شؤون خليجية

كيف تدحرجت كرة الحوثيين حتى وصلت إلى صنعاء؟

ما قبل سقوط العاصمة: القصة الكاملة لسيطرة الحوثيين على مدن يمنية

خاص كيو بوست –

واقعيًا، لم يكن الانقلاب الحوثي على الحكومة اليمنية المعترف بها دوليًا، وسيطرتهم على السلطة في صنعاء في 21 أيلول/سبتمبر عام 2014، مفاجئًا للمراقبين لطبيعة الأحداث وتطوراتها الدراماتيكية، في أعقاب الإطاحة بالرئيس السابق علي عبد الله صالح قبل 7 سنوات، إثر ثورة شعبية طالبته بمغادرة الحكم.

فقد استبقت مشهدَ الانقلاب على الحكومة الشرعيّة، مقدماتٌ تُوّجت بأفعال وسلوكيات حوثية أثارت الشك -مُنذُ الوهلة الأولى- في مدى إيمانهم بمبدأ الشراكة السياسية، خصوصًا بعد عام 2011، كما يؤكد الكاتب الصحافي اليمني علي أبو لحوم لـ”كيو بوست”.

وتجلّى هذا السلوك، بفرض الحوثيين أنفسهم -سرًا وعلانيةً- كما لو أنهم حكام صعدة والشمال اليمني الفعليون؛ إذ عززوا قدراتهم العسكرية والتنظيمية في تلك المناطق، وجنوا عوائد مالية من الزراعة لصالحهم، رغم أنها حق للحكومة، مع العلم أنه يُنظر لصعدة وما حولها كسلة غذاء اليمن.

وفوق هذا كله، أمعنوا في تطوير ميلشياتهم وتدريبها وتسليحها، مررورًا بعقد تحالفات “المصلحة” مع علي عبد الله صالح على نار هادئة، بإيعاز إيراني، حتى جاءت ساعة الصفر للانطلاق.

 

كيف ظهرت الجماعة؟

وبدأت قوة الحوثيين العسكرية بالتنامي، وطرحوا أنفسهم كجيش خاص، وقد عزز هذا الانطباع ما لاحظه أبو لحوم خلال تغطيته الصحافية لمشهد تشييع جماعة الحوثي جثمان زعيمهم السابق حسين بدر الدين في حزيران/يونيو عام 2013، بعدما تسلمتها من الأمن السياسي الذي احتجزه على مدار سنوات؛ إذ كان قد قتل في معارك صعدة مع الجيش الحكومي عام 2004.

فالقوات الحوثية، التي تولت تأمين وتنظيم عملية التأبين، بدت أشد تنظيمًا -وفقًا لعلي أبو لحوم- الأمر الذي طرح وقتها أسئلة عديدة حول “ما الذي تريده هذه الجماعة؟ وما هو سقف طموحها؟ ولماذا لم تكتفِ بطرح نفسها كأي حزب يمني آخر؟!”.  

هذا إن علمنا أن الرئيس اليمني عبد ربه منصور هادي انتهج وقتها سياسة انفتاح نحو الحوثيين، وقدمت حكومته اعتذارًا لجماعة الحوثي عن المعارك التي خاضها ضدهم سلفه علي عبد الله صالح، في محاولة منه للتصالح مع الجميع، وتكريس الشراكة مع الجميع للنهوض باليمن الجديد، فيشارك في بنائه جميع الفرقاء السياسيين دون استثناء. ولكن هذا ما لم يحدث؛ فلدى جماعة الحوثي طموح فئوي مختلف تمامًا، قاموا بترجمته بقوة السلاح لاحقًا.

 

تمدد

ولم يقف الأمر عند ذلك فحسب، فقد أفادت مصادر صحفية وسياسية يمنية بشكل متطابق لـ”كيو بوست” أن الجماعة لم تقصر وجودها على معقلها الرئيس – صعدة، بل أخذت تتمدد إلى العاصمة صنعاء قبل الانقلاب بثلاث سنوات، ونشرت فكرها السياسي ذي الوصفة الخمينية بين أبناء المذهب الزيدي، بالترافق مع تعزيز تواجد خلاياها العسكرية في أحياء عدة بالعاصمة.

لذا، كانت جماعة الحوثيين المسلحة تسيطر قبل الانقلاب، على محافظة صعدة وأجزاء من محافظات مجاورة، كما امتد نفوذها إلى العاصمة صنعاء وعدد من أحيائها، ونشطت فعالياتها الفكرية والسياسية. 

وفي هذا السياق، يستذكر مصدر يقيم في صنعاء ما حدث ليلة 12 يوليو/تموز ٢٠١٣، أي قبل الانقلاب بسنة تقريبًا؛ حين اندلعت اشتباكات هي الأولى من نوعها بين مسلحين من جماعة الحوثي وآخرين سلفيين، وذلك بسبب منع الحوثيين لمصلين من إقامة صلاة التراويح في أحد مساجد العاصمة صنعاء، بحجة أنه في منطقة ذات أغلبية حوثية، وبأنهم يعتبرون “التراويح بدعة”، وأنها لا تُصلى “جماعة” وإنما في البيت.

أحد قتلى الاشتباكات مع السلفيين

ويضيف المصدر، لـ”كيو بوست”، مفضلًا عدم ذكر اسمه، أن تلك الحادثة دقت ناقوس خطر انزلاق اليمن إلى هاوية الطائفية، التي لم تكن يومًا موجودة في هذا البلد، فلطالما انغمس الزيديون (أقرب الفرق الشيعية للسنة) والشافعيون (السُّنة) في اليمن. لقد تزاوجوا وتصاهروا وصلّوا في مساجد مشتركة.

هُنا في أرض سام (اليمن)، يوجد مذهب “الزيدية” وآخر شافعي، وعلى مدار التاريخ لم ينظروا إلى بعضهم على أساس أنهم مختلفون، بل كانوا كما لو أنهم مذهب واحد، متعايشون ومتآخون ومتوافقون. 

 

كيف بدأت المشكلة؟

تقول بعض الأوساط اليمنية إن بذور “الطائفية” بدأت بعد الحروب الستة في “صعدة” شمال صنعاء، بين الجيش اليمني والحوثيين، على إثر تأسيس “حسين بدر الدين الحوثي”، بعد عودته من إيران، لحركة الشباب المؤمن (الحوثيين)، وتكوين نواتها بعد عام 1999م، ونشر فكر الثقافة القرآنية حسب اجتهاداته، تحت غطاء المذهب الزيدي، وتأسيس مدارسه في محافظة صعدة، والعمل على إضعاف التواجد الحكومي في المحافظة.

وبموازاة ذلك، عكفت الحركة الحوثية على تسليح نفسها بأسلحة خفيفة وثقيلة عبر إيران، فيما بدا أنه الإعداد لليلة الانقلاب. وسبقه بأشهر واقعة استيلاء البحرية الإسرائيلية على السفينة المحمّلة بصواريخ في عرض البحر الأحمر، بحجة أنها كانت قادمة من إيران لحماس، ولكن اتضح لاحقًا، بحسب الاستخبارات الغربية، أنها كانت ذاهبة للحوثيين.

حسين بدر الدين الحوثي

ويُستدل مما سبق، على أن جماعة الحوثي بدأت منذ اليوم الأول للإطاحة بعلي عبد الله صالح، بالإعداد للانقلاب والسيطرة على مفاصل الحكم في البلاد، مستفيدة من عوامل داخلية وأخرى ظرفية إقليمية، في سياق التمدد الإيراني في المنطقة العربية. ويعني هذا أن أجندات الحوثي عابرة لحدود اليمن، ولم تكن وطنية في داخل الجغرافيا اليمنية.

وبينما كان نفوذ علي عبد الله صالح باقيًا في “الدولة العميقة”، رغم مغادرته الحكم، وافق على التحالف مع الميليشيات الحوثية، بغية الانقلاب على خصومه في الحكومة اليمنية. واستفادت الجماعة الحوثية، من قوة الحرس الجمهوري ومجموعات عسكرية أخرى تحت امرة صالح في حسم الانقلاب سريعًا، وفي أيام قليلة.

ولمّا أدرك صالح متأخرًا نوايا الحوثيين العابرة للحدود وبشكل مغاير لمصالحه، حاول أن يقف في وجهها، ولكن سرعان ما قتلته، بعد أن ضمنوا أنهم فككوا قوات “الحرس الجمهوري” الذي كان تحت إمرته، وأنهكته على محاور القتال مع التحالف العربي في محاور عدة، فلم تعد معه تلك القوة العسكرية التي تحميه، ثم تنتقم له على الأقل، حتى الآن، ولكن.. ربما بعد حين.

ويعلل الصحافي علي أبو لحوم في تصريحاته الخاصة لـ”كيوبوست” فعلة ميليشيات الحوثي المتمثلة بالانقلاب بالقول: “إن الحوثيين جماعة دينية أصولية، استخدمت الكثير من الشعارات الدينية والوطنية حتى يتسنى لها الانقلاب على حكومة الوفاق، التي كانت تمهد لتنفيذ ما توافق عليه المتحاورون في مؤتمر الحوار الوطني، خصوصًا أن تنفيذ مخرجات الحوار حول الدولة المدنية، كان مسألة وقت”.

“ولأن الحوثيين جماعة دينية، فلن تجد لها موطئ قدم في دولة المساواة والقانون، نظرًا لاعتمادها على مبدأ الطبقية والتفاضل على أساس السلالة (فالحوثي يعتبر نفسه هاشميًا من سلالة النبي المصطفى)، ولذلك وجدوا أنه من الأجدى لهم الانقلاب على تلك الحكومة، وقد جيشوا لذلك الكثير من الشعارات، التي كانت نابعة من معاناة المواطن اليمني مثل غلاء المعيشة وغيرها، بالتوازي مع توظيف حنق الرئيس السابق علي عبد الله صالح على ثوار فبراير/شباط الذين انقلبوا على نظامه”، يضيف أبو لحوم.

 

تعليقات عبر الفيس بوك

التعليقات

مقالات ذات صلة