعد منظمة “البديل الوطني” أحد الأمثلة على استغلال الإنترنت؛ وهي منظمة فاشية تدعو إلى طرد أي شخص غير أبيض من المملكة المتحدة. تأسست المنظمة في عام 2019 على يد مارك أدريان كولت، وهو ناشط سياسي بريطاني من اليمين المتطرف.

ناشط في منظمة Black Lives Matter يُسعف متظاهراً مصاباً من “اليمين المتطرف” في لندن- “رويترز”

ولأن الإحساس بالاندماج والانتماء هو أحد أقوى الإغراءات التي لا يمكن مقاومتها من قِبل الشباب والأطفال؛ فقد دأبت الجماعات اليمينية المتطرفة على استخدام هذا التكتيك لتعزيز روح الانتماء والولاء المتعصِّب في نفوس مستهدَفِيها. على سبيل المثال، تقول منظمة “البديل الوطني” في صفحتها على الإنترنت: “إن الوجود حول أشخاص متشابهين في التفكير يهتمون بالقضايا التي تهتم بها، يساعدك على فهم أنك لست وحدك”.

استقطاب العسكريين

يمكن القول إن الجانب الأكثر خطورة في تكتيكات الاستقطاب لدى جماعات اليمين المتطرف هو تجنيد أفراد من الجيش الأمريكي؛ حيث كشفت تسجيلات سرية لمجموعة نازية متطرفة تُعرف باسم  “ذا بيس” (بالإنجليزية the base)، عن سعي المجموعة النَّشِط لتجنيد أفراد من الجيش الأمريكي؛ من أجل الاستعداد “للانهيار الوشيك” للمجتمع الأمريكي والحرب العرقية القادمة.

اقرأ أيضاً: كيف يؤثر صعود اليمين المتطرف في أوروبا على المسلمين؟

يُذكر أن “ذا بيس” هي مجموعة نازية متشددة جديدة تعمل كمجموعة شبه عسكرية، وهي على اتصال بعدد من العسكريين والمحاربين الأمريكيين القدامى؛ خصوصاً ذوي المهارات العالية، لتدريبهم و/أو استغلالهم في أعمال العنف. وحسب التسجيلات، يقول أحد الشباب: “لدينا فقط كراهية خالصة للحضارة الحديثة والتصنيع.. نرغب في تحرير أنفسنا ورفاقنا البِيض من هذا النظام، من خلال التخريب الاقتصادي؛ مثل التفجيرات والحرق المتعمد”.

مجموعة من أعضاء منظمة “ذا بيس” المتطرفة تحمل السلاح وشعار المجموعة- “تويتر”

إن عبارة “الإرهاب لا دين له” هي مقولة شائعة تعبِّر عن حقيقة لا يمكن إنكارها؛ وهي أن الإرهاب سلوك إجرامي يُمكن أن يتبناه أي شخص بغض النظر عن ديانته أو جنسيته؛ لكنه، وعلى عكس الجرائم الأخرى، يجد لنفسه مبرراً ودافعاً مُغرياً لجرميته والترويج لها علانية وبفخر؛ إذ لا يمكن للص يمارس جريمة السرقة أن يروِّج بوضوح وعلانية للسرقة كوسيلة لكسب العيش؛ لكن الإرهابي يمكنه أن يروِّج للنهب كوسيلة مبررة لإذلال المنهوب الذي يختلف عنه عرقياً أو دينياً أو فكرياً؛ الأمر الذي يجر العالم الغربي اليوم إلى أزمة لإثبات تطبيقها الفعَّال لمبادئه القائمة على الديمقراطية والمساواة والحرية؛ حيث يهدد إرهاب اليمين المتطرف وتفوُّق البِيض والنازيين الجدد بنسف كل تلك القيم، وربما يجدر بالسياسيين وصناع القرار والقادة اليوم التركيز على الترويج للاعتدال والتسامح والتعايش السلمي أكثر من أي وقت مضى في جميع أنحاء العالم.

اتبعنا على تويتر من هنا

تعليقات عبر الفيس بوك

التعليقات

مقالات ذات صلة