الواجهة الرئيسيةترجماتثقافة ومعرفة

كيف تختلف الحِكمة عن المعرفة؟

هل يكفي الكتاب لاكتساب الحكمة؟

ترجمة كيو بوست –

نشر رئيس قسم الفلسفة في جامعة دبلن، البروفيسور بول أوغرادي، مقالة في مجلة “آيرش تايمز” الأيرلندية، يناقش فيها وجهة نظر الفلاسفة القدماء لمفهوميّ الحِكمة والمعرفة، ويطرح أسئلةً حول كيفية تحقيق الحِكمة، وفيما إذا كانت مُكتسبة مع تقدّم السنّ أو من خلال الكتب، أو من خلال التجربة العملية لزوايا الحياة المختلفة. ويعتقد “أوغرادي” أن الحِكمة تكمن داخل الإنسان وليس في صفحات الكتاب، وأن الفلسفة مكملةٌ للعلم وليست مُنافسًا له.

الكثيرُ منا يسأل: هل يمكنُ اكتساب الحِكمة من خلال التردّد إلى المكتبات وقراءةِ الكتب والاستفادة من المعرفة المكتوبة في مجلدات؟

يقول الفيلسوف النمساوي لودفيغ فتغنشتاين: “قُم بتحسين نفسكَ فحسب، وهذا هو كلّ ما يمكنك القيام بهِ لتحسين العالم”. عندما تسمعُ هذه النصيحة من فيلسوفٍ عبقريّ لهُ باعٌ طويلٌ في عِلم المنطق، فإن هذا لا يعني مجرّد الحصول على عضويةٍ في صالةٍ رياضية، أو التسجيل في مساقٍ في برمجة الحاسوب. من الجيّد أن تعتني بصحتك، وتكتسب مهاراتٍ عملية، إلا أنها نظرةٌ محدودةٌ جدًا لمفهوم تحسين الذات، أليس كذلك؟ بالطبع ليس هذا ما نادى به الإغريق القدماء.

بالنسبة للفلاسفة العظماء، فإن تحسين الذات مشروعٌ أخلاقيّ وفكريّ؛ وبالنسبة للفيلسوف اليوناني ديوجينز، فإنه يعني التعلم على العيْش بممتلكاتٍ أقلّ، وبالنسبة للفيلسوف الرومانيّ أبكتيتوس، فإنه يعني اكتشاف ما هو خارج سيطرتك وقبوله؛ وبالنسبة لأرسطو، فإنه يعني زراعة الفضائلِ والصداقات والفِطنة السياسيّة.

كان الهدفُ المشتركُ لهؤلاء المفكّرين هو تحقيق الحكمة؛ مفهومٌ انزلق اليوْم عن معناه القديم. فهل يمكنك أن تصبح حكيمًا من خلال البحثِ عن الأشياء في محرك بحث غوغل؟ وهل تُبنى الحِكمةَ مع تقدّم السنّ؟ يمكن وصف الإجابة الشافية بالقول إن “الحكمة تقديرٌ شخصيٌ لكيفية مساهمة الأفكار في العيْش بشكلٍ جيد”.

كيف تختلف المعرفة عن الحِكمة؟

هنالك أنواع مختلفة من المعرفة، الحِكمة واحدةٌ من تلك الأنواع. وعلى المستوى البديهي، يمكننا التمييز ما بين أنواع المعرفة النظرية المطلوبة في العالِم الجيد أو المتخصّص في الرياضيات على سبيل المثال، وكذلك المعرفة العملية المطلوبة في الإداريّ الجيد. نستطيع أيضًا التفكير في نوع المعرفة الوجدانية المطلوبة لمهارات التعامل مع الآخرين، والمعرفة التقنية المطلوبة في الميكانيكيّ الجيد.

لقد ميّز أرسطو بين العديد من هذه المفاهيم القديمة، إلا أن النزعة الحديثة انصبّت على التفكير بالمعرفة في إطار نموذج علميَ مع أدلةٍ تجريبية مُحكمةٍ ودقيقة.

الحكمة تتعلق بالمعرفة المطلوبة للعيش بشكل جيد

لقد ميّز أرسطو بين الحِكمة النظرية والحِكمة العملية. الحِكمة النظرية هي البحث والتحقيق في الطبيعة العميقة للواقع؛ أي الميتافيزيقيا أو نظرة الفرد الفلسفية للحياة. أما الحِكمة العملية فهي دراسة الحياة الجيدة؛ مثل الأخلاق.

لقد تحدّى الكُتّاب الجُدد هذا الفصل بين النظريّ والعمليّ في الحِكمة؛ إذ يشيرون إلى أن الحِكمة شكلٌ من أشكال المعرفة، التي تسعى إلى دمج العناصر المختلفة للحياة البشرية، وهم يفعلون ذلك إدراكًا لهذا الحجم الهائل من تنوّع الآراء. في الحقيقة، هنالك ترابط بين آرائنا الفلسفية وأعمالنا وعواطفنا وقيمنا، والحِكمة هي وسيلةٌ للتفكير في هذا الترابط، لذا فهي تشمل العناصر النظرية والعملية.

أحدُ الاختلاف الهامة الأخرى هو أن الحِكمة تطبيقية وشخصية وفردية، وليست قائمة على افتراض، وبالتالي لا يمكن تخزينها في مكتبة. وهي موجودة في الأفراد الذين ربما يستخدمون المكتبات وسيلةً لتعزيز حكمتهم، إلا أن موقعها الأساسي هو الشخص وليس الكِتاب. وللحِكمة درجات، وهي ليست ظاهرة اللاشيء أو كلّ شيء؛ فبعضهم يكتسب الكثير منها، وآخرون أقلّ من ذلك.

بالنسبة لسقراط، الحِكمة هي التجرد من المعرفة الزائفة، وإدراك المرء لجهله الذاتيّ. ولو كان الأمر كذلك، فلماذا يرغب الناس بتحقيق الحِكمة في ظل هذه الظروف؟ ولو كانت الحِكمة كذلك، فهنالك مشكلة بمفهومها، وسيصبح جميع الجاهلين الذين يدركون جهلهم حكماء!

ومن أجل وضع قدمٍ في طريق الحِكمة، لا بدّ من إدراك قيودنا ومحدداتنا، وهذا يتطلب تقييمًا دقيقًا للذات. ما هي نقاط قوتنا وضعفنا؟ ما الذي نقدر عليه، وما الذي نبرع به؟ وما هي الأهداف الواقعية؟ فمعطيات الزمن الحاضر تتطلب وعيًا فكريًا خاصًا وإدراكًا فذًّا للأساليب المتغايرة.

هل هنالك قيمة في طرح الأسئلة التي لا يمكن الإجابة عليها؟

اعتقد البعض أن تاريخ الفلسفة انطوى على أسئلةٍ لا إجابة لها، والحقيقة هي أن نهجًا جديدًا ينشأ عند اكتشاف وسائل جديدة قادرة على الخروج بإجابات حاسمة قابلة للاختبار، سواء كان ذلك في الفيزياء أو الاقتصاد أو علم النفس أو علم الاجتماع أو اللغويات أو العلوم المعرفية الأخرى.

هنالك قيمةٌ في طرح هذه الأسئلة العميقة المتكررة التي يحتار بشأنها الفلاسفة؛ على سبيل المثال، ما هو الخير؟ وما هي المعرفة؟ وما هو الحقيقيّ؟ ليست هنالك إجابات محددة لهذا النوْع من الأسئلة، إلا أنها تمنح المرء بصيرةً ونظرةً ثاقبة حول قيمٍ لا تحظى بإجماع عالميّ مثل ما حظيت به الرياضيات والعلوم الطبيعية.

من شأن الخوض في عملية طرح الأسئلة، ومحاولة الإجابة عليها، أن يمنح المرء فهمًا أعمق وبصيرة أوسع لهياكل التفكير البشري العميقة. ولذلك، فإن النهج الفلسفي مُكمل للعلم وليس منافسًا له.

انضممت الصيف الماضي إلى ورشة عملٍ في نيويورك، شارك بها فلاسفةٌ وعلماء نفس كٌثر، ناقشنا خلالها أسئلة ومناهج مختلفة حول مفهوم الحِكمة. وحينها، بحث علماء النفس عن نماذجٍ يمكنهم من خلالها إجراء القياسات والتنبؤات، أما الفلاسفة فقاموا بتقييم التماسك والقوة التفسيرية للنماذج، وأبحروا في تقاليدها المختلفة، بما في ذلك الفلسفة الآسيوية التي تولي اهتمامًا خاصًا بمفهوم الحِكمة.

الكثير من العمل يكمنُ في فهم مصالحنا وأساليبنا المختلفة، وإدراك حقيقة إسناد بعضها بعضًا، والسؤال الأهم يبقى “كيف ينبغي للمرء أن يعيش حياته؟”

تعليقات عبر الفيس بوك

التعليقات

مقالات ذات صلة